تقاير ساخنة

المراكز الصحية في الأردن: المباني موجودة، لكن ماذا عن الرعاية؟

بعد قرار إغلاق العيادات الخارجية لمستشفيات وزارة الصحة، والهادف لتخفيف الضغط على الكوادر الطبية التي تتعامل مع جائحة كورونا، برزت أكثر من أي وقت مضى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه المراكز الصحية التابعة للوزارة، لسدّ بعض من الفجوة التي خلقها قرار الإغلاق. وذلك من خلال تقديم خدمات الرعاية الصحية والمتابعة للمرضى الذين لا يستطيعون التوجه للقطاع الخاص.

من هنا تأتي أهمية سؤال كفاءة منظومة الرعاية الصحية الأولية التي تنضوي في إطارها هذه المراكز. وهو سؤال لا تبدو الإجابة عليه مبشرة، إذ هناك ما يؤكد أن تردي خدمات هذه المنظومة، وقصورها عن النهوض بأدوارها، كان، منذ الأساس، عاملًا رئيسيًا في إثقال عيادات المستشفيات بأعباء كان من المفترض أن تنهض بها المراكز الصحية. أعباء، لم تعد هذه العيادات قادرة على التعامل معها، ومع الجائحة في آن.

في العام 1984، حصل الأردن على قرض[1] من البنك الدولي لتحديث شبكة المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة، وذلك وفق رؤية جديدة ارتكزت آنذاك على مبدأ مفاده أن المركز الصحي يجب أن يتجاوز دوره الضيق كمؤسسة تقدم «العلاج»، إلى نطاق أرحب، فيصبح مؤسسة تبني مع سكان المنطقة التي تتواجد فيها علاقة، تقدم لهم من خلالها التوعية الصحية، وتساهم في تعزيز أساليب الحياة الصحية، والرعاية النفسية، والتشخيص المبكر للأمراض، وغيرها من خدمات تساعدهم على الوصول إلى حالة من التوازن الجسدي والنفسي، تؤهلهم لأن يكونوا مساهمين فاعلين اجتماعيًا واقتصاديًا في مجتمعهم.

بعد قرابة الأربعين سنة على مشروع التحديث هذا، لا يبدو أن ما سبق هو شكل العلاقة التي ربطت قاسم* (56 سنة) بالمركز الصحي في منطقته. عندما التقيناه في عمان، كان قاسم خارجًا من المركز، بعد أن أنهى للتوّ مراجعته الشهرية، حيث يتابع في المركز منذ سبع سنوات علاجه لمرض السكري، الذي اكتشف إصابته به صدفة، وذلك على هامش اكتشاف آخر تم بالصدفة أيضًا، وهو إصابته بانسداد في الشرايين.

بدأت القصة، كما يقول قاسم، عندما بدأ يشعر بإعياء عند قيامه بمجهود عضلي، وهو الذي أمضى حياته عامل طوبار، ثم اضطر بعد مرضه للتعطل عن العمل. وظل هذا الإعياء يتزايد إلى أن أصبح عاجزًا عن صعود بضع درجات. فراجع الأطباء الذين أبلغوه بانسداد الشرايين، وحاجته إلى عملية قسطرة. وهناك كشفت الفحوص المرافقة إصابته بالسكري.

يراجع قاسم المركز لشهرين ليأخذ أدويته، وفي الشهر الثالث لإجراء الفحوصات ورؤية الطبيب. في اليوم الذي التقيناه فيه كان عمل المختبر شبه متوقف منذ أكثر من أسبوع، بسبب نقص معظم المواد اللازمة لإجراء الفحوصات، كما أخبرنا الدكتور أحمد* أحد أطباء الأسرة في المركز، والذي قال إنها تحتاج إلى أسبوعين آخرين لكي تصل. يقول أحمد إن هذا الوضع يتكرر باستمرار، و«ممنوع إحنا نحكي (..) المهم نحكي لا، كل شي متوفر. بس هو مش كل شي متوفر». هذه الحال تضطر الأطباء لتأجيل مواعيد فحوصات المرضى. وتضطر المرضى الذين لا تمكنهم حالاتهم من الانتظار إلى إجراء الفحوصات على نفقتهم الخاصة.

كان قاسم محظوظًا ذلك اليوم لأنه كان موعد الطبيب لا الفحوصات. وإن كان حدث عدة مرات أن دفع على نفقته الخاصة كلفة أدوية، كان يقال له إن هناك نقصًا فيها، ويطلب منه أن يعود لاستلامها فيما بعد، فكان يضطر لشرائها توفيرًا للجهد، لأن المال كان سينفقه على أي حال على سيارات الأجرة.

رغم حظه، كان قاسم ذلك اليوم، قلقًا بشدة. فهو يعاني منذ أشهر من تنميل في كف يده يمتد أحيانًا إلى ذراعه. وقد أخبر الطبيب بذلك في مراجعته السابقة، فوصف له حقنة. ولم يتغير وضعه، فعاد وأخبر الطبيب الذي رآه هذه المرة، فأبلغه الأخير أن عليه أن يرى طبيب أعصاب. كان قاسم مرتبكًا بسبب عجزه عن فهم حالته. فهو في مراجعاته يرى طبيبًا مختلفًا في كل مرة، لأن توزيع المراجعين من قبل موظف السجل في المركز يتم بشكل عشوائي على الأطباء. وهؤلاء الأطباء أنفسهم ليسوا ثابتين. فالكثير جدًا من التبديلات، حدثت خلال سنين مراجعته للمركز، كما يقول. صحيح أن لديه سجلًا طبيًا تدون فيه أبرز معلومات حالته المرضية، لكنه يتمنى لو كان هناك متسع لدى الأطباء للإجابة على أسئلته، وشرح حالته، وتفسير الإجراءات المتخذة، بدل الجلسات الخاطفة و«الروتينية» التي تتم حاليًا.

لكن قاسم يستدرك بأنه يقدر ضغط المراجعين على هؤلاء الأطباء، وأنه سيكون محقًا بطلب هذا من طبيب في القطاع الخاص. أما «هذا مركز حكومي، مش إلي الدكتور».

 

مشروع تحديث المراكز الصحية: بين الرؤية وترجمتها

وفق رؤية مشروع التحديث سابق الذكر، ما كان يجوز أن يكون هذا هو شكل تجربة قاسم مع المركز الصحي. لأن أحد الأدوار الاساسية للمراكز الصحية هي تزويده بثقافة صحية كان من المفترض أن تمكنه من تمييز الأعراض التي أصابته، والحصول على تشخيص مبكر لأمراضه قبل استفحالها. وأن يحصل على أدويته وفحوصاته دون انقطاع. وأن يحظى بعلاقة منتظمة مع طبيب محدد مطلع على تفاصيل حالته.

ما سبق هو جانب من الرؤية التي روّج لها إعلان ألما آتا، الذي أطلقه العام 1978، مؤتمر عالمي للرعاية الصحية الأولية. والمقصود بـ«الرعاية الصحية الأولية»، هي الخدمات التي تتعلق بالحالات التي لا تحتاج إلى مستويات متقدمة من الاختصاص الطبي، أو رعاية داخل المستشفيات. وهذه الخدمات تقدمها في الأردن المراكز الصحية بأنواعها؛ الحكومية التابعة لوزارة الصحة والخدمات الطبية، والقطاع الخاص، والهيئات الدولية والخيرية. وهي تشكل المستوى الأول من نظام الرعاية الصحية المكون من ثلاثة مستويات، حيث يخص المستويان الثاني والثالث المرضى الذين يحتاجون إلى خدمات أكثر اختصاصًا في المستشفيات.

لقد أطلق الإعلان وقتها تعريفًا للصحة، مفاده أن «الصحة ليست مجرد غياب المرض والعجز، بل هي حالة من الرفاه الجسدي والعقلي والاجتماعي الكامل». واستنادًا إلى هذا التعريف، فإن الرعاية الصحية الأولية، بوصفها مدخل النظام الصحي، لا تعود مجرد علاج للمرض، بل هي منظومة متكاملة من الأدوار التي تساهم في تحسين نوعية حياة الأفراد في هذه الجوانب.

ويعدد موقع وزارة الصحة، والذي يقول إن الأردن كان من أوائل الدول التي تبنت الإعلان، الأدوار التي من المفترض أن تشكل أركان هذه المنظومة، وتشمل التشخيص المبكر للأمراض وعلاجها، ورعاية الأم والطفل، ووقاية المجتمع من الأمراض السارية والمستوطنة ومكافحتها، وتطعيم الأطفال ضد أمراض الطفولة المعدية، و‏الولادات الطبيعية والجراحات البسيطة، وتوفير الأدوية الأساسية، وصحة الفم والأسنان، وصحة المسنين، وتعزيز الصحة النفسية.[2] ويضاف إليها التثقيف الصحي، وتعزيز أنماط الحياة السليمة، والصحة المدرسية والمهنية، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، ومكافحة التدخين وغيرها.[3]

لقد انتقد الإعلان وقتها «التفاوت الحاد» في مستوى صحة الأفراد في الدول الغنية والفقيرة، وأيضًا داخل حدود الدول نفسها. ودعا حكومات العالم إلى الاستثمار في منظومة الرعاية الصحية الأولية، وجعلها من أولويات الإنفاق الصحي، كي تتمكن من الذهاب بخدمات الرعاية الصحية الأولية إلى الناس في أماكن تجمعاتهم، وليصبح المركز الصحي، من خلال أدواره المتعددة، فاعلًا في المجتمع المحلي، وأداةً لمساعدة أفراده في الوصول إلى هذه الحالة من التوازن الجسدي والعقلي والاجتماعي.[4] 

كان هذا هو السياق الذي انطلق ضمنه مشروع تحديث المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة ابتداءً من منتصف الثمانينات. والسؤال الآن، كيف هو واقع هذه المنظومة بعد 37 عامًا من انطلاق مشروع تحديثها؟ وإلى أي مدى يقترب هذا الواقع من الرؤية الأصلية؟

يوجد في المملكة 676 مركزًا صحيًا تابعًا لوزارة الصحة، تضم 429 عيادة أسنان، و506 مركزًا للأمومة والطفولة.[5] الجهات الأخرى التي تقدم خدمات الرعاية الصحية الأولية، هي، الخدمات الطبية الملكية من خلال تسعة مراكز صحية، ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، ولديها 25 مركزًا صحيًا، والمنظمات الخيرية ولديها 43 مركزًا صحيًا. إضافة إلى عيادات القطاع الخاص[6] التي تتواجد معظمها في العاصمة عمان.[7]

وبذلك؛ فإن وزارة الصحة هي المقدم الأكبر لخدمات الرعاية الصحية الأولية، التي ساهمت شبكة مراكزها في إدخال بعض التحسين على عدد من المؤشرات الصحية، بالتحديد في مجال الأمومة والطفولة، ففي مجال مطاعيم الأطفال، حقق الأردن التحصين الشامل للأطفال ابتداءً من العام 1988.[8] وقد انخفض معدل وفيات الأمهات لأسباب تتعلق بالحمل أو الولادة، من 73 وفاة لكل مئة ألف حالة في العام 1995، إلى 29.8 وفاة لكل مئة ألف حالة في العام 2018.[9] علمًا بأنه وفقًا لأرقام العام 2017،[10] كان عدد وفيات الأمهات في الأردن 46 وفاة، وكانت مرتبة الأردن وقتها 37 بين 101 دولة متوسطة الدخل، وهي الشريحة الاقتصادية التي ينتمي إليها الأردن، بحسب تصنيف البنك الدولي.

كما انخفض معدل وفيات الرضع من 37 وفاة لكل ألف مولود حي في العام 1995، إلى 13 وفاة لكل ألف مولود حي في العام 2019. وكانت مرتبة الأردن في العام 2019 هي 34 بين 104 دولة من مجموعة الدول المتوسطة الدخل.[11]

لكن ما سبق، لا ينفي وجود اختلالات عميقة في أداء المراكز الصحية في المملكة بشكل عام، أقرت بها وثائق حكومية ودولية، وأكدتها شهادات خبراء. والسبب هو الاختلالات التي شابت عملية تطبيق مشروع التحديث، كما يقول وزير الصحة السابق الدكتور زيد حمزة، الذي عاصر بدايات المشروع.

لقد كان من المؤمل، بحسب حمزة، أن تساهم هذه النهضة بمنظومة الرعاية الصحية الأولية في الأردن، في تقليل الإنفاق على الصحة؛ إذ من الثابت علميًا أن هذه المنظومة في حال قامت بدورها بشكل حقيقي، فإنها تمتص في المتوسط 80% من مراجعي النظام الصحي، إضافة إلى أنها تساهم في الحد من تفاقم الحالات المرضية. وهي بذلك تقلل من حاجة قسم كبير من السكان إلى رعاية المستشفيات في المستويين الثاني والثالث، والمعروف أنهما أكثر كلفة، إذ تزيد التكلفة كلما تقدم مستوى مؤسسة الرعاية الصحية. لكن ما يحدث حاليًا هو أن قسمًا كبيرًا من الحالات التي يفترض أن تتعامل معها المراكز الصحية تحمل المستشفيات عبئها.

لقد كان جوهر التطبيق وقتها، يقول حمزة، هو تقديم الخدمة الصحية ضمن «تراتبية» تبدأ بالبسيط باتجاه الأكثر تعقيدًا. لهذا قسمت المراكز إلى «أولي» يقدّم الخدمة الصحية للحالات المرضية التي يمكن للطب العام أن يتعامل معها. أما الحالات التي تحتاج إلى تدخل أخصائي، فيحولها طبيب المركز الأولي إلى المركز الشامل، الذي كان مفترضًا، وفق المخطط، أن يداوم فيه بشكل دائم أخصائيون في التخصصات الرئيسية. تحوّل بعدها الحالات التي تحتاج إلى إجراءات أكثر تعقيدًا إلى المستشفيات. ويذكر أن التخصصات الرئيسية في الرعاية الصحية الأولية هي طب الأسرة والباطنية وطب الاطفال.

انزلق إنشاء المراكز الصحية ليصبح من أدوات «سياسة الاسترضاء» للمجتمعات المحلية، في أماكن ليست في الواقع، بحاجة إليها.

ووفق حمزة، فقد صممت وقتها معايير لإنشاء المراكز الصحية، أخذت في الاعتبار عدد السكان في المنطقة، والمسافة من أقرب مركز صحي. ولأن فكرة الرعاية الصحية الأولية هي الذهاب بالخدمة إلى الناس في أماكن تجمعهم، فقد طبقت فكرة المركز الفرعي، الذي أنشئ في التجمعات السكانية الصغيرة نسبيًا، والتي لم يكن عدد سكانها يستوجب إنشاء مركز أولي بكامل تجهيزاته. فكان الفرعي مركزًا صغيرًا، يداوم فيه ممرض أو ممرضة طوال الأسبوع، ويزوره طبيب المركز الأولي القريب مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، لساعتين أو ثلاث. وكان الهدف، من هذه المعايير، ضمان توزيع المراكز بشكل عادل.

لقد كان من المفترض أن تبعد هذه «التراتبية»، يقول حمزة، الناس عن المستشفيات. وكان هذا سيتضمن، إضافة إلى تقليل الكلفة، حماية الناس من المخاطر الصحية المترتبة على ما يسمى عدوى المستشفيات. إذ من المعروف أن هناك جراثيم مستوطنة في المستشفيات. ما يشكل خطرًا على صحة الأفراد، بالتحديد الفئات الأقل مناعة.

لكن ما حدث بعدها هو أن إنشاء المراكز الصحية، يقول حمزة، انزلق ليصبح من أدوات «سياسة الاسترضاء» للمجتمعات المحلية. وبدأ التوسع بإنشاء مراكز، أو ترفيع مراكز من أولية إلى شاملة، استجابة لضغوط السكان، في أماكن ليست في الواقع، بحاجة إليها.

يقر المدير السابق لإدارة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة، الدكتور بشير القصير، بتعرض الوزارة لهذا النوع من الضغوطات. القصير عمل في الوزارة في الفترة ما بين عامي 1984 و2017، قضى منها أربع سنوات مديرًا للرعاية الصحية الأولية. ويقول إن الوزارة كانت تتعرض بالفعل للكثير من «الضغط السياسي والمجتمعي» من أجل إنشاء مراكز في مناطق لا تحتاج إلى هذه الخدمة. وبحسبه، كانت الوزارة تقاوم هذه الضغوطات، لأن الاستسلام لها، سـ«يترجم إلى عبء مالي» وتحدي توفير كوادر بشرية مهيئة.

يشير تقرير أصدره البنك الدولي في عام 2004 يقيّم فيه مشاريع موّلها في الأردن، من بينها هذا المشروع، إلى إنشاء مراكز من دون حاجة لها. التقرير الذي وصف نتائج المشروع بأنها «غير مرضية»، ذكر أنه استنادًا إلى دراسة لواقع شبكة العيادات الصحية التي كانت موجودة وقت البدء بالتمويل، قدرت الحاجة آنذاك إلى تسع مراكز صحية. لكن ما تم إنشاؤه فعليًا كان 39 مركزًا، أنشئت، بحسب التقرير، استنادًا إلى «تبريرات غير مقنعة»، وكلفت وقتها تسعة ملايين دولار، شكلت القسم الأعظم من القرض المكون من 13.5 مليون دولار.[12]

يتفق خبير الأنظمة الصحية، الدكتور موسى العجلوني مع حمزة بشأن وجود «سياسات استرضائية». العجلوني عمل في الخدمات الطبية الملكية في الفترة ما بين عامي 1973 و2003 في مجال إدارة المستشفيات والتخطيط الصحي، ويعمل حاليا مستشارًا غير متفرّغ لمنظمة الصحة العالمية، ويقول إن هذه السياسة هي ما أنتج هذا العدد من المراكز الصحية، وقسم منها مبانٍ فخمة، لكنها غير قادرة على أداء دورها المفترض، لأن وزارة الصحة، لم تنتهج بالتوازي مع إنشائها سياسة تؤمن موارد تكفل تشغيلها.

ويؤكد كلام العجلوني تقرير تقييم مشاريع برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي، الذي بدأ في عام 2001، واستثمرت الحكومة ضمنه 18 مليون دينار تقريبًا في مشاريع لوزارة الصحة، تعلّق بعضها بالمراكز الصحية. لقد حصلت هذه المشاريع في التقييم على تقدير «دون المتوسط». وذكر التقرير أن من المآخذ على «الصحة»؛ التصميم «المبالغ به» للأبنية، والاتجاه نحو «تبني خيارات ذات تكلفة أعلى»، والقيام «باستثمارات ضخمة شملت تحديث/ إنشاء المراكز الصحية، في حين أن المراكز الموجودة غير مستغلة بالكامل بسبب نقص التجهيزات والموظفين المدربين». وفي المحصلة، يقول التقرير، إن مشاريع وزارة الصحة حصلت على تقدير «دون المتوسط» في كل من، معيار الكفاءة، وتعني كفاءة استغلال الموارد البشرية والمالية والزمنية، ومعيار الاستدامة، أي استمرار عمليات ومخرجات البرنامج بما يضمن استدامة أثره. وأخيرًا معيار الفعالية، ويتعلق باحتمالية أن يحقق المشروع أهدافه التنموية.[13]

زيادة في العدد وتردٍ في الخدمات

نهاية العام 2019، ذكر وزير الصحة السابق، الدكتور محمود الشياب، أن في الأردن مركزًا صحيًا لكل 10 آلاف شخص. وقال إنها نسبة تمثل بحسبه «نظام رعاية صحية عالي الكثافة وفقًا للمعايير الدولية».[14] 

وفي وقت جاء فيه إعلان ألما أتا لمعالجة «تفاوت» الخدمات الصحية بين الأفراد، سنجد عند النظر في تفاصيل الأعداد المنشورة على موقع الوزارة، وجود اختلال في توزيع هذه الكثافة بحسب عدد السكان. سواء بين المحافظات، أو بين المناطق المختلفة لكل محافظة. مع ملاحظة مهمة، هي أن كثرة المراكز الصحية في منطقة ما، لم تعن تمتع هذه المنطقة بخدمات صحية أفضل، بل في الغالب كان الأمر هو نقيض ذلك.

هناك سبع محافظات هي المفرق ومادبا والكرك وعجلون والطفيلة ومعان والبلقاء، تجاوزت بشكل كبير متوسط النسبة الوطنية لعدد المراكز، منها مثلًا معان التي فيها 2.85 مركزًا صحيا لكل 10 آلاف شخص، تليها الطفيلة بـ2.29 مركزًا. في حين قلت خمس محافظات بشكل حاد عن النسبة الوطنية. أولها العاصمة بنسبة 0.29 مركز لكل 10 آلاف، تليها الزرقاء بـ0.32 مركز لكل 10 آلاف.

ويسجل تفاوت داخل المحافظة الواحدة. ففي معان مثلًا هناك 1.91 مركز في لواء الحسينية لكل 10 آلاف شخص، مقابل 5.01 مراكز في لواء الشوبك. وفي لواء الجيزة في العاصمة، هناك 4.84 مركز لكل 10 آلاف، في حين أن هناك 0.25 مركز لكل 10 آلاف في لواء ماركا.

وكما سبق القول، فإن هذا الانتشار للمراكز الصحية، وفق حزمة البرامج التنموية للمحافظات التي أصدرتها وزارة التخطيط للفترة ما بين عامي 2017 و2019، لم يعن جودة الخدمة. لقد أكدت هذه الوثائق على أنه في حين لا مشكلة على مستوى المؤشرات الكمية فيما يتعلق بالمراكز الصحية في المملكة، فإن المشكلة هي في «تدني نوعية الخدمات الصحية» و«النقص في التجهيزات والمعدات الطبية والعلاجات، [و] النقص في الكوادر ذات الاختصاص». وتوضح هذه الوثائق أن المراكز التي تشترك في هذه الاختلالات، هي المراكز الصحية في سبع محافظات، هي المفرق ومعان والزرقاء وجرش وعجلون والطفيلة ومادبا، إضافة إلى مراكز «المناطق النائية» في المحافظات الخمس الباقية، وهي عمان والبلقاء والكرك والعقبة وإربد. وقد أشار بالفعل تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان للعام 2019 إلى «قدم وتهالك معظم العدد والأجهزة» في مراكز صحية زارها فريقه.

لكن، ما الذي يعنيه «تدني نوعية الخدمات الصحية» التي أشارت إليها حزمة برامج المحافظات التنموية؟

الإجابة تتمحور بشكل أساسي حول الكوادر، بالتحديد الأطباء. فبسؤال القصير عن الكوادر المفترض وجودها في كل نوع من المراكز، أجاب أن المركز الفرعي يغطيه طبيب عام مرتين أو ثلاثة في الأسبوع. ويغطي المركز الأولى طبيب عام، في حين يغطي المراكز الشاملة أطباء أسرة. ومعظم المراكز الشاملة، يزورها أخصائيون في أيام محددة من الأسبوع.

لكن العجلوني يلفت إلى أن هذا الترتيب لا يتناسب مع النظام المفترض للرعاية الصحية الأولية، فحتى يحقق نظام التراتبية في تقديم الخدمات الهدف منه، وهو تخفيف العبء عن المستشفيات، فإنه يجب أن يكون في المركز الأولي، وهو بوابة الرعاية الصحية الأولية، طبيب قادر على «الغربلة»، أي تمييز الحالات التي يمكن علاجها ضمن مستوى المركز، والأخرى التي تستوجب التحويل إلى المستشفى أو المركز الصحي الشامل، المفترض أن تتوفر فيه بشكل دائم اختصاصات رئيسية هي طب الأسرة والباطنية والأطفال والنسائية والتوليد، في حين تتوفر الاختصاصات الدقيقة مثل القلب وغيره في المستشفيات.

من هنا، فإن الأطباء المفترض أن يغطوا المراكز الأولية، يجب أن يكونوا أطباء أسرة. والذين بحكم تأهيلهم، الأقدر على فرز المرضى، وتحويل من يحتاج منهم إلى المستويات الصحية الأعلى. لكن الواقع حاليًا، يقول العجلوني، هو أن من يغطي المراكز الأولية، وعددها 377 مركزًا، هم أطباء عامون، معظمهم حديثو التخرج.

الأمر الذي تؤكده مديرة اختصاص طب الأسرة في وزارة الصحة، الدكتورة جُما الطه، والتي تقول إن أطباء الأسرة الذين يدرسون ضمن مرحلة الاختصاص طيفًا واسعًا من التخصصات التي تشمل الباطنية والأطفال والنسائية والتوليد والعيون والجلدية والنفسية وغيرها، هم من يفترض أن يكونوا مدخل النظام الصحي، لأنهم الأقدر على التعامل مع الحالات المتنوعة التي تأتي للمراكز الأولية، وعلى تشخيصها، وإجراء ما يمكن إجراؤه لها، أو تحويلها إلى الأخصائي المناسب عند الحاجة. وهذا هو الوضع عالميًا، وفي دول مجاورة أيضًا، بحسبها.

لقد انتقدت دراسة عن الرعاية الصحية الأولية في الأردن، واقع السماح للأطباء العامين في المملكة بممارسة المهنة بمجرد إنهاء سنة الامتياز، دون الحصول على اختصاص طب الأسرة، أو أي تدريب مسبق، ما يكون له انعكاسات سلبية على مستوى الخدمات المقدمة.[15] وأشارت إلى دراستين أجريتا في الأردن، أثبتتا وجود «تأخير في تشخيص حالات سرطان وسرطان القولون من قبل الأطباء العامين، وتحليل خاطئ لسبب أعراض المرضى، مما أثر سلبًا على نسبة النجاة من المرض».[16] فقد ثبت أنه كان هناك خطأ في التشخيص في 38.4% من عينة الدراسة في الحالات المتعلقة بسرطان القولون،[17] و17% تقريبًا من حالات سرطان الثدي.[18]

هذا الخوف من الخطأ، هو أحد العوامل التي تدفع الأطباء العامين، بحسب الدكتور عادل* إلى اتخاذ قرار التحويل إلى عيادات الاختصاص في المستشفيات، لحالات يتضح لاحقًا أنها لم تكن تستوجب ذلك.

يعمل عادل في وزارة الصحة منذ 12 عامًا، خدم خلالها طبيبًا عامًا، ثم أنهى برنامج إقامة في أحد التخصصات، لكنه لم يتقدم للامتحان. وغطى خلال سنوات خدمته 16 مركزًا ما بين أولي وشامل. ويقول إن التعليم والتدريب الذي يتلقاه الأطباء العامون في كليات الطب ليس مؤهلًا كافيًا يمكنهم من التعامل بشكل صحيح مع الكم الهائل والمتنوع من الحالات التي تراجع المراكز الأولية. ومن دون تدريب مسبق، فإن ما يحدث هو أنهم «بتدربوا على الناس». ويفسر أن الأعراض التي قد تسببها وعكة بسيطة، قد تكون هي نفسها عرضًا لأمر خطير. وطبيب مؤهل ومدرب هو فقط من يستطيع التمييز بين هذه الحالات.

والذي يحدث هنا، هو أن المستشفيات هي من يحمل هذا العبء، كما يقول الدكتور أنيس الحجاوي، اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى البشير، الذي يقول إن المراكز تلقي بالفعل على المستشفيات عبء حالات ما كان من المفترض أن تصل إليها.

عندما التقينا الحجاوي، كانت قاعات انتظار عيادات الاختصاص في المستشفى، تغص بمئات المراجعين المنتظرين على المقاعد، وفي الساحة المقابلة للعيادات. قال الحجاوي إنه يرى وقت عيادته الصباحية الممتدة من الساعة 8:30 صباحًا إلى 12:30 ظهرًا ما لا يقل عن 50 مراجعًا. ويلفت إلى أن هذا عدد قليل بسبب طبيعة تخصصه الذي يعد تخصصًا فرعيًا دقيقًا، في حين أن تخصصات رئيسية أوسع مثل النسائية والتوليد والباطنية مثلًا، يعاين فيها الطبيب ما لا يقل عن 100 مريض يوميًا.

الاختلال في عملية التحويل هو أحد أبرز الاختلالات التي أشارت إليها العديد من الدراسات والتقارير، وذلك لأنها تنسف مبدأ «التراتبية» في تقديم الخدمات الصحية التي تشكل، أحد المبادئ الأساسية للرعاية الصحية الأولية.

يقول الحجاوي إن نصف مراجعي عيادته على الأقل، هم حالات لا تستوجب مراجعة اختصاصي، مثل حالات التهاب عادية للأذنين واللوز. وحتى في الحالات التي تحوّل إلى المستشفيات بسبب تكرار الالتهابات وظهور احتمالية تدخل اختصاصي، مثل حالات التهاب اللوز والجيوب الأنفية مثلًا، فإن البروتوكول يقضي بمراقبة المريض ثلاثة أشهر قبل اتخاذ قرار إجراء مثل الجراحة أو التصوير الطبقي. هذا النوع من المتابعة، يقول، تتولاها حاليًا عيادات الاختصاص، في حين أنها يمكن أن تتم ببساطة في المراكز الصحية. خصوصًا أن المسألة هنا لا تتعلق بحالات فردية، بل بمئات الحالات المتكررة.

الاختلال في عملية التحويل هو أحد أبرز الاختلالات التي أشارت إليها العديد من الدراسات والتقارير، وذلك لأنها تنسف مبدأ «التراتبية» في تقديم الخدمات الصحية التي تشكل، كما أشار حمزة، أحد المبادئ الأساسية للرعاية الصحية الأولية. وهو اختلال، من الواضح أنه متأصل في النظام الصحي في الأردن منذ زمن بعيد، إذ يشير تقرير البنك الدولي سابق الذكر إلى أن «نظام التحويل الضعيف بين مزودي الخدمات الصحية»، كان من بين المشاكل التي لم يتمكن مشروع تطوير منظومة الرعاية الصحية الأولية من معالجتها. وفي العام 2018، أي بعد تقرير البنك الدولي بـ14 عامًا، أكدت دراسة[19] استمرار المشكلة، فذكرت أن «غياب نظام تحويل فعال» هو واحد من الأسباب التي ترتب «كلفًا مالية هائلة على النظام الصحي الأردني».

المفارقة هي أن النظام نفسه يشجع المرضى على التوجه للمستشفيات حتى من دون تحويل من أي مركز، تقول هناء،* وهي ممرضة عملت لسبع سنوات في مراكز شاملة في إحدى محافظات الشمال وتعمل حاليًا في مستشفى. وهنا لا يكون على المريض سوى أن يدفع للمستشفى مبلغ دينار و65 قرشًا. وسيدخل بعدها في منظومة مواعيد عيادات الاختصاص.

لقد كان هناك إدراك مبكر بأن إحلال أطباء الأسرة في المراكز الأولية سيؤدي إلى رفع سوية خدمات التشخيص والعلاج فيها، ويؤدي بالتالي إلى تخفيف الضغط على المستشفيات. وكان هذا بالفعل من بين أهداف الاستراتيجية الصحية الوطنية 2008-2012. ومن قبلها أوصت الأجندة الوطنية[20] 2007-2009 بذلك.

ولأن جوهر الرعاية الصحية الأولية أن يبني المركز الصحي علاقة إنسانية مع أفراد المجتمع الذي يوجد فيه، ما يمكن العاملين فيه من معرفة البيئة بعمق، فإن إحلال أطباء الأسرة في المراكز الأولية محل الأطباء العامين، لا يعني فقط، كما يقول القصير، رفع سوية الخدمات في المركز، بل يضمن أيضًا استدامة الأطباء في المراكز. لأن ما يحدث في وزارة الصحة هو أن الأطباء العامين يعينون في المراكز، ويبقون فيها لسنتين أو ثلاث، ثم يغادرون للالتحاق ببرامج الإقامة. في حين أن تعيين اختصاصيين يضمن الاستقرار الوظيفي. ويضمن أن يبقى الطبيب في المنطقة فترة كافية لأن يتعرف على المجتمع المحلي، وحالة أفراده المرضية.

ورغم ذلك، فإن عدد أخصائيي الأسرة في الوزارة، وفق الطه، لا يكفي المراكز الشاملة، ناهيك عن الأولية. إذ يوجد في وزارة الصحة، بحسبها، 140 أخصائي طب أسرة، يعمل 28 منهم في مؤسسات صحية مثل صندوق التأمين الصحي، وما شابه، حيث يقومون بأعمال إدارية وفنية. ويعمل الباقون في عيادات طب الأسرة الموجودة ضمن عيادات الاختصاص في كل المستشفيات الحكومية، ويعمل قسم منهم في المراكز الصحية.

الطه التي قالت إن الوزارة تنوي تعيين المزيد من الأخصائيين ممن سينهون الاختصاص قريبًا، رفضت التصريح بعدد من يعملون حاليًا في المراكز الشاملة من مجمل أخصائيي طب الأسرة في الوزارة، وقالت إنه لا يوجد «رقم واضح».

هذا النقص في أخصائيي طب الأسرة، يضطر الوزارة، بحسب الطه، لأن تعين في المراكز الشاملة «مقيمين مؤهلين»، وهم طلاب الاختصاص الذي أنهوا الجزء الأول من البورد وهو الإقامة، وبقي عليهم اجتياز الجزء الثاني وهو الامتحان. علمًا بأنه يمكن للطبيب أن يظل مستمرًا في عمله كـ«مقيم مؤهل»، حتى لو لم يتمكن من النجاح في الامتحان. وبحسبها، قد يغطي المقيم المؤهل أكثر من مركز شامل.

لكن الوزارة، تقول الطه، بدأت ابتداء من العام 2017 بخطة لـ«تمكين طب الأسرة»، تهدف لقبول 100 مقيم في برنامج الاختصاص سنويًا. كما رفعت مؤخرًا سن القبول في البرنامج إلى 44 عامًا. ويبلغ مجموع الملتحقين بالبرنامج حاليا 257 مقيمًا. وقد أنهى 37 مقيمًا مؤخرًا المرحلة الأولى من الاختصاص.

ووفق قسم الإعلام في وزارة الصحة، فقد بلغ عدد الحاصلين على درجة الاختصاص في «طب الأسرة» منذ العام 2017، ما مجموعه 59 طبيبًا.

يذكر أن «الصحة» رفعت، في تشرين الثاني 2019، سن القبول في برامج الإقامة من 35 عامًا إلى 40 عامًا، ثم عادت ورفعته مطلع هذا العام إلى 44 عامًا لتخصصات محددة، هي طب الأسرة، والإسعاف والطوارئ، والتخدير والعناية المركزة، والطب الشرعي، والطب النفسي. وذلك في سياق سد النقص في الاختصاصات الأكثر شحًا في الوزارة.

وفق تقرير حالة البلاد 2019، فإن من أسباب النقص في أطباء الأسرة، ضعف الإقبال على هذا التخصص بسبب قلة مردوده المالي، مقارنة بتخصصات أخرى في حال العمل في القطاع الخاص، وارتفاع الطلب، بالتحديد في دول الخليج، على أخصائيي طب الأسرة، وحصر برامج الإقامة لهذا التخصص في المؤسسات التعليمية الحكومية.

ومشكلة المراكز الصحية لا تقتصر على النقص في أطباء الأسرة، فالوزارة تعاني من نقص الأخصائيين بشكل عام، ما يدفعها إلى مركزتهم في عيادات الاختصاص في المستشفيات، لأنه ليس لديها عدد يمكن أن يفرغ للدوام في 112 مركزًا شاملًا في المملكة. وفق أرقام وزارة الصحة، يوجد في الوزارة 1562 أخصائيًا[21] في مختلف التخصصات. يعمل منهم في المراكز الصحية 245 أخصائيًا.[22] وكما تفاوت توزيع المراكز الصحية بحسب عدد سكان المحافظات والألوية، يتفاوت أيضًا توزيع الأخصائيين على المراكز الصحية، إذ تستأثر محافظة العاصمة التي فيها 23 مركزًا شاملًا بـ128 أخصائيًا، يشكلون 52.2% من مجموع الأخصائيين العاملين في المراكز. تليها إربد، وفيها 13 مركزًا شاملًا، ويعمل في مراكزها 54 أخصائيًا. أما أقل المحافظات حظًا فهي العقبة، التي فيها ثلاثة مراكز شاملة، ويعمل فيها أخصائيان، تليها جرش وفيها أيضا ثلاثة مراكز شاملة، ويعمل فيها ثلاثة أخصائيين.[23]

لهذا يتم سدّ النقص بالزيارات التي يجريها الأخصائيون للمراكز، تقول هناء، لكن هذه الزيارات من المفترض أن تتم بعدد مرات محدد أسبوعيًا، وليست منتظمة لا في عددها ولا في نوع التخصصات التي يأتي أصحابها للزيارة. مثلًا في مركز شامل عملت فيه، كان أخصائي نسائية وتوليد يزور المركز ثلاث مرات في الأسبوع، وكان هناك طبيب أطفال يأتي مرة واحدة. وأحيانًا كان يأتي أخصائي عظام وأنف وأذن وحنجرة. «حسب شو متوفر في الصحة. مرّات ما يكون في». وتقول هناء إن مدير المركز عندما كان يطلب إرسال أخصائيين، كان الرد من مديرية الصحة أن الأخصائيين «يا دوب مغطيين المستشفيات».

يقول الدكتور عادل إن إخضاع الأطباء العامين في المراكز الصحية للتدريب، يمكن أن يكون حلًا عمليًا يساعد على التخفيف من حدة الاختلال القائم. لكنه يقول إن التدريب في الوزارة «ضعيف» وغير شامل ولا منتظم. إضافة إلى أنه محدود جدًا. فأحيانا تعقد دورات، لكن عددًا محدودًا هو من يستفيد منها بحسبه.

وبسؤال الطه إن كان هناك أي تدريب «ممنهج ومنتظم» للأطباء العامين في المراكز الصحية على طب الأسرة، أجابت أن الوزارة بدأت بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية بتنفيذ برنامج تدريبي انطلق في نيسان 2019، لتدريب الأطباء العامين على طب الأسرة ضمن برنامج تدريبي كان في معظمه عن بعد. وانخرط فيه 44 طبيبًا، دخل الامتحان منهم 40 طبيبًا. ووفق الطه، فإن هذا التدريب، ولاعتبارات تتعلق بطبيعة التصنيف الأكاديمي له، لن يكون معترفًا بشهادته إلا داخل وزارة الصحة.

لكن الدكتور أحمد، الذي يقول إنه كان مطلًا على هذا البرنامج، يقول إن التدريب الذي اعتمد بشكل أساسي على محاضرات متقطعة عن بعد، كان ضعيفًا، ولا يمكن بأي حال أن يسد ولو جزءًا بسيطًا من الثغرة القائمة حاليًا. وهي ثغرة لا تسدها إلا برامج مكثفة، وقائمة على تدريب حقيقي على التخصص.

غياب أو شبه غياب لأدوار رئيسية

يوضّح ما سبق أثر نقص الأطباء على واقع خدمات العلاج في المراكز الصحية، وكيف يؤدي إلى تحميل المستشفيات قسمًا كبيرًا من العبء المفترض أن تنهض به هذه المراكز. وهنا، من المهم التذكير بما سبق قوله، وهو أن العلاج ليس إلا واحدًا من أدوار متعددة لمنظومة الرعاية الصحية الأولية، التي يقول العجلوني إنها إما غائبة تمامًا، أو ضعيفة جدًا، ومن ذلك مثلًا الرعاية النفسية، والرعاية المنزلية، والتثقيف والتوعية الصحية.

لقد كان هناك إدراك مبكر بأن إحلال أطباء الأسرة في المراكز الأولية سيؤدي إلى رفع سوية خدمات التشخيص والعلاج فيها، ويؤدي بالتالي إلى تخفيف الضغط على المستشفيات.

ويشدد المدير التنفيذي للشبكة الشرق أوسطية للصحة المجتمعية، الدكتور مهند النسور على أهمية الدور التثقيفي والتوعوي بوصفه يمس جوهر الدور الوقائي المفترض أن تلعبه الرعاية الصحية الأولية، والمتمحور حول توعية الناس بعادات وأساليب حياة صحية. وهو دور يقول النسور «ما زال في البدايات»، رغم أهميته الاستثنائية بالتحديد في الأردن، الذي شهد تحولًا من الأمراض السارية إلى الأمراض المزمنة غير السارية، مثل السكري والضغط والقلب والسمنة وغيرها. وهذه أمراض، ترتبط في معظم حالاتها بأسلوب الحياة، والعادات المتعلقة بالغذاء وقلة الحركة والتدخين وغيرها. وكلفتها على القطاع الصحي عالية جدًا، وما زال التعامل معها محكومًا بالعقلية التي تحكم التعامل مع القضايا الصحية الأخرى، وهي عقلية العلاج لا الوقاية.

يذكر أنه وفق آخر أرقام للبنك الدولي، وهي للعام 2016، فقد احتل الأردن المرتبة 64 من بين 100 من الدول متوسطة الدخل، حيث وصلت نسبة الوفيات بالأمراض غير السارية 78% من أسباب الوفاة في المملكة.

وتثبت أهمية الدور التثقيفي، الدراستان اللتان سبق الإشارة إليهما، وتتعلقان بالتأخر في تشخيص وعلاج سرطاني الثدي والقولون في الأردن. لقد أثبتت الدراسة المتعلقة بسرطان الثدي أن 66% تقريبًا من عينة الدراسة، من النساء اللواتي اكتشفن المرض في مراحل متأخرة منه، قلن إنهنّ كنّ جاهلات بطبيعة الأعراض. وذكر الأمر نفسه 59% تقريبًا من مرضى سرطان القولون.

وتجب الإشارة إلى أن الدراستين وجدتا ارتباطًا إيجابيًا بين تأخر اكتشاف المرض وتلقي العلاج، وتردي الظروف الاقتصادية والاجتماعية. كما كان هناك ارتباط مع مكان السكن الذي كان في الحالات السابقة أعلى في القرى والبلدات. وهذا ما يحدث عندما تتردى خدمات الرعاية الصحية الأولية، فالفقراء يقول العجلوني، هم من يدفعون الثمن، لأن هذه المراكز هي ملجأهم، على اختلاف جنسياتهم، لتلقي الخدمات الصحية بأسعار زهيدة نسبيًا. صحيح أن هناك جهات دولية، ومنظمات خيرية تقدم هذه الخدمة أيضًا بأسعار متدنية، لكن تظل وزارة الصحة، هي المقدم الرئيسي والأكبر لهذا النوع من الخدمات الصحية، يقول العجلوني.

ويقول القصير، إن خدمات الرعاية الأولية تقدم للمقيمين على أرض المملكة من مختلف الفئات، من المؤمنين صحيًا وغير المؤمنين، أردنيين وغير أردنيين، وذلك بأسعار قليلة مقارنة بأسعار القطاع الخاص. وتتجاوز ذلك لتقديم بعض الخدمات المجانية لغير الأردنيين، مثل التأمين الصحي للأطفال تحت سن السادسة، وبرنامج المطاعيم الوطنية، وعلاجات الأمراض السارية.

لقد سُجّلت في المراكز الصحية في مختلف أنحاء المملكة العام الماضي 12 مليونًا و968 ألف مراجعة، مليون ونصف المليون مراجعة منها كانت لمراجعين مصنفين كفقراء. ووفق محاسب في أحد المراكز الصحية الشاملة، فإن هؤلاء مشمولون بحكم هذا التصنيف بالتأمين الصحي المدني، والذي يعفَى المشمولون به من دفع «كشفية» الطبيب، ومن ثمن صور الأشعة، والتحاليل المخبرية. ويدفعون ما قيمته 5% من قيمة أي دواء، على ألا يقل ما يدفعونه عن ربع دينار، إلا إذا زاد ثمن الدواء عن 10 دنانير، هنا تطبق حسبة أخرى لكل سعر. لكن في كل الأحوال، ومهما بلغ سعر الدواء، فإن سقف ما يدفعونه للوصفة الواحدة، بغض النظر عن عدد ما تتضمنه من أدوية، هو 10 دنانير.

الرعاية الأولية مدخل التغطية الصحية الشاملة

منظومة رعاية صحية أولية تقوم بدورها، هي كما تقول منظمة الصحة العالمية «حجر الزاوية» فيما يتعلق بتحقيق التغطية الصحية الشاملة، والتي تعني «أن يحصل جميع الأفراد والمجتمعات على الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها دون التعرض لضائقة مالية جراء ذلك».

وفي الأردن، حيث يفتقد تقريبًا 33% من السكان، و28% من الأردنيين أي تأمين صحي، وذلك بحسب تقرير حالة البلاد 2020، فإن أي خطة لتوسيع التغطية الشاملة، يقول النسور، تتطلب الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية، التي ستضمن في حال قامت بدورها الوقائي، تقليل الكلفة المترتبة على النهج الحالي القائم على التركيز على العلاج، وتوفير الموارد اللازمة لتوسيع التغطية الشاملة التي يقول النسور إنها لا تعني بالضرورة تقديم كامل الخدمات الصحية بالمجان، لأن بعضها مكلف جدًا، ولا دولة في العالم، يمكنها تحمل هذه الكلفة. الفكرة هي على الأقل تأمين الخدمات الأساسية، ومن ثم التوسع، بحسب الموارد. والمشكلة فيما يتعلق بالأردن هي أن حصة الرعاية الأولية أقل مما يجب.

لقد خصصت وزارة الصحة في عام 2019 ما نسبته 20% من ميزانيتها البالغة 651 مليون دينار تقريبًا، لخدمات الرعاية الصحية الأولية.[24] وهي نسبة، يقول النسور يجب أن تزيد. وينوه هنا إلى أن المقصود ليس زيادة حجم الإنفاق الصحي في المجمل عما هو حاليًا، لأن الإنفاق أصلًا عالٍ، المشكلة هي في توزيع هذا الإنفاق وإدارته. فعدا عن ضرورة التعامل مع الرعاية الصحية الأولية بوصفها أولوية، وزيادة حصتها بالتالي من مجمل الإنفاق، يجب أيضًا إدارة هذا الإنفاق استنادًا إلى آليات اقتصادية سليمة، تدقق في قنواته، لتمييز التكلفة الحقيقة، وبيان أوجه الهدر.

لا يمكن لحصة الرعاية الأولية من الإنفاق أن تساعدها للنهوض بكل أدوارها، كما يقول العجلوني. وهي نسبة تعكس الرؤية التي تحكم إدارة القطاع الصحي. رؤية «قلبت هرم» النظام الصحي، عندما «انحرفت» باتجاه التركيز على المستويات المكلفة من الرعاية المتقدمة، وقد آن الأوان لتعديل الهرم المقلوب.

  • الهوامش

    [1] JORDAN, An Evaluation of World Bank Assistance for Poverty Reduction, Health and Education A Country Assistance Evaluation, Dinara Seijaparova, Jack W. van Holst Pellekaan,2004.

    [2] الموقع الإلكتروني لوزارة الصحة.

    [3] الاستراتيجية الصحية الوطنية (2008-2012).

    [4] Report of the International Conference on Primary Health Care, Alma-Ata, USSR, 6-12 September 1978.

    [5] موقع وزارة الصحة.

    [6] لم يمكن الحصول على عددها، لكن تقرير حالة البلاد 2019 يقدرها بالمئات.

    [7] National Human Resources for Health Observatory Annual Report, 2018

    [8] National Human Resources for Health Observatory Annual Report, 2018.

    [9] السجل الوطني لوفيات الأمهات، 2018، وزارة الصحة.

    [10] آخر أرقام متاحة لوفيات الأمهات عالميا.

    [11] اختلف عدد الدول المتوسطة الدخل في حالتي وفيات الأمهات والرضع لأن بعض الدول لم تتوفر بياناتها في إحصائيات البنك الدولي.

    [12] JORDAN, An Evaluation of World Bank Assistance for Poverty Reduction, Health and Education A Country Assistance Evaluation, Dinara Seijaparova, Jack W. van Holst Pellekaan,2004.

    [13] «التقييم متوسط المدى لبرنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي»، وزارة التخطيط والتعاون الدولي، 2005.

    [14] ورقة بحثية بعنوان «الصحة والصحة العامة، والسياسات الصحية.. رؤية استراتيجية»، قدمها وزير الصحة السابق الدكتور محمود الشياب، في ندوة لمركز الدراسات الاستراتيجية، تشرين الثاني 2019.

    [15] محددات استخدام خدمات الرعاية الصحية الأولية في الأردن، منير أبو هلالة، أحمد النوافلة، حسام الشريدة، 2015.

    [16] محددات استخدام خدمات الرعاية الصحية الأولية في الأردن، منير أبو هلالة، أحمد النوافلة، حسام الشريدة، 2015.

    [17] «Delay in presentation, diagnosis and treatment for colorectal cancer patients in Jordan»,Munir Ahmad Abu-Helalah, MD, MPH, PhD; Hussam Ahmad Alshraideh, PhD; Mo’tasem Al-Hanaqtah, MD, Moh’dDa’na, MD, Kamal Arqoub, Abdulrahman Ajaj. International Journal of Gastrointestinal Cancer. December 2015.

    [18] «Delay in presentation, diagnosis and treatment for breast cancer patients in Jordan», Munir Ahmad Abu-Helalah, MD, MPH, PhD; Hussam Ahmad Alshraideh, PhD; Mo’tasem Al-Hanaqtah, MD, Moh’dDa’na, MD, Asim Al-Omari, MD, Rashmi Mubaidin, MD. The breast Journal. Feb 2016.

    [19] Health Financing Policies in Jordan: The Allocation of Public Expenditures in Global Context, Anis Saker Khasawneh, Ali Rawabdeh, 2018.

    [20] الأجندة الوطنية 2007-2009، البرنامج التنفيذي، وزارة التخطيط والتعاون الدولي.

    [21] الرقم من قسم الاختصاص في وزارة الصحة.

    [22] التقرير الإحصائي السنوي لوزارة الصحة، العام 2019.

    [23] المصدر السابق.

    [24] موازنة وزارة الصحة للعام 2019.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك