تقاير ساخنة

«مَن يملك الماضي» في المتحف الآخر؟

«إن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها شعب ما، إنما تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء، فكل شعب يساهم بنصيبه في الثقافية العالمية»، بهذه العبارة، تستهلّ اتفاقية لاهاي (1954) لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب نزاع مسلح ديباجتها.[1] وتحظى هذه «الممتلكات التي تقرر كل دولة، لاعتبارات دينية أو علمانية، أهميتها لعلم الآثار، أو ما قبل التاريخ، أو التاريخ، أو الأدب، أو الفن، أو العلم»،[2] بهذه الأهمية لما تنطوي عليه من مضامين ثقافية واجتماعية وعقائدية وعلمية وفنية، وبوصفها تراثًا إنسانيًا يشكل حصيلة المعارف والخبرات الإنسانية عبر أجيال من الزمن، الأمر الذي يستوجب حمايتها وصونها وتسييرها إلى الأجيال المتعاقبة.

ولأهميتها الخاصة لدى الجماعات المنتِجة أو الحامِلة أو الناقِلة لها، ولمَّا كانت تعبر عن روح هذه الجماعات؛ فإن الممتلكات الثقافية كانت ولا تزال، عرضةً لأخطار الحروب والنزاعات المسلحة ومحلًا للهجمات الانتقامية، بغية تدمير الروح المعنوية للخصم وطمس هويته وكينونته الثقافية. وهو ما وصفه فرانسوا بونيون بـ«أنه مظهر من مظاهر الانزلاق إلى هاوية الحرب الشاملة، وهو في بعض الأحيان يمثل الوجه الآخر للإبادة الجماعية».[3] 

نشأة الحماية الدولية وتطورها

مع اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، باتت الآثار الثقافية التاريخية ملكًا عامًا للشعب الفرنسي، وأُخضعت المجاميع الثقافية الخاصة للتأميم بموجب مرسوم كونفيت لعام 1791. ونتيجة العنف الذي تلا الثورة، وما رافقه من تدميرٍ لتراث العصور المظلمة، صدر مرسوم يقضي بتجريم الاعتداء على التحف الفنية في الحدائق العامة الفرنسية. تلاه مرسومٌ آخر ينص على معاقبة كل من يقوم بإتلاف الآثار الموجودة على الأرض الفرنسية. وقد شكّل هذان المرسومان الأساس القانوني للمادة 257 من قانون العقوبات الفرنسي لعام 1810، والذي كرَّس لأول مرة مفهوم تجريم تخريب الآثار وإتلافها وشمول الآثار بالحماية القانونية الجنائية.

«إن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها شعب ما، إنما تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء، فكل شعب يساهم بنصيبه في الثقافية العالمية»

أمّا الحماية القانونية الدولية للممتلكات الثقافية؛ فترجع بجذورها إلى نهايات القرن التاسع عشر، حين عقد أول مؤتمر دولي لمسائل السلم في لاهاي عام 1899، وتمخض عنه توقيع اتفاقية خاصة بقواعد وأعراف الحرب البرية، تضمنت أحكامًا خاصة بحماية الممتلكات الثقافية، وضرورة التزام الأطراف المتحاربة بالتمييز بين الأهداف العسكرية والممتلكات المدنية. وينطوي هذا التمييز على اعتبار الممتلكات الثقافية ممتلكات مدنية يُحظر المساس بها والاعتداء عليها.

وفي عام 1907، عُقد مؤتمر لاهاي الثاني، وأُقرت فيه «لائحة لاهاي 1907 بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية، ملحق الاتفاقية الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية». تضمنت هذه الاتفاقية مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية، حتى في حالات الحصار أو القصف، بوصفها ممتلكات مدنية.

هذه الحماية الدولية غير المباشرة، والتي أتت على شكل نصوص متفرقة، لم تكن كفيلة بمنع التدمير الهائل الذي تعرّضت له الآثار في الحرب العالمية الأولى، ولا التدمير الأوسع خلال الحرب العالمية الثانية.

الدمار الهائل الذي عرفه العالم خلال هاتين الحربين دفع المجتمع الدولي إلى إنشاء تنظيم قانوني دولي يكفل حماية الممتلكات الثقافية على نحو متكامل. فقد عملت هيئة الأمم المتحدة، من خلال إحدى أذرعها المختصة وهي اليونسكو، على تسليح المنظومة الدولية بأداة قانونية لحماية الممتلكات الثقافية، تمثلت بتوقيع «اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب نزاع مسلح» وبروتوكولها الأول الصادر في العام ذاته. وتعد هذه الاتفاقية أول معاهدة دولية ذات رسالة عالمية كُرِّست حصرًا لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب نزاع مسلح.[4] وبموجب هذه الاتفاقية، فإن أسس الحماية الدولية للممتلكات الثقافية تستند إلى ذاتيتها المدنية من جهة، وإلى اعتبارها جزءًا من التراث الثقافي أو الروحي للشعوب من جهة ثانية. لذا فإن هذه الممتلكات تحظى بحماية مزدوجة، فهي محمية بوصفها أعيانًا مدنية تسري عليها كافة الأحكام المتعلقة بحماية الممتلكات والأهداف المدنية. ومن جهة أخرى؛ فإنها تخضع لحماية خاصة بموجب الأحكام المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية في أوقات الحرب والنزاعات المسلحة. وبذا، أمست حماية الممتلكات الثقافية حقًا من حقوق الإنسان التي يعالجها القانون الدولي.[5] 

بعد أقل من عقدين، أبرمت اتفاقية اليونسكو 1970، وهي اتفاقية بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة. وقد استحدثت هذه الاتفاقية أحكامًا تجرِّم حركة التداول غير المشروع بالممتلكات الثقافية، سواء كان ذلك التداول استيرادًا، أو تصديرًا، أو حيازةً لممتلكاتٍ ثقافية بطرق غير مشروعة. وتشكل حماية الممتلكات الثقافية في حالات الاحتلال جوهر هذه الاتفاقية كما ورد في منطوق المادة 11 بأنه «يعتبر عملًا غير مشروع تصدير الممتلكات الثقافية ونقل ملكيتها عنوة، كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لاحتلال دولة أجنبية لبلد ما». وفي عام 1978، أنشأ المؤتمر العام لليونسكو «اللجنة الدولية الحكومية لتعزيز إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلادها الأصلية أو ردها في حالة الاستيلاء غير المشروع». وهنا فإن «الإعادة» تنطوي على التزام أخلاقي يكفل للشعوب حق حيازة ممتلكاتها الثقافية، أما «الرد»؛ فهو مدلول جنائي يتصل بحيازة غير شرعية للممتلكات الثقافية.[6] 

جانب من الدمار في البلدة القديمة في وارسو، بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945.

ونتيجة التدمير الذي لحق بالممتلكات الثقافية إبان الحروب والنزاعات المسلحة التي جرت في أماكن شتى حول العالم، في أعقاب الحرب الباردة؛ كشفت مراجعة اتفاقية لاهاي 1954 عن ثغرات وقصور حال دون تأمين الحماية الكافية للممتلكات الثقافية، الأمر الذي تمخّض عنه استحداث عدد من التعديلات، تمثلت بالإعلان عن البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي عام 1999.[7] وتبرز أهمية هذا البروتوكول في وضعه نظامًا للحماية المعززة، بحيث تهيئ كل دولة طرف في الاتفاقية لائحة بممتلكاتها الثقافية ذات الأهمية الاستثنائية، والتي تتطلب حمايتها إجراءات وتدابير خاصة معززة لوقايتها ضد الهجمات أو استخدامها كأهداف عسكرية أو بجوار أهداف عسكرية.

صحيح أن نشأة هذه الاتفاقيات ودوافعها قد ارتبطت بالسياقات الأوروبية، وأنها وليدة مؤسسة دولية، وهي الأمم المتحدة وذراعها الثقافية/اليونسكو، والتي عكست، ولا تزال، موازين القوى السياسية على الساحة الدولية؛ إلا أنها اتفاقيات انضمت إليها العديد من دول العالم، بما فيها دول عربية، عانت سابقًا، ولا تزال، من آثار الاستعمار والحروب التي طالت ممتلكاتها الثقافية. وهي تمثل -بكل ما يشوبها- مرحلة في سياق تطور الفكر العالمي في مجال حقوق الإنسان ومنها الحق الثقافي، وأرضية ملائمة للبناء عليها مستقبلًا، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الشعوب المستعمرة وفي حالات الحرب والاحتلال.

تاريخ موجز لسلب الممتلكات الثقافية من العالم العربي

بدأت أوروبا في عصر النهضة البحث عن جذور حضارتها الغربية، التي رأت أن أصولها كامنة في الحضارة الإغريقية والرومانية، بينما جذورها الدينية متأصلة في اليهودية والمسيحية.[8] في خضم هذا البحث، انطلق مشروع استكشاف تاريخ الحضارات القديمة في بلاد الرافدين ووادي النيل وبلاد الشام، بوصفها الأرض المقدسة التي شهدت أحداث الكتاب المقدس.

هذه الأرض المقدسة ستشهد بمرور الوقت رحى الحرب بين الإمبرياليات الكبرى ومشاريعها التنافسية. وباسم الأرض المقدسة، سيُتقن الخطاب الاستعماري فن السيطرة على ثقافة الماضي، بهدف تبرير الهيمنة على الحاضر، وإضفاء الشرعية على المستعمِر، عبر إقصاء المستعمَر مكانيًا وزمانيًا، واختلاق سرديات ذات مخيال تاريخي يوسم بها صك المُلكية لحيازة الأرض الجديدة، ظاهرها وباطنها. في مثل هذه السياقات، وكشاهد على إثبات القوة والسيطرة على الماضي والحاضر، كان لا بد من إجراء عملية إزاحة زمانية ومكانية، تنقل معها عبر البحار أعدادًا وفيرة ولا حصر لها من الممتلكات الثقافية من أمهات الحضارة وأهم روائعها، ثقافةً وعلمًا وفنًا، ليؤول أمرها إلى المؤسسات العلمية ومتاحف الغرب الناهض.

مع تزايد حدة التنافسات بين المشاريع الإمبريالية الكبرى، ونظرًا لترامي حدود الدولة العثمانية، وضعف السلطات المحلية؛ اتسع نشاط الحملات الاستكشافية الغربية، بإشراف المستشرقين وقناصل الدول الغربية، الذين عملوا تجارًا للآثار.

تلك المتاحف خصص بعضها، أو جزء منه، لآثار المنطقة العربية، كالمصريات التي نهبت إبان حملة نابليون على مصر. فقد كان لمشروع نابليون بونابرت الدور الأساس في نهب الممتلكات الثقافية التي نقلت إلى فرنسا من الدول التي خضعت له، مثل إيطاليا وإسبانيا وبروسيا والنمسا وروسيا ومصر وغيرها. وكان لهذه الحملة والحفريات التي أجراها الخبراء المرافقون في مصر دورًا كبيرًا في الكشف عن الآثار القديمة وإخراجها، ومنها حجر رشيد الذي أمكن بواسطته فك لغز اللغة الهيروغليفية، ولا يزال بحوزة أحد أكثر متاحف الغرب شهرة، وهو المتحف البريطاني، الذي يرفض إرجاعه إلى مصر حتى اليوم.

ومع تزايد حدة التنافسات بين المشاريع الإمبريالية الكبرى، ونظرًا لترامي حدود الدولة العثمانية، وضعف السلطات المحلية؛ اتسع نشاط الحملات الاستكشافية الغربية، بإشراف المستشرقين وقناصل الدول الغربية، الذين عملوا تجارًا للآثار الناتجة من الحفريات السرية غير المشروعة، ومن سرقة المواقع الأثرية. وبتمويل من المتاحف الغربية وأثرياء أوروبا وأمريكا، قام المستشرقون والقناصل بنقل ملايين القطع النادرة إلى متاحف اللوفر والمتروبوليتان وتورنتو وبرلين.

ولمواجهة هذا السلب، قضت الإصلاحات القانونية العثمانية لعام 1884 باستصدار رخصة لإجراء الحفريات الأثرية، إلّا أنها أوجبت حيازة ونقل كافة المكتشفات الأثرية من جميع الأراضي الخاضعة للإمبراطورية العثمانية إلى المتحف الوطني في اسطنبول.[9] لكن العديد من الآثار جرى نقلها إلى تلك المتاحف الأوروبية بموافقة الحكام العثمانيين على شكل هدايا، وهو ما كانت تجيزه القوانين.[10] 

ثمة أمثلة يصعب حصرها لممتلكات ثقافية نقلت من المنطقة العربية إلى كبريات متاحف العالم وأكثرها شهرة. منها من العراق بوابة عشتار، التي استولى عليها الألمان في نهايات عهد الدولة العثمانية، وهي الآن بحوزة متحف البرغامون ببرلين، والثور المجنح الذي يعرض في متحف المتروبوليتان، والرقم المسمارية من سورية. ومن الأردن، واجهة قصر المشتى التي قدمها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني هدية إلى فيلهلم الثاني قيصر ألمانيا، وتعرض إلى اليوم في متحف البرغامون، وحجر ميشع في متحف اللوفر بباريس. ومن مصر، تمثال نفرتيتي في متحف برلين، والذي لا يزال موضع مطالبة دون رد.

واجهة قصر المشتى في متحف البرغامون في برلين، 2010. تصوير كريستيان هيدرك.

خلال عهد الاستعمار الأوروبي للمنطقة العربية، بلغت مشاريع التنقيبات ونقل المكتشفات الأثرية إلى المؤسسات والمتاحف الغربية أوجها. فمن جهة انعدام رقابة السلطات الوطنية على إدارات دوائر الآثار التي كانت تتولاها شخصيات من الدول المستعمِرة ذاتها، ومن جهة ثانية التشريعات والقوانين التي سنتها القوى الاستعمارية في مناطق المستعمرات بما يتواءم ومصالحها الذاتية. حتى أن صك الانتداب على فلسطين قد تضمن الدعوة إلى وضع قواعد لتنظيم العمل الأثري؛ منها ما سمي بنظام «القِسمة» الذي يسمح باقتسام الآثار المكتشفة بين الحكومات المحلية وبعثات التنقيب الأجنبية،[11] والذي ظل معمولًا به لعقود من الزمن. إن قسمًا كبيرًا من الممتلكات الثقافية التي نقلت إلى المتاحف العالمية كان يقف وراءه نظام القسمة الذي قسَّم بموجبه المستعمرون تراث الشعوب المستعمَرة. ومن الأمثلة على ذلك، الآثار الفريدة التي نُقلت من موقع خربة التنور جنوب الأردن، ولا تزال تعرض في متحف سنسيناتي في الولايات المتحدة الأمريكية حتى اليوم. كذلك كانت قوانين الآثار الاستعمارية تبيح الاتجار بالآثار وتصديرها، وهو ما ظل معمولًا به في الأردن حتى عام 1988.[12]

بعد إقامة المشروع الصهيوني لدولته في فلسطين المحتلة،  تمت عملية ممنهجة لمصادرة تاريخ فلسطين وحاضرها، بما فيها التدمير التام أو الاستيلاء أو النهب أو السرقة أو التشويه أو تغيير الحقائق على الأرض؛ في انتهاك مستمرّ لقواعد القانون الدولي وتشريعاته، وفي مقدمتها اتفاقية لاهاي لعام 1954.

وفي العام 2003 انتهك الاحتلال الأمريكي بشكل مروّع الممتلكات الثقافية العراقية، فتعرضت المواقع الأثرية والمتاحف، كمتحفيْ بغداد الوطني والموصل، إلى عمليات نهب واسعة، وأحرقت المكتبة الوطنية في بغداد. جرت هذه الكارثة الثقافية رغم تزويد اليونسكو للمسؤولين الأمريكيين بمعلومات عن المواقع والمتاحف العراقية قبل شهر على بدء الحرب.[13] وكان أحد خبراء الآثار في اليونسكو أورد، نقلًا عن أحد كوادر المتحف العراقي، أن ‏80%‏ من محتويات المتحف العراقي نهبت إبان الغزو الأمريكي للعراق، رغم مطالبة القوات الأمريكية إبقاء ولو دبابة واحدة أمام المتحف لحمايته.[14]

وفي سوريا ذات التاريخ الثقافي العريق، كانت المواقع الأثرية والممتلكات الثقافية محلًا للهجمات الانتقامية والتدمير المنظم الذي رافق العمليات الحربية المستمرة منذ عام 2012. وشهد عدد كبير من المواقع والمدن السورية ذات الأهمية الاستثنائية دمارًا هائلًا، منها تدمر وحلب وحمص وبصرى. ونهبت المتاحف حتى أمست الآثار السورية والعراقية سلعة تباع في السوق السوداء.

جنود أمريكيون في المتحف الوطني في بغداد بعد الغزو، أيلول 2003. تصوير توماس كوكس، أ ف ب.

الجدل بشأن إعادة الممتلكات الثقافية

شكلت مساءلة المتاحف العالمية عن حق إعادة الممتلكات الثقافية إلى موائلها الأصلية موضع جدل لا يزال محتدمًا في الأوساط الدولية المعنية بالشأن الثقافي. فبينما تطالب البلدان المتضررة باستعادة ممتلكاتها الثقافية؛ فإن ثمة من ينادي بحق دول أو مجتمعات في حيازة ممتلكات ثقافية تنتمي إلى مجتمعات أو ثقافات أخرى.

وتستند المطالبة بعودة الآثار إلى أوطانها إلى أساس نظري يقوم على ضرورة بقاء الممتلكات الثقافية في سياقها الثقافي والتاريخي الذي نشأت فيه، لا سيما في حالة كان أحدها جزءًا انتزع من الجسم الأصلي للأثر. وفي هذه الحال، فإن الضرورة تقتضي وضع الأثر في سياقه الكلي لضمان تكامليّته مع محيطه الأصلي. هذا إلى جانب ضمان الحق المعنوي والثقافي للجماعة أو البلد صاحب المنشأ. وحق الإعادة هذا مستمد من الحقوق الأخلاقية التي تتضمن الحق بالاستمرارية وحماية الممتلكات الثقافية من التدمير والزوال، والحق في المحافظة السليمة، والحق في المحافظة على وثائق وشواهد تاريخية أو أثرية وثيقة الصلة، وحق كافة الناس في الوصول إليها، والحق في الاكتمال عبر إعادة تجميع الأثر عندما يكون منقسمًا إلى عدة أجزاء. فالإعادة إلى الوطن تعد شكلًا من أشكال الترميم.[15]

أما الاتجاه الرافض للإعادة؛ فيتذرّع حينًا بشرعية طريقة الحصول على الممتلك الثقافي موضع المطالبة، كما في حالة الإهداء أو وفقًا لمبدأ القسمة. كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن المتاحف العالمية قد ساهمت في أعمال الترميم والحفاظ، والتي تتطلب مقدرات مالية وعلمية وفنية ليس للبلدان المتضررة -وهي من البلدان النامية غالبًا- طاقة بها أو قدرة عليها.

إن الحيازة في عهود سابقة، وأعمال الترميم، وتوفر بيئات العرض الملائمة في المتاحف العالمية مبررات تعترض طريق المطالبات العربية باستعادة ممتلكاتها الثقافية.

ولعل رخاميات البارثنون التي أهداها العثمانيون إلى اللورد البريطاني إلجين عام 1803، والتي أصبحت فيما بعد بحوزة المتحف البريطاني، إحدى الأمثلة العالمية على مساءلة الحق الثقافي والجدل الدائر بشأنه. فالمتحف البريطاني لا يزال يرفض إعادة الرخاميات إلى بلدها الأصلي اليونان، رغم المبررات القانونية والسياسية والاقتصادية التي تدعم حقها في ذلك. وعلى رأسها؛ وجود الأثر الذي تنتمي إليه تلك الرخاميات في أثينا، وأن هذه الآثار عند عودتها إلى مكانها الأصلي فإنها ستعرض في مبنى معبد البارثنون، مما يمكن الزائر من مشاهدة المعبد بهيئته المتكاملة. وثالثًا أن الأهمية التاريخية والثقافية والجمالية لتلك الرخاميات تعد رمزًا للتراث الوطني والثقافة الإغريقية الكلاسيكية. ورابعًا أن الرخاميات أزيلت خلال عهد الاستعمار الأجنبي لليونان. وأخيرًا أن الإعادة تمثل جزءًا من عملية الترميم حين يكتمل بناء مشهد المعبد، وما لذلك من أثر اقتصادي يتصل بجذب الحركة السياحية إلى موقع البارثنون الشهير.[16] 

في مقابل هذه الأسباب والمبرّرات، علَّلت بريطانيا رفضها إعادة الرخاميات بحجة الحصول عليها بطريقة مشروعة بموجب وثيقة من السلطات العثمانية. ولا تتردد بريطانيا في إبداء مخاوفها من إعادة الرخاميات، لما قد يشكل سابقة تفضي إلى إفراغ غالبية المتاحف العالمية من معروضاتها، مما يحد، بحسب زعمها، من الدور الذي تؤديه المتاحف في تثقيف العموم. كذلك ترى بريطانيا أنها قد ساهمت، على مدار 150 عامًا، في حفظ الرخاميات من آثار التلوث الذي تعاني منه مدينة أثينا. وعلاوة على ذلك، فهي ترى أن رخاميات البارثنون قد أضحت جزءًا من التراث الثقافي الإنجليزي.[17] 

إن الحيازة في عهود سابقة، وأعمال الترميم، وتوفر بيئات العرض الملائمة في المتاحف العالمية مبررات تعترض طريق المطالبات العربية باستعادة ممتلكاتها الثقافية. وما تحقق -حتى الآن- من هذه المطالبات لا يرقى إلى الحد الأدنى من التطلعات باسترداد أمهات التراث الثقافي العربي المغترب قسرًا. فأين المشروعية فيما ينفذ تحت نير الاستعمار أو الاحتلال، ودون الموافقة الحرة والواعية للسكان الأصليين؟

لكن ماذا عن اتفاقية اليونسكو 1970 وهي اتفاقية بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة؟

هذه الاتفاقية مشروطة بقيد زمني؛ فأحكامها لا تسري سوى على القضايا التي تعود بتاريخها إلى ما بعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، أي عام 1970. ما يعني عدم إمكانية التقاضي دوليًا بشأن أية ممتلكات ثقافية جرى نقلها أو نقل ملكيتها قبل هذا التاريخ. هذا إلى جانب ضرورة أن يكون كلٌ من صاحب الطلب والمطالَب طرفين في الاتفاقية. وفي هذه الحال، تبقى المطالبات والمفاوضات الدبلوماسية بين الأطراف ذات العلاقة مباشرة، أو بوساطة «اللجنة الدولية الحكومية لتعزيز إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلادها الأصلية أو ردها في حالة الاستيلاء غير المشروع»،[18] رهينة إرادة المتاحف العالمية وموازين القوى السياسية.

يتساءل دعاة الاتجاه الرافض لإعادة الممتلكات الثقافية إلى موطنها الأصلي عن الخط الحاسم في رسم التاريخ. فيرى هؤلاء أن الأرض التي تملكها دولة/ أمة ما اليوم ربما كانت في الماضي تعود إلى كيان سياسي مختلف، كيان يعيش فيه متحدرون آخرون. لذا ينادي دعاة هذا الاتجاه بضرورة تكوين «وجهة نظر عالية» للعالَم، وتعزيز مفهوم «انسيابية الثقافة» عبر الحصول على أعمال تمثل شتى الثقافات حول العالم بغية محاربة الانعزال و«جنون الارتياب الثقافي».[19] 

لكن، إذا كان الادعاء بانسيابية الثقافة مُلِحًّا؛ فإن الثورة المعرفية والتقنيات الرقمية، بما فيها الوسائط الافتراضية، كفيلة بردِّ هذا الادعاء. ألَيْست وجهة النظر المُتعالية، لا «العالية»، ذات الإرث الاستعماري، هي مَن يقف وراء مصادرة حق الشعوب في صوْن روحها الثقافية وكَينونتها الذاتية.

الحق في الماضي مكوِّن أصيل من حقوق الإنسان الروحية والثقافية المعترف بها عالميًا؛ فهو حق لصيق بالحق في الحياة والأمن والمسكن والغذاء والصحة والتعليم. وإن احترام الحق الثقافي يمثل مصلحة إنسانية عليا وقيمة جوهرية تحفظ للإنسان تفرده وتنوعه في آن معًا.

هذا المقال هو من نتاج زمالة حبر للباحثات.

  • الهوامش

    [1] اتفاقية لاهاي (1954) لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب نزاع مسلح (اتفاقية لاهاي وبروتوكولها الأول 1954 والثاني 1999). www.unesco.org.

    [2] بحسب تعريف اتفاقية اليونسكو بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة (1970).

    [3] بونيون، فرنسوا (2004). نشأة الحماية القانونية للممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح ضمن إطار القانون الدولي الإنساني التعاقدي والعرفي (اجتماع الذكرى الخمسين لاتفاقية لاهاي لعام 1954). اللجنة الدولية للصليب الأحمر. نسخة إلكترونية: www.icrc.org.

    [5] بونيون 2004، سبق ذكره.

    [6] عبيد، أسامة حسنين (2008). الحماية الجنائية للتراث الثقافي الأثري. القاهرة: دار النهضة العربية. ص. 44.

    [7] البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي عام 1999. www.unesco.org.

    [8] وايتلام، كيث (1999). اختلاق إسرائيل القديمة، إسكات التاريخ الفلسطيني. ترجمة سحر الهنيدي، مراجعة فؤاد زكريا. عالم المعرفة، العدد 2.

    [9] Kersel, M. (2008). The Trade in Palestinian Archaeology. Jerusalem Quarterly 33: 21-38. P. 20.

    [10] الحديثي، علي (1999). حماية الممتلكات الثقافية في القانون الدولي: دراسة تطبيقية مقارنة. عمان: دار الثقافة. ص. ص.: 103-105.

    [11] الكسواني، سالم (1978). المركز القانوني لمدينة القدس، الطبعة الثانية. عمان. ص.ص.: 472.

    [12] تنص المادة 23 من قانون الآثار الأردني رقم 21 لسنة 1988 على: «يمنع الاتجار بالآثار في المملكة وتعتبر جميع رخص الاتجار بالآثار ملغاة عند نفاذ أحكام هذا القانون».

    قارن/ي مثلًا: قانون الآثار القديمة لسنة 1966، الفصل الثامن بعنوان «الاتجار بالآثار»، المادة (37).

    وانظر/ي مثلًا: قانون الآثار القديمة رقم 5 لسنة 1929، وهو قانون حكومة الانتداب على فلسطين، ويمنح المندوبَ السامي حق تملك الآثار القديمة نيابة عن حكومة فلسطين، وإصدار رخص الاتجار بالآثار وتصديرها.

    [14] لمعي، صالح، كارثة ثقافية (2003). صحيفة الأهرام بتاريخ 25 إبريل. friday.ahram.org.

    [15] بل الثالث، مالكوم، وكونو، جيمس (2010). من يكن على حق؟ إعادة الممتلكات الثقافية إلى أوطانها الأصلية

    [16] بل وكونو 2010، المرجع السابق.

    [17] انظر/ي Kersel, M. (2004). The Politics of Playing Fair, or, Who’s Losing their Marbles. Pp. 41-56 in Yorke Rowan and Uzi Baram (eds.) Marketing Heritage: Archaeology and Consumption of the Past. U. K.: AltaMira Press. P.: 48.

    [18] هي هيئة دولية حكومية تتبع اليونسكو، أنشئت بغرض تيسير التفاوض بين أطراف النزاع في حال فشل المفاوضات الثنائية أو تعليقها. لذا، فهي «ذات دور استشاري توفر إطارًا للنقاش والتفاوض ولكن توصياتها فيما يخص التنازع بين الدول غير ملزمة قانونًا». المصدر: اليونسكو

    وانظر/ي: اللجنة الدولية الحكومية لتعزيز إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلادها الأصلية أو ردها في حالة الاستيلاء غير المشروع: تقرير الدورة التاسعة عشرة 2014، ص1. باريس: اليونسكو.

    [19] بل وكونو 2010، سبق ذكره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك