تقاير ساخنة
أخر الأخبار

المعونة مقابل الربح: التاريخ المظلم للـ«يو إس أيد»

نشر هذا المقال لأول مرة بالإنجليزية في مجلة Current affairs، بتاريخ 10 آذار 2021.

تخيل بلدًا فقيرًا يتعافى من حرب طويلة، ويكافح من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيه. يتقدم بلد غني، ويعرض مساعدته عليه. هذا ليس مجرد أمر أخلاقي يجب القيام به، ولكنه أيضًا خطوة سياسية ذكية، تساعد على استقرار المنطقة وتحسّن العلاقات بين البلدين. يبدو الأمر جيدًا حتى الآن. ولكن ماذا لو كانت الطريقة التي تساعد بها الدولة الغنية الدولة الفقيرة هي الشراكة مع أقوى الشركات في العالم من أجل «تطوير» الدولة التي مزقتها الحرب؟ في مقابل الإحسان الظاهري للشركات، تستخدم الدولة الغنية نفوذها لإزالة جميع الحواجز التي قد تواجهها الشركات عند ممارسة الأعمال التجارية في الدولة الفقيرة. لتكون الشركات الآن حرة في ممارسة الأعمال التجارية كما يحلو لها، وتحقيق أرباح ضخمة من الأجزاء الغنية بالموارد في الدولة الفقيرة، وحتى الاستمرار بالممارسات التي قد تواجه هذه الشركات انتقادات بسببها في الدولة الغنية. ليس ذلك فحسب، بل يستمر البلد الفقير في النضال من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيه، إلا أنه يتحمل الآن العبء الإضافي المتمثل في كونه مدينًا للبلد الغني وشركاته. هل بدأ الأمر يبدو غير أخلاقي بعض الشيء الآن؟ قد تبدأ في التساؤل عمن يحصل على «المساعدة» بعد كلّ هذا.

يبدو الأمر جنونًا، لكنه أصبح أيضًا استراتيجية المساعدات الخارجية الأمريكية.

يعود تاريخ المساعدات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى خطة مارشال وبرنامج النقطة الرابعة. كانت خطة مارشال، التي أُقرت عام 1948، مبادرة مساعدات أجنبية تهدف إلى إعادة بناء أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. مهدت الطريق لاستثمارات واسعة النطاق من القطاع الخاص الأمريكي في المنطقة، وإزالة الحواجز التجارية وفتح السوق الأوروبية أمام السلع الأمريكية. بعد ذلك، اقترح الرئيس هاري ترومان برنامجًا دوليًا للمساعدة الإنمائية في عام 1949، يسمى برنامج النقطة الرابعة. كان لهذا هدفان: «أولًا، خلق أسواق للولايات المتحدة عن طريق الحد من الفقر وزيادة الإنتاج في البلدان النامية؛ ثانيًا، تقليص خطر الشيوعية من خلال مساعدة البلدان على الازدهار في ظل الرأسمالية». لاحظ كيف أن «الحد من الفقر» و«مساعدة البلدان» كانتا مجرد نتاج ثانوي لتحقيق الأهداف الأخرى.

سرعان ما تحولت هذه البرامج إلى كيان أكبر وأكثر ديمومة: الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). تأسست الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في 3 تشرين الثاني 1961، وأصبحت الوكالة الوحيدة في البلاد «المكلفة بالتنمية الاقتصادية الخارجية» في جميع أنحاء العالم. وصف جون ف. كينيدي، الذي أشرف على هذا التحول، ولادة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في رسالته إلى الكونجرس على أنها التزام من الولايات المتحدة. كما قال كينيدي، كان هذا من ثلاثة مكونات، كان على الولايات المتحدة واجب أخلاقي بصفتها «القائد الحكيم» للأمم، وواجب اقتصادي بصفتها «أغنى الناس في عالم أغلبه من الفقراء»، وواجب سياسي بصفتها «الدفاع الأكبر الوحيد أمام خصوم الحرية».

في السنوات الأولى للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ركزت الوكالة على دعم البلدان الفقيرة من خلال إزالة العقبات أمام الأعمال التجارية الخاصة، ولكن بمرور العقود، بدأ الخط الفاصل بين الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتلك الشركات الخاصة يتلاشى. تضمنت استراتيجية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية خلال العقود القليلة الأولى إنشاء بنية تحتية داخل البلدان النامية، حيث يمكن للشركات الخاصة ومبادئ السوق التي على غرار الولايات المتحدة أن تزدهر. كان هذا يعني تخفيف اللوائح التجارية، وتقديم ضمانات قروض للشركات، وتوفير المنح الدراسية للطلاب للدراسة في الولايات المتحدة، وإنشاء برامج تنمية زراعية فتحت أسواق البلدان الفقيرة أمام الأعمال التجارية الزراعية الكبيرة. قد تكون هذه السياسات قد أفادت القطاع الخاص، رغم أن ممثلي الشركات لم يشاركوا باتخاذ القرارات أو تنفيذها، ولكن ابتداءً من أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، الذي شهد ثلاث إدارات، والرابعة حاليًا، نما دور القطاع الخاص في المساعدات الخارجية أكثر فأكثر، والآن يعرض على أنه مستقبل المساعدات الخارجية. يُوصف دور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أحيانًا بأنه «تحفيزي»، وأحيانًا أخرى أنه «عامل تمكين»، حيث تُحفّز وتُمكّن الأعمال التجارية الخاصة. وهي الآن تبرم عقودًا مباشرة مع تلك الشركات لتصميم وتنفيذ برامج التنمية الأجنبية؛ البرامج التي تُنفذ تحت شعار الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مع الدعم المزعوم من الشعب الأمريكي الذي يمثله ذلك الشعار.

في السنوات الأولى للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ركزت الوكالة على دعم البلدان الفقيرة من خلال إزالة العقبات أمام الأعمال التجارية الخاصة، ولكن بمرور العقود، بدأ الخط الفاصل بين الوكالة وتلك الشركات الخاصة يتلاشى.

هذا التطور للقطاع الخاص من بائع إلى شريك للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد ساعده تحالفان جديدان في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، هما تحالف التنمية العالمي (GDAs) وهيئة ائتمان التنمية (DCA). وتحالف التنمية العالمي هو «شراكة تعمل عبرها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والقطاع الخاص معًا، لتطوير وتنفيذ نهج قائم على السوق لحل تحديات التنمية». من خلال هذه التحالفات، تعمل الشركات مع الوكالة للمشاركة في إنشاء برامج تتقاطع فيها المصالح الربحية للشركات والمصالح التنموية للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. في اللغة الشائعة، يُوصف هذا على أنه حل «يربح فيه الجميع» أو «عمل الخير بعمل جيد». من ناحية أخرى، كانت هيئة ائتمان التنمية المبادرة التي استخدمتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لمنح القروض وضمانات القروض وضمانات المخاطر للشركات، والتي كانت تحمي بشكل أساسي تلك الشركات من أي مخاطر مالية عند دخولها إلى أسواق جديدة وخصخصتها البنية التحتية العامة في البلدان النامية. ومنذ ذلك الحين، تمت إزالة هيئة ائتمان التنمية من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وأصبحت جزءًا من كيان منفصل مهمته فقط تقديم المساعدة المالية للشركات الخاصة التي تنفذ مشاريعًا في البلدان النامية.

وضع احتضان الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للقطاع الخاص سوابق كارثية على مر السنين، حيث كان «انتصار» القطاع الخاص مبنيًا في الغالب على «خسائر» الأشخاص الذين كان من المفترض أن يساعدهم. في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبينما كان الجيش الأمريكي يقصف العراق وأفغانستان، كُلّفت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «بإعادة بناء» البلدين، وكان من المفترض أن «تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من مخصصات التمويل» (اللغة هي لغتهم، والتركيز على الاستفادة من الكاتب). كانت مبادرات تحالف التنمية العالمي وهيئة ائتمان التنمية مفيدة في تأمين العقود مع الشركات الأمريكية لجهود إعادة البناء هذه. قبل أكثر من شهر من غزو القوات الأمريكية للعراق، بدأت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في طلب العطاءات لإعادة بناء البلاد من عدد قليل من الشركات «المؤهلة مسبقًا».

كانت بكتل (Bechtel) واحدة من هذه الشركات، وذلك بفضل علاقاتها السياسية الوثيقة ضمن الإدارة الأمريكية. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، على سبيل المثال، جلست قيادة بكتل في هيئات مؤثرة مختلفة تقدم المشورة لوزارة الدفاع، وحشدت الدعم العام للغزو، مما ضمن أن الشركة ستستفيد من الحرب (انتهى الأمر بتلقي شركة بكتل أكثر من مليار دولار على شكل عقود). لم تبدأ الخطوط الفاصلة بين الحرب ومساعدات التنمية وأرباح الشركات في التلاشي فحسب، بل تحولت أيضًا إلى مسعى مكلفٍ لكل من الولايات المتحدة والعراق. في عام 2006، بعد عجزها عن إكمال أكثر من نصف مشاريع إعادة البناء وقتل 52 من عمالها (معظمهم من العراقيين)، غادرت بكتل البلاد.

بحلول الوقت الذي كانت فيه شركة بكتل «مؤهلة مسبقًا» من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لإعادة بناء العراق، كان من المعروف جيدًا عدم كفاءة الشركة في تنفيذ مشاريع الخصخصة في البلدان الفقيرة. في التسعينيات، كانت بكتل واحدة من الشركات التي أنشأت شركة طاقة (بمساعدة ضمانات قروض من الحكومة الأمريكية) لخصخصة الطاقة في ولاية ماهاراشترا بالهند. سرعان ما غرقت الشركة في الجدل حول انتهاكات حقوق الإنسان والفساد والأضرار البيئية المحتملة. أدركت حكومة ولاية ماهاراشترا في النهاية أن الكهرباء التي تنتجها الشركة كانت باهظة الثمن، لدرجة أنه كان من الأرخص دفع 220 مليون دولار سنويًا كرسوم ثابتة (لصيانة المحطة) بدل شراء الطاقة منها. وبالمثل، في بوليفيا في عام 1999، وقعت بكتل اتفاقية مع الدكتاتور هوغو بانزر الذي تحول إلى رئيس، لخصخصة المياه في مدينة كوتشابامبا. بعد فترة وجيزة، رفعت بكتل سعر المياه بحيث اضطر البوليفيون الذين يكسبون 100 دولار شهريًا إلى دفع رسوم شهرية قدرها 20 دولارًا لشراء المياه، مما أدى بعد ذلك إلى سلسلة من الاحتجاجات في المدينة، وأُعلنت «حالة الحصار» من قبل الحكومة، والفسخ النهائي لعملية الخصخصة. ومنذ ذلك الحين تخلت الشركة عن هذين المشروعين، ورفعت دعوى قضائية ضد الحكومتين في كل من الهند وبوليفيا بسبب خسارة الأرباح.

الكارثة الحزبية لسياسة المساعدات الخارجية الحديثة

لقد كان انتقال سلطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية واحتضانها للقطاع الخاص مشروعًا مشتركًا بين الحزبين. إذا بدأت إدارة بوش في إضفاء الطابع الرسمي على مشاركة القطاع الخاص في التنمية الأجنبية من خلال تحالف التنمية العالمي (GDAs) وهيئة ائتمان التنمية (DCA)، فإن إدارة أوباما هي التي أخذت هذه المشاركة إلى أبعادها الاستراتيجية الكبيرة. في عام 2016، أوضح الموظف السابق في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الذي أشرف على مبادرة GDA في عهد بوش ذلك عندما قال إن «الشراكات بين القطاعين العام والخاص ليست مفهومًا جمهوريًا أو ديمقراطيًا». وكان برفقته ممثل من شركة كوكاكولا وممثل آخر من وكالة التنمية الدولية التابعة لأوباما «كشهود» عندما أدلى بهذا البيان.

وصف إيريك بوستل، الذي عمل في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية خلال إدارة أوباما بعد أن أمضى 25 عامًا في القطاع الخاص، هذا النمو في المشاركة مع القطاع الخاص على النحو التالي:

  • النسخة 1.0: في التسعينيات، حاولت الولايات المتحدة بناء بيئة داعمة للقطاع الخاص في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق
  • النسخة 2.0: في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وُسّعت هذه المهمة من خلال الشراكات على مستوى المشاريع للشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs) وهيئة ائتمان التنمية (DCA).
  • النسخة 3.0: في ظل إدارة أوباما، بُنيت تحالفات استراتيجية مع القطاع الخاص للعمل على نطاق متعدد السنوات ومتعدد الإدارات

أكبر الأمثلة على نوع البرامج التي تشرف عليها إدارة أوباما هي برامج «طاقة أفريقيا» (Power Africa) و«التحالف الجديد للأمن الغذائي والتغذية» (New Alliance for Food Security and Nutrition). كلاهما عبارة عن تحالفات متعددة البلدان ومتعددة المنظمات بقيادة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتي ساعدت في فتح الأبواب أمام القطاع الخاص للدخول في قطاعات الطاقة والأعمال الزراعية المربحة في البلدان النامية، ولا سيما تلك الموجودة في أفريقيا.

يمكن توضيح اعتماد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المتزايد على شركاء القطاع الخاص (والمشكلات التي تصاحب ذلك) من خلال شراكتها مع شركة دوبونت (DuPont). كانت شركة دوبونت، عملاق الزراعة، واحدة من أكثر الشركاء ولاءً للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. دوبونت جزء مما كان يُطلق عليه «الستة الكبار» لشركات مبيدات الآفات والكائنات المعدلة وراثيًا، ولكن مع عمليات الاندماج الأخيرة، فإن الستة الكبار في طريقها إلى أن تصبح الأربعة الكبار، أو ربما حتى الثلاثة الكبار. دوبونت، مثلها مثل الشركات الزراعية العملاقة الأخرى، هي أيضًا واحدة من أخطر الشركات في العالم. يشمل تاريخها صناعة البارود خلال الحرب العالمية الأولى، والقنبلة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية، والعامل البرتقالي خلال حرب فيتنام. وهي تشارك بشكل كبير في الضغط من أجل تشريعات الكائنات المعدلة وراثيًا واستصدار براءات اختراع قسرية للبذور، تمتص دم المزارعين.

ترتبط دوبونت أيضًا بمبيد حشري يسمى كلوربيريفوس (Chlorpyrifos)، والذي يسبب تلفًا في الدماغ عند الأطفال. كان هذا المبيد على رادار وكالة حماية البيئة (EPA) على الأقل منذ عام 1995، ولكن في العام الماضي فقط أعلنت شركة دوبونت أخيرًا أنها ستتوقف عن إنتاجه، مشيرة إلى انخفاض المبيعات كسبب. رغم ماضيها المثير للجدل والخطير -وجهودها المستمرة التي تتعارض مع سبل عيش وصحة المزارعين وعائلاتهم- تلقت دوبونت عقودًا مربحة في إطار أحد أكبر برامج الأمن الغذائي العالمية بقيادة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والذي يُسمى «أطعم المستقبل» (Feed the Future (FTF)).

أصبح «الاعتماد على الذات» شعارًا للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية و«مشاركة القطاع الخاص» هي الأداة الرئيسية التي تدعي أنها تستخدمها لتحقيق ذلك.

تم إطلاق برنامج «أطعم المستقبل» في عام 2010، كجزء من برنامج التحالف الجديد للأمن الغذائي والتغذية، بهدف القضاء على الجوع والفقر وسوء التغذية في العالم. في عام 2013 ، في إطار أطعم المستقبل، دخلت دوبونت و الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وحكومة إثيوبيا في شراكة (لا تزال نشطة) من أجل التنمية الزراعية والأمن الغذائي في البلاد. من خلال هذه الشراكة، أنشأت دوبونت مصانع ومستودعات ووزّعت البذور على المزارعين في إثيوبيا. منذ ذلك الوقت، قامت الشركة أيضًا بتسوية آلاف الدعاوى القضائية بشأن مادة كيميائية هي حمض البيرفلوروكتانويك (perfluorooctanoic)، تسمى أحيانًا (PFOA) أو (C8)، تُستخدم في صنع التفلون، وكانت مرتبطة بتأثيرات مدمرة على صحة البشر والحيوانات في الولايات المتحدة وغيرها من الدول. لكن هذه الدعاوى القضائية لا تؤثر على ملاءمة دوبونت للشراكة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. بدلًا من ذلك يتم مكافأتها بملعب أوسع.

ساعدت الشراكات مثل «أطعم المستقبل» شركة دوبونت على الدخول في سوق الزراعة الأفريقية، لتعزيز سيطرتها على سوق البذور العالمية. ولهذا تداعيات خطيرة، لأن توحيد الشركات في السوق الزراعية يقضي على أي إمكانية للمنافسة المحلية في هذه البلدان. بعد الاندماجات الأخيرة في الصناعة الزراعية، تسيطر ثلاث شركات فقط على 70% من صناعة الكيماويات الزراعية وأكثر من 60% من صناعة البذور التجارية في العالم كله. لدينا الآن أدلة كافية تثبت «الآثار البيئية المدمرة» للنموذج الزراعي الصناعي، مع عواقب مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي و«تهديدات الأمن الغذائي على المدى الطويل». كانت شركة دوبونت في مقدمة ومركز هذا النموذج، والشراكات مثل تلك مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تساعد الشركة على إدامة النموذج واستدامته، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي الذي من المفترض أن تحميه.

في السنوات الأخيرة، واجهت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية معضلة؛ كان من المفترض أن تساعد في تشكيل عالم «لن تكون فيه حاجة للمساعدات الخارجية»، ومع ذلك فنحن أبعد كثيرًا عن هذا الهدف مما كان عليه الحال في عام 1961. وبينما كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تعمل كمقاول للقطاع الخاص في سنواتها الأولى، فإنها الآن تقدم نفسها ببطء كشريك صغير للقطاع الخاص. تطلق على ذلك اسم «رحلة إلى الاعتماد على الذات» للبلدان المضيفة، مستعيرة اللغة من رؤية كينيدي الأصلية، عندما تحدث عن تحويل البلدان الأقل تقدمًا إلى «دول تعتمد على نفسها». لكن الاعتماد على الذات الذي تعمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من أجله الآن يقوم على تسليم المسؤوليات والشبكات والعقود والفرص إلى الشركات الكبرى. في الحقيقة، يُستبدل نوع من التبعية بآخر.

أصبح «الاعتماد على الذات» شعارًا للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية و«مشاركة القطاع الخاص» هي الأداة الرئيسية التي تدعي أنها تستخدمها لتحقيق ذلك. في السياسة الجديدة لإشراك القطاع الخاص، على سبيل المثال، صرح مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بحماس أن «مستقبل التنمية الدولية تقوده المؤسسات». من المفترض أن تساعد سياسة مشاركة القطاع الخاص الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في تحقيق هدفين؛ أولهما إنهاء المساعدة الخارجية (ما يعرف أيضًا باسم الاعتماد على الذات)، وثانيهما خلق فرص للشركات الأمريكية. تحدد السياسة «إضفاء الطابع المؤسسي على مشاركة القطاع الخاص كمبدأ أساسي لنموذج تشغيل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية». فمن ناحية، تحول أموالها ومسؤولياتها نحو الشركات الخاصة. من ناحية أخرى، تعمل على تبسيط عملية التواصل والمشتريات مع الشركات لجعلها بسيطة وجذابة قدر الإمكان، لدفع الشركات للقفز على متن السفينة. للتوضيح: لدى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الآن قائمة بنقاط تواصل للقطاع الخاص في كل من البلدان العاملة فيها؛ وبالمثل، بُسّطت المساعدة المالية للشركات من خلال تشكيل بنك تنمية منفصل (مدمج مع هيئة ائتمان التنمية) لرعايته بشكل مباشر.

من الواضح أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تقوم بشكل أساسي بإضفاء الطابع المؤسسي على دافع الربح في برامجها للمساعدات الخارجية.

من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على مشاركة القطاع الخاص، من الواضح أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تقوم بشكل أساسي بإضفاء الطابع المؤسسي على دافع الربح في برامجها للمساعدات الخارجية، والتي بدأت (على الورق على الأقل) من واجب أخلاقي. وجدت دراسة أجراها معهد بروكينغز عام 2016 أنه منذ العام 2001، بدأت الوكالة أكثر من 1600 شراكة بين القطاعين العام والخاص. ومن بين هؤلاء، رُبط 54% بشكل مباشر بالمنفعة التجارية لشريك الأعمال، و29% أخرى بـ«مزايا استراتيجية» أكثر انتشارًا للشريك. يقال إن هامش ربح الشركات الخاصة سيضمن الاستدامة طويلة الأجل لبرامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث يمكن للشركات الاستمرار في العمل حتى عندما لا تقدم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أي مساعدة.

ومع ذلك، فإن هامش الربح هذا يقوم أيضًا على أساس الاستهلاك غير المستدام للموارد التي تحرم البلدان الفقيرة من الموارد البيئية والبشرية التي يمكن الاعتماد عليها لبناء الاعتماد على الذات. لنعد إلى دوبونت، أحد شركاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المفضلين. في عام 2018، تم تغريم الشركة بأكثر من ثلاثة ملايين دولار بسبب انتهاكات بيئية من قبل وكالة حماية البيئة، وفي عام 2019، كانت أكبر ملوث للمياه في الولايات المتحدة، حيث احتلت المرتبة الأولى في مؤشر أكبر 100 ملوث للمياه. ومع ذلك، في العام التالي، دخلت شركة دوبونت في شراكة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتوفير المياه النظيفة في قرية منكوبة بالجفاف في إثيوبيا.

بطريقة ما، من المفترض أن نصدق أن أكبر ملوث للمياه في الولايات المتحدة سيوفر حلولًا مستدامة للمياه النظيفة في إثيوبيا. وبالمثل، فإن شركة كوكاكولا، التي تعرضت لانتقادات متكررة بسبب استنزاف المياه وتلويثها وتجفيف آبار المزارعين، لديها أيضًا شراكة طويلة الأمد مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتحسين «الوصول إلى المياه» في البلدان النامية في العالم. تساعد هذه الشراكات الشركات هذه على إدارة صورها ومواصلة عملياتها التجارية في هذه البلدان، وهي عمليات مرتبطة مباشرة بنضوب الماء الثقيل. تُكافأ نفس الشركات الغارقة في الفضائح البيئية وفضائح حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة، بأبواب خلفية لأسواق البلدان الفقيرة لإصلاح تلك المشكلات نفسها التي يُعرف عن عملياتها أنها تخلقها أو تؤدي إلى تفاقمها.

ولكن بمجرد نفاد جميع الموارد، وعدم وجود هامش ربح يمكن تحقيقه، ماذا سيكون حافز الشركات للبقاء؟

مساعدة الشركات الأمريكية على الثراء السريع

على مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت أولوية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مساعدة الشركات الأمريكية قبل كل شيء أكثر وضوحًا. لا يُلطّف بيان الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لعام 2019 الكلمات عندما يدعي أن «[الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية] تساعد في فتح أسواق جديدة للشركات الأمريكية، وتحسين بيئة السياسات للاستثمار الخاص المسؤول، وخلق الطلب على الابتكارات والخبرات الأمريكية». تقوم الوكالة بتسويق هذا النموذج باستخدام دليل التشغيل المفضل في عالم الشركات: الاحتفال برواد الأعمال المتنوعين. يأتي أحد الأمثلة البارزة من نيجيريا، حيث أصبح نجاح شركة شابة للوجبات الخفيفة بالفواكه حجر الزاوية في جهود الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مجال التسويق. فازت ريل فروت (ReelFruit)، وهي شركة مقرها لاغوس، تبيع وجبات خفيفة من الفواكه المجففة ، بجائزة «أطعم المستقبل» لتمكين رائدات الأعمال في عام 2018. نُشرت الصور الملتقطة بشكل احترافي لمؤسسة الشركة، وهي امرأة نيجيرية شابة، في وثائق التسويق والتوعية المختلفة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. كانت أيضًا القصة المميزة لإصدار عام 2019 من «لقطة التطور» الصادر من قبل أطعم المستقبل.

لكن قصص النجاح مثل هذه لا يمكن أن تكون أكثر تضليلًا. في نيجيريا، وفقًا لتقرير الحالة لشهر تموز 2020 الصادر عن برنامج الغذاء العالمي، يعاني 4.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. في أجزاء من البلاد، يأكل الكثير من الناس وجبة واحدة أو أقل في اليوم. المشكلة، كما يخبرنا أطعم المستقبل، هي القيود المفروضة على الواردات وقدرة القطاع الخاص على تطوير الأعمال التجارية الزراعية. في خطة دولة نيجيريا لعام 2018 التي أصدرتها أطعم المستقبل، وعدت بإصلاح ذلك من خلال تسهيل استثمار القطاع الخاص في الاقتصاد الزراعي في البلاد. تساعد قصص مثل قصة ريل فروت في جذب انتباه الجمهور وإظهار الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه رواد الأعمال الناجحين بمجرد رفع جميع القيود المفروضة على الأعمال الزراعية. وفي الوقت نفسه، توقّع عقود بملايين الدولارات بين الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والشركات الكبرى (مثل دوبونت أو وول مارت). هذه العقود لا تدخل في وثائق التقدم، لكنها هي التي ستغير في النهاية الطريقة التي يأكل بها الناس الطعام ويزرعونه (وحتى الطريقة التي يقومون بها بالأعمال التجارية) في بلدان مثل نيجيريا.

من خلال مساعدة الشركات التي لديها تاريخ خطير في استخدام سلطتها، لا تفشل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مساعدة البلدان النامية فحسب، بل تساعد الشركات الكبرى في تعزيز سلطتها بشكل أكبر.

رغم السيطرة التي تمارسها هذه الشركات الكبيرة على البلدان النامية، إلا أنها لا تتخذ مقرها أبدًا في أماكن مثل نيجيريا. في عام 2014 على سبيل المثال، كان 48% من الشركاء في الشراكة بين القطاعين العام والخاص في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية غير محليين. هؤلاء الشركاء غير المحليين كانوا مسؤولين عن 72% من إجمالي الاستثمار في منطقة الشراكة بين القطاعين العام والخاص. في عام 2015، تعاملت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مع ما لا يقل عن 54 من شركات «فورتشين 500»، والتي تضمنت إنشاء شراكة بين القطاعين العام والخاص مع 48 منها على الأقل. وكان لديها أكثر من خمس شراكات مع كل من مايكروسوفت، وإنتل، وسيسكو، وكوكولا، وجونسون آند جونسون.

تُبرّر الشراكات مع الشركات متعددة الجنسيات على أساس حجمها ومواردها، ولكن غالبًا ما تجعل هذه الشركات المشاكل أسوأ (أو لا يكون لديها القدرة على علاجها). إن عمالة الأطفال في سلاسل توريد الكاكاو هي خير مثال على ذلك. دخلت شركات الشوكولاتة الكبيرة مثل هيرشيز ومارس ونستله وموندليز (الشركة الأم لشركة كادبوري) في شراكة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لمعالجة هذه المشكلة. تمتلك جميع شركات الشوكولاتة الكبرى نظام مراقبة ومعالجة عمالة الأطفال. تركز هذه الخطط بشكل خاص على أكبر بلدين منتجين للكاكاو، ساحل العاج وغانا. بين عامي 2012 و2016، استثمرت نستله وحدها حوالي 10.9 مليون دولار في مراقبة عمالة الأطفال. كما استثمرت أكثر من 21 مليون دولار بين عامي 2012 و2018 في بناء المدارس. في كلتا الحالتين، كان الهدف هو تقليل عمالة الأطفال في سلسلة التوريد الخاصة بالشركة.

ومع ذلك، فإن عمالة الأطفال لم تنخفض فحسب، بل زادت! وجدت دراسة جديدة أجرتها منظمة الأبحاث نورك في جامعة شيكاغو أن في هذين البلدين اللذين يزرعان الكاكاو، زادت عمالة الأطفال بنسبة 13 نقطة مئوية بين أعوام 2008-2009 و2018-2019، حتى مع نمو إنتاج الكاكاو بنسبة 62%. وفي الوقت نفسه، تتحدث جميع شركات الشوكولاتة الكبرى عن الزراعة المستدامة، والارتقاء بحياة المزارعين. لدى مارس برنامج الكاكاو للأجيال، ولدى هيرشيز استراتيجية الكاكاو من أجل الخير. إنهم جميعًا ملتزمون بفعل الخير للمزارعين بينما يفعلون الخير لأنفسهم. ومع ذلك، تظل المكافآت مركزة بين الشركات الكبرى (في الولايات المتحدة، تسيطر أربع شركات فقط على أكثر من 74% من صناعة الشوكولاتة)، ولا يزال إنتاج الكاكاو مرتبطًا بإزالة الغابات وعمالة الأطفال، ولا يرى المزارعون سوى القليل جدًا من مليارات الدولارات التي يساعدون في توليدها. يحصل المزارع الأفريقي العادي على 0.78 دولار في اليوم من الكاكاو، بينما تبلغ قيمة مبيعات صناعة الشوكولاتة أكثر من 100 مليار دولار سنويًا، ومن المتوقع أن تصل إلى 171.6 مليار دولار بحلول عام 2026. يأتي حوالي 60% من الكاكاو في العالم من ساحل العاج وغانا، حيث يُستهلك القليل جدًا منها. تُشارَك الأرباح المتراكمة بأقل قدر ممكن.

يقول شركاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في القطاع الخاص إن حل مشاكل مثل عمالة الأطفال صعب للغاية، لأن بلدانًا مثل ساحل العاج وغانا متخلفة، ولكن هذا التخلف هو الذي يجعل الفرص مربحة للغاية. تقدم البلدان ذات الدخل المنخفض العمالة الرخيصة، والبلدان ذات الدخل المتوسط ​​مستهلكين جدد غير مُستغلّين، وعدم وجود مؤسسات محلية قوية في كليهما يعني أن الشركات الضخمة الغنية في حِلٍّ من القيود المفروضة عليها في البلدان الأكثر ثراءً. تصر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على وجود تداخل دقيق بين المصالح الساعية للربح للقطاع الخاص ونتائج التنمية في البلدان الفقيرة. ولكن إذا كان هناك تداخل، فهو صغير وهش وقائم على استغلال نقاط الضعف في البلدان النامية لصالح القطاع الخاص في الولايات المتحدة. في عام 2016، ارتفع الجوع العالمي لأول مرة في هذا القرن. واستمرت هذه الأرقام في الارتفاع منذ ذلك الحين. في أفريقيا، التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام في إطار برامج الأمن الغذائي مثل إطعام المستقبل، ورد أن حوالي خمس السكان -أو أكثر من 250 مليون شخص- يعانون من نقص التغذية في عام 2019. وهذا أكثر من ضعف المتوسط ​​العالمي، وأعلى من تقديرات عام 2014. من المتوقع أن يرتفع معدل انتشار نقص التغذية في إفريقيا أكثر من ذلك، من 19% في عام 2019 إلى 26% في عام 2030. مرة أخرى، فشل القطاع الخاص فشلًا ذريعًا في حل المشكلات التي يدعي أن الحكومات لا تستطيع حلها بنفسها.

تدّعي الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مثلها مثل جميع المؤسسات العامة في البلاد، أنها تعمل «نيابة عن الشعب الأمريكي». هذا ليس فقط غير صحيح، بل إن احتضان الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للقطاع الخاص يتعارض مع الفرضية «الأخلاقية» التي تأسست عليها. نحن نعلم أن بعض هؤلاء «الأمريكيين» الذين تدعي أنها تمثلهم قد خاضوا معارك طويلة ضد نفس الشركات التي تقيم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية شراكات معها. لقد رأينا أيضًا كيف أن دافع الربح للقطاع الخاص، حتى مع وجود نوايا نبيلة مفترضة، لا يتوافق مع مصالح التنمية التي من المفترض أن تخدمها المساعدات الخارجية. ومن خلال مساعدة الشركات التي لديها تاريخ خطير في استخدام سلطتها في ليّ أذرع الحكومة على نحو يضر بمواطنيها، واستغلال الفرص في البلدان الفقيرة التي لا يمتلك الكثير منها البنية التحتية المؤسسية أو حرية المجتمع المدني للتحقق من إساءة استخدام الشركات للسلطة، لا تفشل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مساعدة البلدان النامية فحسب، بل إنها تساعد الشركات الكبرى في تعزيز سلطتها بشكل أكبر.

في السنوات الأخيرة، استخدمت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لغة «التحول» للضغط من أجل سياسات تهدف إلى مشاركة أكبر للقطاع الخاص. ومع ذلك، فقد حان الوقت لتخيل تحول لا يعتمد على لطف أكثر الشركات غير الأخلاقية في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك