تقاير ساخنة

لقاحات كورونا في فلسطين: فسادٌ وانقسامٌ وتوظيفٌ سياسيّ

بعد طول تأخير، يبدأ برنامج التلقيح ضدّ فيروس كورونا المستجد في فلسطين، في وقت تشهد فيه الضفة الغربية انتشارًا غير مسبوق للفيروس وطفراته، وعجزًا للمنظومة الصحية عن التعامل مع ضغط ارتفاع أعداد الإصابات.

مساء الأربعاء الماضي، وصلت إلى الضفة الغربية المحتّلة الدفعة الأولى من لقاحات فيروس كورونا، التي وفرها برنامج «كوفاكس»، الذي يعمل في إطار منظمة الصحة العالمية كبرنامج لتلقيح مواطني البلدان الفقيرة ومتوسطة الدخل. وبحسب إعلان وزارة الصحة الفلسطينية فإن هذه الدفعة من الجرعات ستخصص للكوادر الطبية والصحية، ومرضى السرطان والكلى، ومن هم فوق 75 عامًا. 

مساء السبت الماضي، نشرت وكالة الأنباء الفلسطينية صورًا لتلقي الرئيس محمود عباس الجرعة الأولى من اللقاح. 

سبقت هذه الدفعة التي احتوت 57,440 جرعة، دفعة صغيرة من اللقاحات كانت عبارة عن 12 ألف جرعة، جاءت على شكل تبرّعات، وهي الدفعة التي أثارت طريقة التعامل معها غضبًا شعبيًا، إثر ما قيل إنه غياب للتوزيع العادل.

وبمراجعة التصريحات الرسمية للحكومة، نجدها تصريحات رفعت سقف تطلعات الشارع الفلسطيني بتوفير اللقاحات خلال أسابيع. ففي 12 كانون الأول الماضي أعلن مدير عام الخدمات الطبية المساندة في وزارة الصحة أسامة النجار، عن قرب وصول أربعة ملايين جرعة من اللقاح الروسي خلال أسابيع، وفي كانون الثاني أعلن رئيس الوزراء محمد اشتيه عن شراء مليوني جرعة لقاح.

وقبلها بشهر كان تصريح وزيرة الصحة بأن برنامج كوفاكس، تعهد بتوفير اللقاحات للسلطة الفلسطينية «قريبًا» أيضًا، لتعود في 11 آذار وتعلن خلال مشاركتها باجتماع المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لمناقشة توزيع لقاح كورونا في دول الإقليم، عن تراجع البرنامج عن تعهده وتأجيل التسليم إلى أيّار القادم، مع تقليص كمية الدفعة المرتقبة من 240 ألف جرعة إلى 168 ألف جرعة.

وضع وبائيّ حرج

خلال الأسابيع الأخيرة، تخطت أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، بحسب البيانات الرسمية لوزارة الصحة، حاجز الألفي حالةٍ يوميًا، وصلت ذروتها بتسجيل 2412 حالة في السادس من آذار، 90% منها من الطفرة الجديدة للفيروس. إلى جانب ارتفاع أعداد الوفيات.

ارتفاع أعداد الإصابات انعكس على إمكانية التعامل مع الحالات في المنظومة الصحية؛ حيث وصلت نسبة الإشغال في معظم المستشفيات إلى 100%، في مشهد غير مسبوق في كل المشافي الخاصة والحكومية، حيث يضطرّ المرضى لتلقي العلاج في الممرات وقاعات الطوارئ.

ففي مجمع رام الله الطبي، والذي يقدم خدماته الطبية لمنطقة وسط الضفة بالكامل، لم يجد المرضى أسرّة يتلقون العلاج عليها. وجلس المرض على المقاعد الخشبية في الممرات، أو في ساحة المستشفى حتى يتوفّر لهم سرير أو حتى مقعد. ومعظم هؤلاء المرضى من كبار السن، الذين كان تلقيهم اللقاح سيحميهم غالبًا من الفيروس وتأثيراته.

توزيع اللّقاح وسؤال العدالة

مع أزمة الثقة التي تسبب بها تضارب التصريحات الحكومية حول مواعيد وصول اللقاحات عند الجمهور الفلسطيني، زادت الطين بلة طريقة توزيع ما توفّر من اللقاحات، والتجاوزات التي شابت العملية مبكرًا.

فيما أكدت الحكومة في أكثر من مرة أن الفئة المستهدفة من التلقيح في المرحلة الأولى ستكون الطواقم الطبية والحالات المرضية الطارئة، رُصدت العديد من التجاوزات في توزيعها عبر إعطاء اللقاح لغير مستحقيه.

إذ وفيما أكدت الحكومة في أكثر من مرة أن الفئة المستهدفة من التلقيح في المرحلة الأولى ستكون الطواقم الطبية والحالات المرضية الطارئة، رُصدت العديد من التجاوزات في توزيعها عبر إعطاء اللقاح لغير مستحقيه، من مسؤولين وإعلاميين مقربين من مسؤولين، وهو ما أثار ردة فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي وعند مؤسسات المجتمع المدني، التي طالبت الحكومة بتوضيح الجهات التي تلقت هذه اللقاحات. 

سلطت نقاشات الفلسطينيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي الضوء على تفضيل الحكومة المسؤولين والمقربين منهم، مثل أفراد عائلاتهم والعاملين في مكاتبهم وإعلاميين مقربين من السلطة، على المرضى وكبار السن في إعطاء اللقاح. وربطَ كثيرون بين حالات إصابة ووفاة في بيوت العجزة في مدينة أريحا وفي بلدة الطيبة شرق رام الله، وبين هذه التجاوزات.

وبضغط من هذه النقاشات، أصدرت وزارة الصحة بيانًا أوضحت فيه عدد اللقاحات التي وصلت وكيف تم توزيعها، واعترفت خلاله بتوزيع 10% منها على غير مستحقيها.

وبحسب بيان الوزارة، فقد أرسلت الحكومة 2000 جرعة للطواقم الطبية في قطاع غزة، و200 جرعة للديوان الملكي الأردني بطلب منه وموافقة من الرئيس محمود عباس. وخلال اجتماع جمع الصحفيين مع وزيرة الصحة يوم الأحد 14 آذار، تجاهلت الوزيرة أكثر من مرة التعليق على هذه الجزئية.

أمّا بقية اللقاحات، فأُعطيت للكوادر الصحية في أقسام الطوارئ وأقسام العناية الحثيثة في المشافي الحكومية والخاصة، وكذلك للعاملين في مبنى وزارة الصحة في رام الله ونابلس.

البيان الذي عُدّل فيما بعد، وحُذِف منه بند اللقاحات التي أرسلت للأردن، أشار أيضًا إلى تلقيح أعضاء المنتخب الوطني الفلسطيني، بحجة سفرهم لتمثيل فلسطين في إحدى المباريات، ووزراء الحكومة الفلسطينية، ورجال الأمن العاملين في الرئاسة ومجلس الوزراء، إلى جانب إرسال لقاح لسفارات فلسطينية في بعض الدول لتلقيح كوادرها، وتلقيح 100 طالب طلبوا اللقاح لغاية السفر، والعاملين في لجنة الانتخابات المركزية، وأعضاء من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذين تزيد أعمارهم عن 65 سنة.

لم يفصح البيان الذي قوبل بغضب وسخط شعبي، عن تلقي شخصيات إعلامية مقربة من السلطة للقاح، مثل مدراء في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وطاقم وكالة معًا، الذين نشروا عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي صور تلقيهم اللقاح.

إثر هذا، طالبت مؤسسات المجتمع المدني رئيس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيق للنظر في عملية توزيع اللقاح، ومحاسبة كل من سمح بتجاوز مبادئ التوزيع العادل، ونشر خطة توزيع اللقاح، فيما أعلنت وزيرة الصحة لاحقًا تلقي مسؤول الصحة في بيت لحم إنذارًا نتيجة إعطاء اللقاح لأحد الإعلاميين.

وسط كل هذا الجدل، أعلنت الحكومة عن منصة رسمية للتسجيل للقاح، قالت إن أكثر من 33 ألف فلسطيني سجلوا بياناتهم عليها خلال ساعات، وهو ما يعكس التوجه الكبير للشارع الفلسطيني للحصول على اللقاح، خاصةً بين كبار السن وذوي الأمراض المزمنة.

هذه المنصة لن تكون كافية لإعادة الثقة التي فقدتها الوزارة مع المواطنين، يقول الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، إياد الرياحي؛ إذ لم تبشر المرحلة الأولى من توزيع اللقاحات بعدالة بتوزيعها في المراحل المقبلة.

ويضيف الرياحي أن التوقعات كانت بمحاسبة المسؤولين عن هذا الفساد، ولكن ما جرى أن الحكومة تجاهلت كل ذلك، وكأنها تعطي الضوء الأخضر لمزيد من التجاوزات في ظل فساد كامل للمنظومة. 

اللقاح بوابة عودة دحلان السياسية

بالإضافة إلى ألفي جرعة من اللقاح أرسلتها وزارة الصحة إلى قطاع غزة في شباط الماضي خصصت بالكامل لتلقيح الطواقم الطبية، دخلت القطاع نهاية الشهر الماضي 20 ألف جرعة من اللقاح، على شكل مساعدة إماراتية بتنسيق من محمد دحلان، القيادي الفتحاوي المنشق. وبداية هذا الشهر أعلن دحلان وصول 40 ألف جرعة جديدة من الإمارات أيضًا.

دخلت قطاع غزة نهاية الشهر الماضي 20 ألف جرعة من اللقاح، على شكل مساعدة إماراتية بتنسيق من محمد دحلان، القيادي الفتحاوي المنشق.

تغريدة دحلان تضمنها توزيع هذه اللقاحات مناصفة بين قطاع غزة والضفة الغربية. و«ذلك طبقًا للمعايير الصحية والأخلاقية وبشفافية كاملة».

مراقبون رأوا في سعي دحلان لإدخال هذه اللقاحات، خاصة في ظل عجز السلطة عن توفيرها،  سعيًا لإحراجها وتمهيدًا لعودته السياسية على الساحة الفلسطينية من خلال بناء الثقة مع الشارع، خصوصًا في قطاع غزة.

المحلل السياسي جهاد حرب، قال إن هذا الجهد يأتي في إطار استثمار نفوذ سياسي وقدرات مادية متوفرة لتيار دحلان، وهو جهد يسعى لتحقيق أهداف سياسية في ظل السباق الانتخابي، ولإظهار فشل الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية.

وهو ما يتفق معه المحلل طلال عوكل، الذي يقول إن الانقسام الفلسطيني خلق ثقوبًا لتدخّل وتعدّد الحسابات، وكل طرف يحاول استغلال موارده وأوراق قوته للتحشيد، وتوفير اللقاحات إحدى هذه الأوراق.

«إسرائيل» لاعب أساسي 

في 15 شباط الفائت، عرقلت «إسرائيل» إدخال 2000 جرعة من اللقاح خصصتها وزارة الصحة الفلسطينية للكوادر الطبية في قطاع غزة، رغم تقدمها بطلب رسمي لإسرائيل.

وناقش طلب السلطة إدخال اللقاحات إلى غزة أعلى المستويات الأمنية في دولة الاحتلال؛ وزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس أركان الجيش ورئيس مجلس الأمن القومي، وسط توصيات باستغلال اللقاحات لمساومة الفلسطينيين على جنود الاحتلال المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية بالقطاع.

في محاولة للتخفيف من حدّة الانتقادات التي وجهت إليها، استغلت «إسرائيل» قبولها تلقيح 100 ألف عامل فلسطيني، يحملون تصاريح عمل رسمية، عبر الحواجز، لتلميع صورتها دوليًا.

ودارت النقاشات حول السماح بنقل اللقاحات إلى غزة فقط من تلك التي ستشتريها السلطة الفلسطينية بنفسها، فيما كانت بعض الأصوات تتحدث عن مصلحة إسرائيلية بتلقيح الفلسطينيين، وأنه بدون تلقيح الفلسطينيين في الضفة وغزة، لن تكون «إسرائيل» قادرة على السيطرة الكاملة على الوباء.

ورغم أن «إسرائيل» وافقت في النهاية على إدخال هذه الجرعات، إلا أن النقاش لا يزال دائرًا فيما إذا كانت «إسرائيل» ستسمح بإدخال المزيد من الجرعات إلى القطاع أم لا. 

ومع اقتراب «إسرائيل» من الانتهاء من تلقيح جميع الفئات المستهدفة من التلقيح حتى نهاية آذار الحالي، وعودة معظم مناحي الحياة إلى العمل، تلقت انتقادات واسعة لعدم مساعدتها السلطة الفلسطينية في توفير اللقاحات، خاصةً أن «إسرائيل» خزّنت ما وصلها من لقاح «موديرنا» ولم تستخدمه، بحسب تقارير صحفية. وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد طالبت الاحتلال بتوفير اللقاح للفلسطينيين، عملًا باتفاقية جنيف الرابعة، والتي تنص على مسؤولية القوّة المحتلة عن «تزويد السكان تحت الاحتلال بالإمدادات الطبية» بما فيها «اعتماد وتطبيق الإجراءات الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة بأقصى ما تسمح به وسائلها».

هذه الانتقادات قوبلت بتصريحات لمسؤولين إسرائيليين، قالوا فيها بعدم مسؤوليتهم عن تلقيح الفلسطينيين وفقًا لاتفاقية أوسلو التي تنقل هذه المسؤولية للسلطة الفلسطينية.

مؤسسة الحق- القانون من أجل الإنسان، وهي جمعية حقوق إنسان فلسطينية، خاطبت برلمانيين في الدول المصنعة للقاحات، لشرح مسؤولية الاحتلال تزويد الفلسطينيين باللقاحات، كما قال مسؤول المؤسسة شعوان جبارين لحبر.

كما خاطبت «الحق» شركتي «فايزر» و«موديرنا» مطالبة بوقف التواطؤ مع دولة الاحتلال، عن طريق توفير ما يفوق احتياجاتها من اللقاح، والذي تستخدمه للابتزاز السياسي، ليس فقط مع السلطة الفلسطينية، وإنما مع دولٍ فقيرة أخرى. بينما لا توفر هذه الشركات اللقاحات لدول تحت الاحتلال. «جنّدنا مجموعات ضغط في الدول المصنعة للقاح، مؤسسات مجتمع أهلي لنشر مقالات حول ذلك»، يقول جبارين.

وفي محاولة للتخفيف من حدّة الانتقادات التي وجهت إليها، استغلت «إسرائيل» قبولها تلقيح 100 ألف عامل فلسطيني، يحملون تصاريح عمل رسمية، عبر الحواجز، لتلميع صورتها دوليًا. فمنذ الإعلان عن بدء حملة التلقيح، ركزت جميع وسائل الإعلام العبرية على هذه العملية، لأيام متواصلة، رغم أن هذا التلقيح مصلحة إسرائيلية لمنع نقل العمال الفيروس لأماكن عملهم، إلا أنها عملت على تسويقها على أنها إنجاز إنساني.

الصحفي المتابع للإعلام العبري، عصمت منصور، قال إن الأيام الفائتة شهدت تجنيدًا لوسائل الإعلام العبرية، وتخصيصًا لمساحات واسعة فيها لتغطية هذه القضية. كما شهدت محاولة ربطها بفشل السلطة تأمين اللقاح لمواطنيها، في حين أن «إسرائيل» تقوم على تلقيح الفلسطينيين. 

كما نشر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ومكتب منسق الإدارة المدنية في الضفة الغربية نشرات وصور بلغات متعددة حول هذا الموضوع لتحقيق الغرض نفسه، بحسب منصور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك