تقاير ساخنة

ماذا فعلت كورونا بالضمان الاجتماعي في الأردن؟

إذا كانت جائحة كورونا قد أرسلت للعالم رسالة واحدة، فهي أننا آمنون فقط إذا كان الأضعف بيننا آمنين؛ أولئك الذين لا يستطيعون عزل أنفسهم أو الحصول على العلاج، الذين يعرضون حياتهم وحياة الآخرين للخطر. وإذا لم تستطع دولة ما احتواء الفيروس بين هؤلاء، فإن الآخرين سيصابون.

فرض ذلك أشكالًا متعددة من الحظر، في العالم وفي الأردن، وصلت في بعض الأوقات للحظر الشامل، كما منعت الأعمال في بعض القطاعات نهائيًا لفترة طويلة، وتم تخفيض حجم العمالة في الكثير من المنشآت. وطُبق حظر خاص على كبار السن، مما صعّب من تلبية حاجاتهم اليومية والمعيشية. أثر ذلك بشكل خاص على المنشآت الصغيرة في كثير من القطاعات، وأدى ذلك إلى صعوبات كبيرة في تدبير أجور العمال من جهة، وإلى الاستغناء عن عدد كبير منهم لينضموا لصفوف البطالة المرتفعة أصلًا. وكان ذلك واضحًا جدًا في قطاع العاملين لأنفسهم وأصحاب المهن الحرة، وواضحًا أكثر لدى عمال المياومة. ولمواجهة الآثار الاقتصادية السيئة أثناء الجائحة ولتخفيف آثارها السلبية على المتضررين، اعتمدت معظم دول العالم على أنظمة الضمان الاجتماعي.

تميزت أنظمة الضمان التي نجحت لحد معقول في تجنيب السكان المصاعب الاقتصادية أثناء هذه الجائحة، بأنها شملت كل السكان أو كل العاملين على الأقل، ووفرت راتبً تقاعديً لكل مسن، أو عاجز عن العمل، ولعائلة كل متوفى، وتأمينًا صحيًا شاملًا تتساوى فيه برامج الرعاية الصحية. وتميزت أيضًا بتقديم المساعدات للمتعطلين عن العمل بسبب المرض، ووجود برامج ضد البطالة حيث يحصل كل المتعطلين عن العمل على معونات منتظمة لفترة قد تصل لسنة كاملة لحين إيجاد عمل لهم. بالإضافة لبرامج خاصة لتقديم الخدمات الاجتماعية لمساعدة كبار السن والعجزة في منازلهم، وبرامج خاصة أخرى لحماية النساء اثناء الحمل والولادة، بما فيها توفير حضانات جيدة للنساء العاملات، وبرامج خاصة لدعم العائلات الكبيرة. وتولى الضمان الاجتماعي في هذه الدول صرف مليارات الدولارات من أرصدته التي تراكمت عبر السنين على شكل اشتراكات تساهم في دفعها أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومة وأصحاب العمل والعمال).

أدى تكفل الضمان بمساعدة العمال والسكان إلى تخفيف العبء على الحكومات، وتمكينها بالتالي من مساعدة أصحاب المنشآت الذين تضررت أعمالهم أثناء الجائحة. كما مكّنها من الاهتمام بتطوير المرافق الصحية ودعم الكوادر الطبية، لتمكينها من اكتشاف حالات الكورونا وتوفير الرعاية الصحية للمصابين، ومساندة الأبحاث العلمية لتطوير العلاجات واللقاحات الضرورية للقضاء على هذه الجائحة.

أما الدول التي تفتقر لمثل هذه الأنظمة، أو يوجد فيها أنظمة ضمان ضعيفة أو ناقصة، فشلت في حماية أرواح الناس وسبل عيشهم، خصوصًا في الدول التي شهدت إجراءات تقشف عالية أو خصخصة، والتي تم فيها إحداث تغييرات هيكلية على أنظمة الضمان.

في الأردن، كان الفشل مضاعفًا بسبب عدم اكتمال نظام الضمان الاجتماعي من جهة، والتشوه الذي جرى مع تعديلات قانون الضمان بتوصيات صندوق النقد والبنك الدوليين، من جهة ثانية، فضلًا عن الأزمة الاقتصادية التي عانى منها الأردن قبل مجيء الجائحة. ولذلك، لم يكن من الغريب أن تلجأ الحكومة لاستعمال قانون الدفاع، لتعطيل الكثير من مواد قانون الضمان الاجتماعي، وأن يصدر أكثر من أمر دفاع يخص الضمان لإلزامه بمساعدة المتضررين من خلال استخدام أرصدة الضمان الاجتماعي الأردني في غير مكانها.

لكن كل أوامر الدفاع هذه لم تقدم حلولًا كافية لرفع المعاناة عن المواطنين، ولم تتمكن من تقديم حزمة متكاملة من المساعدات، وبقيت أغلبية العمال والمواطنين تعاني، لأن مساعدات الضمان لم تتمكن من شمول جميع المتضررين، أو أنها كانت غير كافية لتوفير الحد الأدنى من معيشتهم. ومن جهة أخرى، فقد ألحقت الجائحة، وإجراءات الحكومة ضررًا بالضمان ومركزه المالي، وأضيف إليها الأعباء التي حملتها الحكومة للضمان من خلال أوامر الدفاع، حيث لا توجد أرصدة مخصصة لهذه الأعباء في تركيبة الضمان الاجتماعي المطبقة حاليًا.

كل أوامر الدفاع لم تقدم حلولًا كافية لرفع المعاناة عن المواطنين، لأن مساعدات الضمان لم تتمكن من شمول جميع المتضررين، أو أنها كانت غير كافية لتوفير الحد الأدنى من معيشتهم.

لجأ الضمان أمام هذا العجز للاستعانة بصندوق تأمين الأمومة لمساعدة كبار السن عن طريق تخصيص 4.5 مليون دينار من رصيد الصندوق لتقديم طرود وكوبونات للمحتاجين من كبار السن والمرضى وعمال المياومة. لا شك بأن هذا الإجراء قد ساعد جزئيًا هذه الفئات وخفف جزئيًا العبء الملقى على عاتق عائلاتهم، لكنه لم يكن كافيًا أبدًا لضمان حياة كريمة لهم أو لمساعدتهم على البقاء في المنازل وعدم الخروج منها بحثًا عن الرزق، مما ساهم ولو جزئيًا في انتشار الوباء ورفع عدد وفيات الكورونا نتيجة زيادة الإصابات لدى كبار السن هؤلاء.

يحقق صندوق تأمين الأمومة فائضًا كبيرًا حيث لا ينفق إلا أقل من ثلث إيراداته،[1] مما يعكس خللًا كبيرًا في تقدير مقدار اشتراكات هذا التأمين مقابل نفقاته. وقد لجأت الحكومة للاستفادة من هذا الوفر سابقًا عن طريق التخطيط لإنشاء حضانات على حساب هذا الصندوق. قد تكون هذه الإجراءات المؤقتة مفيدة على المدى القصير، لكن ذلك مؤشر لضرورة إعادة التوازن بين إيرادات ونفقات هذا التأمين، خصوصًا أن أصحاب العمل يشكون من ارتفاع قيمة الاشتراكات ويرفضون بالتالي المساهمة في تمويل بقية التأمينات الضرورية.

من جهة أخرى، عملت الحكومة الأردنية من خلال الضمان الاجتماعي على تحميل العمال عبء مساعدة أصحاب العمل، خصوصًا بعد فشلها بجمع تبرعات كافية لدعمهم، ورغم التسهيلات المالية التي تم منحها لهم من خلال البنك المركزي، وإعادة جدولة ديونهم لدى البنوك. ساعد الضمان الاجتماعي أصحاب العمل عن طريق إعفائهم من دفع اشتراكات الشيخوخة (خُفضت حصة أصحاب العمل من الاشتراكات من نسبة 16.25% إلى نسبة 5.25% من أجور العمال) خلال فترة الجائحة، وتم ذلك على حساب العمال المشتركين الذين لن تحسب لهم فترة انقطاع اشتراكاتهم في الضمان، مما سيقلل من قيمة الراتب التقاعدي للعامل عند تقاعده، كما قد يحرم ذلك عددًا من العمال من الحصول على راتب تقاعدي لعدم اكتمال المدة القانونية (15 سنة اشتراك بالضمان) التي يجب توفرها كشرط للحصول على راتب تقاعدي. كما أعفت أصحاب العمل المدينين للمؤسسة من فوائد وغرامات ديون المؤسسة إذا سددوها خلال سنتين، مما يؤثر على المركز المالي للمؤسسة سلبًا نتيجة حرمانها من هذه الفوائد والغرامات المنصوص عليها في القانون.

كان التعاون بين السكان هو المنقذ للكثير من الأردنيين نتيجة فشل الحكومة والضمان والمعونة الوطنية وكافة أشكال الحماية الاجتماعية بالوصول إلى هؤلاء الأردنيين الذين تعطل رزقهم ومساعدتهم. واعتمد المتضررين على طرق الحماية الشعبية لاستمرار معيشتهم، على أفراد عائلاتهم وعلى أصدقائهم وعلى جيرانهم، حيث تشكلت لجان في بعض الأحياء لتقديم المساعدات للمحتاجين على شكل طرود غذائية، كما تطوع العديد من الأطباء عن طريق نقابة الأطباء لتقديم الأدوية للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، وحتى فحوصات الكشف عن الفيروس شارك بها المتطوعون على نطاق واسع.

لكن من أين نشأ عجز الضمان الاجتماعي عن تقديم ما يؤمل منه إسوة بأنظمة الضمان الاجتماعي في مختلف أنحاء العالم؟

محدودية الشمول بمظلة الضمان الاجتماعي، والخروج منها دون راتب تقاعدي

أكثر من ثلث العمال الأردنيين لا يشملهم الضمان، خصوصًا العاملون لأنفسهم والعاملون في القطاع غير المنظم. توقف كسب عيش الغالبية العظمى منهم أثناء الحظر، واستمر ذلك بشكل متفاوت في الفترات اللاحقة، ولم يستطع الضمان مساعدة أغلبيتهم بسبب عدم شمولهم بمظلته. ولجأت الحكومة للتبرعات الشحيحة لدعم جزء منهم عن طريق صندوق المعونة الوطنية كما سيأتي ذكره لاحقًا، مما جعلهم عبئا على أقاربهم وأصدقائهم ومعارفهم، ومعظم هؤلاء يعانون أصلًا من ضعف امكانياتهم وخصوصًا أيام الجائحة.

من جهة أخرى، وفي حين أن وظيفة الضمان الأصلية هي توفير راتب تقاعدي لكل المشتركين (إذا لم يكن كل الأردنيين عن طريق زيادة عدد المشتركين بالضمان) عند تقاعدهم أو عجزهم عن العمل، فإن واقع حال الضمان يشير إلى أن أكثر من ثلثي إلى ثلاثة أرباع مشتركيه على الأقل لا يحصلون على هذا الحق، بل يحصلون على تعويض دفعة واحدة يصرف في حينه، ليضع المستفيد بعدها في حالة عوز دائم للمساعدة التي لا يستطيع الضمان توفيرها له.

زادت حاجة الكثير من الأردنيين المشتركين حاليًا أو سابقًا بالضمان للمال لتلبية الحاجات الضرورية أثناء الجائحة والإغلاقات التي رافقتها، وقد شهدت طلبات الحصول على التعويض (التي تنفي مستقبلًا الحق في راتب التقاعد) بشكل كبير جدًا، مما يشكل عبئًا كبيرًا على عائلات هؤلاء الأشخاص أو على الدولة لتأمين ضروريات حياتهم في المستقبل عند بلوغهم الشيخوخة و/أو عجزهم عن العمل.

معظم المسنين لا يعملون، والراتب التقاعدي مهم جدًا لاستمرار معيشتهم بكرامة. يقدر أن ثلثهم إلى نصفهم لا يملكون راتبًا تقاعديًا، من برامج التقاعد المختلفة في الأردن ومنها الضمان الاجتماعي، الذي يفترض أن يشكل المصدر الوحيد لرواتب تقاعد الأردنيين مستقبلًا. بل يعتمدون على مساعدة العائلة أو على مدخراتهم أو يضطرون للاستمرار بالعمل أو للبحث عن عمل جديد لتأمين سبل العيش، أو على صندوق المعونة الوطنية.

وقد أدت تعديلات قانون الضمان عام 2019 إلى زيادة احتمالية عدم حصول المؤمن عليه راتب تقاعدي، حيث سمح التعديل بعدم شمول من أعمارهم أقل من 25 سنة بالضمان لمدة خمسة سنوات، مما يعني قلة عدد سنوات الاشتراك اللازمة للتقاعد حين بلوغهم سن الستين، بالتالي التأثير على قيمة الراتب التقاعدي وفرصة الحصول عليه.

عدم تطبيق التأمين الصحي

ما زال أكثر من ثلث الأردنيين بدون تأمين صحي بسبب عدم تطبيق التأمين الصحي من خلال الضمان الاجتماعي رغم مرور أكثر من 40 سنة على وجود الضمان في الأردن. عنى ذلك أن من لا يملكون تأمينًا صحيًا قد ألقي على كاهلهم عبء تكلفة تشخيص وعلاج أمراضهم حتى قبل مجيء هذه الجائحة، بل شمل ذلك أيضًا من يملكون تأمينًا صحيًا حكومية بسبب انعدام الثقة بالخدمات الصحية المقدمة من وزارة الصحة الناجمة عن إهمال الحكومة لهذه الوزارة وبالتالي هروب الأطباء منها.

تفاقم هذا العيب بوضوح مع مجيء الجائحة، رغم أن قانون الصحة العامة يلزم الدولة بتحمل تكلفة الأمراض الوبائية، حيث اضطرت وزارة الصحة، بسبب قلة إمكانياتها، للاستعانة بالمختبرات الخاصة لعمل فحوصات الكورونا، وازداد الأمر سوءًا بعد السماح للمستشفيات الخاصة بعلاج حالات الكورونا على حساب المصاب، وبأسعار مرتفعة جدًا.

كان غياب برنامج التأمين الصحي عن الضمان الاجتماعي نتيجة لتطور السياسات الصحية الحكومية في الأردن التي حاولت الاستفادة اقتصاديًا من تمتع الأردن بكفاءات طبية مميزة، بدلًا من توظيفها اجتماعيًا لتحسين خدمات الرعاية الصحية للأردنيين. فأهملت وزارة الصحة وشجعت تنامي القطاع الصحي الخاص، وجعل الأردن مركزًا للسياحة العلاجية. لكن فشل السياحة العلاجية قد أضعف القطاع الخاص الذي تحول لعبء في ظل المتاعب والصعوبات المالية التي تعرض لها قبل وأثناء الجائحة.

استعملت الحكومة الضمان الاجتماعي لدعم القطاع الصحي الخاص قبل الجائحة، حيث سمحت للعمال المشتركين بسحب أرصدة التعطل لغايات دفع تكلفة العلاج في مستشفيات القطاع الخاص، ثم استخدمت الجائحة للسماح لمختبرات ومستشفيات القطاع الخاص باكتشاف حالات الكورونا وعلاجها.

التأمينات الملغاة من قانون الضمان

ألغى تعديل قانون الضمان لعام 2014 عدة تأمينات كان من الممكن أن تعلب دورًا هامًا في الحماية الاجتماعية خلال الجائحة. كان منها تأمين المنح العائلية وهو تأمين يهدف لحماية أطفال النساء العاملات ولمساعدتهن على الموائمة بين رعاية الأطفال والعمل المنتج، بما فيها البقاء في المنزل في حال الحاجة الماسة لمباشرة رعاية الأطفال. ظهرت الحاجة الماسة لهذا التأمين وقت الجائحة، فقد اضطرت الكثير من النساء لترك العمل لرعاية أطفالهن في ضوء إغلاق المدارس والحضانات. حاولت الدولة حل هذه المشكلة عن طريق تشجيع العمل المنزلي وعن بعد، لكن العمل عن بعد يصبح مرهقًا جدًا وغير عملي للمرأة في ظل وجود أكثر من طفل بحاجة للرعاية أو لمتابعة تعليمه الذي أصبح أيضًا عن بعد. ومن هنا تعالت أصوات النساء العاملات بشدة للمطالبة بإعادة فتح المدارس ومنع إغلاق الحضانات.

عجز الضمان بغياب برنامج تأمين المنح العائلية عن تقديم يد المساعدة لهذه الفئة من النساء، مما أضطره كما ذكرت سابقًا لاستخدام جزء من فائض صندوق تأمين الأمومة لفتح حضانات للأمهات العاملات. لكن هذا الإجراء غير كافٍ أبدًا لحل مشاكل الأمهات العاملات، التي تفاقمت في ظل جائحة الكورونا.

كان من بين التأمينات الملغاة عام 2014 أيضًا تأمين ضد العجز المؤقت، ويقصد به تغطية العمال المرضى أثناء استراحاتهم المرضية (وهذا ما يتمتع به موظفو الحكومة العسكريين والمدنيين). عنى إلغاء هذا التأمين حرمان المصابين أو الذين فرض عليهم الحجر أو العزل من أجورهم وسبل كسب عيشهم، مما اضطر جزءًا كبيرًا منهم للاستمرار بالعمل (وحتى إخفاء الإصابة) رغم وجود خطر عالٍ لنقل الفيروس بينهم وبين مخالطيهم في العمل.

استبدلت مؤسسة الضمان هذا التأمين بتأمين التعطل، وهو تأمين ادخاري يمول بالغالب من أموال العمال، قصد به استخدامه أثناء البطالة المؤقتة التي قد تصيب مشتركي الضمان، وبحيث يحصل المشترك على كامل ادخاراته عند تقاعده إذا لم يتعرض للبطالة.

استخدمت مؤسسة الضمان أموال العمال الادخارية في تأمين التعطل، لتغطية العيب الذي يعاني منه قانون الضمان المتمثل في غياب تأمين الإجازات المرضية، وكذلك غياب التأمين ضد البطالة، حيث سمحت للعمال بسحب مدخراتهم لتغطية نفقات عيشهم الناجمة عن المرض أو التوقف عن العمل بأوامر الدفاع الحكومية.

شهدت الجائحة الاستغناء الدائم أو المؤقت عن مئات الآلاف من العمال وخصوصًا في القطاع غير المنظم وعمال المياومة. وعجز الضمان عن توفير مظلة حماية اجتماعية قانونية لهم بسبب غياب التأمينين الأخيرين، مما اضطر الحكومة لاستخدام أوامر دفاع لتحميل عبء تغطية نفقات سبل عيش الذين فقدوا عملهم على مدخرات العمال في صندوق التعطل، وعلى أصحاب العمل الذين توقفت أعمالهم، وتحملت المؤسسة جزءًا من هذا العبء في حالة العمال الذين لم تشركهم مؤسساتهم بالضمان، باعتبارها سلفة من حساب هؤلاء المشتركين الجدد، من حقوق العمال عند التقاعد.

كورونا وتأمين إصابات العمل

أثرت جائحة كورونا بموضوع إصابات العمل في أكثر من جانب. صحيح أن معدل وقوع الحوادث الصناعية وحوادث المرور قد انخفض نتيجة الإغلاقات بسبب الجائحة، لكن انشغال الكوادر الصحية في التصدي للجائحة قد خفض من قدرتها على تقديم العلاج المناسب واستمراره للمصابين أثناء العمل والمصابين في حوادث أخرى. أما المنشآت التي اضطرت للاستمرار في العمل، فقد تعرض لخطر عمالها للإصابة بالفيروس أثناء العمل وبسببه، وقد لوحظ ذلك بشكل خاص بين الكوادر العاملة في القطاع الصحي، إضافة للعمال الذين استمروا في العمل في القطاعات الأخرى، والأعداد الكبيرة للإصابات بين عمال مصانع الألبسة في أكثر من موقع خير مثال على ذلك.

اعترف الضمان بإصابات الكوادر الطبية كإصابات عمل، لكنه لم يعترف بإصابات عمال القطاعات الأخرى رغم وضوح منشأها بسبب العمل وأثنائه. كما لم تتابع المؤسسة إجراءات السلامة والصحة المهنية أثناء الجائحة (كما فعلت قبلها) في المصانع ولم ترصد حالات المخالفة فيها والتي أدت إلى إصابة الآلاف في هذه المصانع، ولم تطبق القانون الذي يقضي برفع اشتراكات تأمين إصابات العمل للمنشآت المخالفة كما كانت تفعل سابقًا لمخالفات أقل خطرًا. ويعود السبب في ذلك لعدم احتسابها هذه الإصابات كإصابات عمل من جهة، ولنفوذ أصحاب هذه المنشآت الأجنبية وفرض شروطهم الخاصة في المناطق  المخصصة لأعمالهم من جهة أخرى.

أما بالنسبة لإصابة الكوادر الصحية، فقد وقع جزء كبير منها لدى العاملين في القطاع الحكومي حيث تم علاجهم في المرافق الصحية الحكومية المرهقة والمثقلة بعبء علاج معظم حالات الكورونا، نظرًا إلى أن معظم أفراد الشعب الأردني غير قادرين على تحمل كلفة العلاج المرتفعة في القطاع الخاص. أما الكوادر الصحية المصابة في القطاع الخاص، فعدد كبير منهم غير مشترك بتأمين إصابات العمل: إما لأن اشتراكه اختياري أو لتجاوزه السن القانوني[2] أو لأسباب أخرى. يضاف لذلك أن المصابين المشتركين لم يتقدم إلا عدد قليل جدًا منهم للحصول على منافع تأمين إصابات العمل، بسبب عدم علمهم بالموضوع.

نتج الفائض الكبير في تأمين إصابات العمل عن التوفير في كمية ونوعية الخدمات والمنافع التي التي يقدمها الضمان للمصابين، عبر رفض اعتراف المؤسسة بنسبة كبيرة من الإصابات.

يعاني تأمين إصابات العمل من خلل مزمن وسابق للجائحة تمثل في عدم التوازن بين إيراداته ونفقاته، مما أدى لوفر كبير جدًا يتجاوز ثلاثة أرباع الإيرادات، تراكم على مدى عمر الضمان حتى وصل لأكثر من ملياري دينار. نتج هذا الفائض عن التوفير في كمية ونوعية الخدمات والمنافع التي التي يقدمها الضمان للمصابين، عبر رفض اعتراف المؤسسة بنسبة كبيرة من الإصابات، مما أضعف من قدرة المصابين على مواجهة الوباء لقلة الموارد ونقص التأهيل الجسدي والمهني، خصوصًا في ظل أنهم كانوا في مقدمة من تم الاستغناء عنهم أثناء الجائحة.

حاولت المؤسسة أخيرًا الاستفادة من هذا الفائض، لكنها لم تستخدمه لدعم المصابين الذي يبلغ عددهم مئات الألاف من الأردنيين وبعضهم ما زال في سن العمل. بل لجأت لدعم ما يسمى بالمنشآت الأكثر ضررًا بـ66 مليون دينار من أموال هذا التأمين. واعتبر قطاع السياحة على رأس هذه القطاعات المتضررة، علمًا بأن ضرر هذه القطاع هو ناجم عن الفيروس مباشرة ولم ينجم عن إجراءات الإغلاقات الحكومية، فالجائحة خفضت حجم السفر بين الدول وبالتالي ضربت قطاع السياحة في المقام الأول في كل دول العالم. بل أن الحكومة قد ساعدت القطاع عن طريق اختيار معظم الفنادق لحجر وعزل المخالطين ولفترات طويلة، إما بتمويل حكومي أو عن طريق التبرعات أو عن طريق إجبار هؤلاء المحجورين على دفع تكلفة الإقامة في هذه الفنادق. وأخيرًا، صدر أمر الدفاع رقم 24 القاضي بانشاء برنامج للمحافظة على فرص العمل في القطاع الخاص، يسمى برنامج «استدامة»، بالتعاون بين الحكومة والمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، وتكون مساهمة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي في هذا البرنامج من فوائض تأمين إصابات العمل.

الاستعانة بصندوق المعونة الوطنية لسد ثغرات الضمان

يقدم صندوق المعونة الوطنية مساعدات متواضعة لعدد كبير من الفقراء الأكثر احتياجًا، خصص لها من الميزانية العامة 30 مليون دينار في عام 2019، و45 مليون دينار في عام 2020، يستفيد منها حوالي 75 ألف أسرة سنويًا، بالإضافة لمعونات طارئة أو فورية أو أو مؤقتة لعدد أقل من الأسر. لكن هذه المنافع غير كافية، «فالبرنامج الفقير سيوزع الفقر بين الناس»، ولا ينظر المجتمع للمعونة بأنها استحقاق شرعي للفقير بل منّة، ولذا فهي تسبب الإحراج والخوف من امتهان الكرامة للمتلقي. وتكاليف إدارتها مرتفعة، وتتوفر الحوافز للتحايل بحيث تمنح المعونة لمن لا يستحقها، وتمنع عمن يستحقها. أما حوافز المشاركة، فهي منخفضة بسبب تعقيد الإجراءات والخوف من الوصم الاجتماعي، والمنافع غير كافية، ويجب أن تكون كذلك، وإلا أصبح حافزًا للأفراد لعدم العمل أو العمل بصورة أقل كفاءة أو الاتجاه لأعمال غير مشروعة، كما أنها تقلل من رغبة الناس في الادخار. باختصار، فإن برنامج المعونة يوقع الأفراد في فخ الفقر: لا يعملون ولا يوفرون.

عاد التأييد لبرامج التقاعد العامة والمعونة الاجتماعية من خلال سياسات إعادة الهيكلة التي اعتبرته جزءًا من العمود الأول للتأمينات الاجتماعية، خوفًا من تأثير برامج التأمين الشاملة على النمو الاقتصادي والحرية الاقتصادية. وعادت أهمية المعونة الوطنية لدعم الأسر المحتاجة أو المتضررة من الجائحة من جديد في ظل فشل الضمان في تقديم المساعدة لجميع المتضررين. وزادت قيمة مخصصات المعونة وتوسع صرفها عن طريق تخصيص جزء من التبرعات التي خصصت لوزارة التنمية الاجتماعية لهذه الغاية.

لا شك بأن أهم تحولات القرن العشرين في مجال حماية المسنين كانت في التحول من الاعتماد على المعونة إلى البرامج الشمولية، وقد اكتمل هذا التحول في الدول الصناعية ولكنه لا يزال في بدايته في الدول النامية. وأسباب التحول متعددة ولكنها تتلخص في أن برامج المعونة فشلت في تقديم الحماية الملائمة للأفراد المحتاجين حقًا ودون الامتهان من كرامتهم.

تأثير الجائحة على إيرادات الضمان ونفقاته وصندوقه الاستثماري

أثرت الجائحة على أعمال مؤسسة الضمان، أولًا من خلال نقص الإيرادات وزيادة النفقات.

فقد حدث انخفاض شديد في حجم إيرادات المؤسسة نتيجة انخفاض عدد المشتركين الناجم عن ارتفاع معدل البطالة، وبالتالي زيادة توقف العمال عن الاشتراك في الضمان. ويضاف لذلك سماح المؤسسة بإيقاف اشتراك المنشآت بتأمين الشيخوخة أثناء هذه السنة.

كما أدت الأزمة الاقتصادية التي سبقت الجائحة إلى عجز معظم المنشآت عن دفع الاشتراكات بسبب توقف أعمالها أو انخفاضه، ما زاد مديونية المؤسسة على المنشآت المشمولة، وتفاقم الوضع مع مجيء الجائحة. حاولت المؤسسة حل ذلك عن طريق إعفاء هذه المنشآت من الفوائد والغرامات إذا قامت بتسديد هذه الديون، بأمر دفاع مخالف لقانون الضمان ويقلل من وارداتها.

ألحقت الجائحة، وإجراءات الحكومة ضررًا بالضمان ومركزه المالي، وأضيف إليها الأعباء التي حملتها الحكومة للضمان من خلال أوامر الدفاع.

في المقابل، زادت نفقات الضمان الاجتماعي في معظم نشاطاتها. إذ زاد عدد المتقدمين للحصول رواتب تقاعدية من خلال التقاعد المبكر أو العجز، وعدد المتقدمين للحصول على تعويض الدفعة الواحدة، وعدد المتقدمين لسحب أرصدتهم الادخارية في صندوق التعطل،[3] والذي ابتدأ قبل الجائحة نتيجة السماح لهم بسحبها لأغراض تعليمية أو صحية. كما سُمح للمشتركين بسحب سلفة على حساب تعويض الدفعة الواحدة عند استحقاقه. فضلًا عمّا ذكر من مساهمة الضمان في دعم المحتاجين من صناديق تأمين الأمومة، وتأمين إصابات العمل، وبرنامج استدامة، وبرامج دعم المنشأت المتأثرة التي ساهم الضمان بدفع جزء من أجر العمال فيها.

أخيرًا، من غير المعروف تأثير الجائحة على النفقات الإدارية المرتفعة أصلًا، من إغلاقات لفروع المؤسسة، والعمل بنصف الكادر الوظيفي، وعمليات التعقيم المتكررة وتزويد الموظفين بوسائل السلامة، إضافة لكلفة التوسع في العمل الإلكتروني للكثير من أعمال المؤسسة.

ثانيًا، أثرت الجائحة على أداء صندوق استثمار الضمان الاجتماعي. كان من خلال نقص عوائد استثمارات الصندوق المباشرة، خصوصًا في قطاع السياحة والفنادق الذي ترتفع فيه استثمارات الصندوق، ومن الشركات الكبيرة التي كانت عمليًا الوحيدة التي تبرعت بعشرات الملايين من الدنانير لصندوق همة مواطن، ونقص عوائد استثمارات الصندوق في بقية الشركات التي يستثمر فيها نتيجة تراجع عمل معظمها خلال فترة الجائحة، وفضلًا نقص القيمة الفعلية لمعظم استثمارات الضمان في مجال الأسهم والعقارات والأراضي نتيجة تراجع قيمتها السوقية أثناء الجائحة. بالمحصلة، انخفضت عوائد استثمار الضمان من 556 مليون دينار عام 2019 إلى 497 مليون دينار عام 2020.

يضاف لما سبق، الارتفاع المستمر للديون التي استدانتها الحكومة من صندوق الضمان والتي شهدت تغييرين مهمين أثناء الجائحة. أولهما بعدم اعتبار هذه الديون ضمن ديون الحكومة، حتى تتمكن من الاستمرار بالاقتراض من الجهات الأخرى، ولتخفيض نسبة المديونية العامة للدولة. وثانيهما قرار الصندوق برفع نسبة الديون للحكومة لأكثر من 65% من موجوداته، علمًا بأن مديونية الحكومة للصندوق قد اقتربت من هذه النسبة، مما يعني بقاء هذه النسبة لفترة طويلة.

نتيجة لكل ذلك، فقد توقف أو نقص تحويل المؤسسة لأموال جديدة للصندوق بسبب نقص أو عدم وجود فائض خلال فترة الجائحة، وقد يستمر هذا التوقف لفترات أطول. مما يعني أن الصندوق قد يعاني من ضائقة في توفر السيولة، قد تمنعه مستقبلًا من المشاركة في استثمارات ذات عائد مرتفع. أو قد يضطر لبيع بعض موجوداته الثابتة من أراض أو عقارات أو أسهم للحصول على السيولة، في وقت غير ملائم لتحقيق عائد مرتفع.

المركز المالي للضمان أثناء الجائحة وبعدها

أثرت الجائحة على قدرة الكادحين على تمويل المؤسسة، خصوصًا مع ارتفاع نسب البطالة، بل اضطرتها لتحويل أرصدة التأمينات التي تحقق فائض لمساعدة هؤلاء الكادحين. أدى ذلك لوصول المؤسسة في سنة الجائحة للنقطة الحرجة الأولى التي كان يتوقع الوصول لها في عام 2036 حسب آخر الدراسات الاكتوارية. تعني النقطة الحرجة الأولى عندما تتساوى نفقات المؤسسة مع إيرادتها، مما يضطر المؤسسة للاعتماد على عوائد أرصدتها الاستثمارية لتمويل نفقاتها. لكن عوائد استثماراتها هذه، قد ضعفت نتيجة الأزمة الاقتصادية التي سبقت الجائحة، وستضعف أكثر بعد استقرار الجائحة في الأردن.

يعني ذلك وجود خطر حقيقي بالانتقال للنقطة الحرجة الثانية في المركز المالي للمؤسسة إذا استمرت الجائحة في العام القادم، واستمر ارتفاع نسب البطالة؛ خطر عدم كفاية الاشتراكات وعوائد الاستثمار معًا لتمويل نفقات المؤسسة، مما يعني خطرًا حقيقيًا بانخفاض موجودات صندوق الضمان الاجتماعي.

أدت الجائحة لوصول الضمان للنقطة الحرجة الأولى التي كان يتوقع الوصول لها في عام 2036، بتساوي نفقات المؤسسة مع إيرادتها.

قد لا يشكل هذا الوضع خطرًا على حقوق المشتركين بالضمان أو على أصحاب الرواتب التقاعدية (وحتى المرتفعة منها)، إذا استعاد الاقتصاد الأردني عافيته بعد انتهاء الجائحة، وانخفضت نسبة البطالة، مما يرفع من عدد المشتركين في الضمان مقارنة بعدد المتقاعدين (نسبة الإعالة). ولن يتأثر المشتركون والمتقاعدون الحاليون، لأن ما سحب من أموال الضمان لم يكن من أرصدة اشتراكاتهم بل من أرصدة اشتراكات من انسحبوا من الضمان وحصلوا على تعويض الدفعة الواحدة (التي لا تشكل إلا أقل من ربع اشتراكاتهم مع عوائدها)، مما يعني أن ثلاثة أرباع أرصدتهم ستبقى في الصندوق لتمويل الرواتب الرواتب التقاعدية. بعبارة أخرى، يعني ذلك إعفاء الضمان من دفع رواتب لهم وتخفيض عدد الرواتب التقاعدية التي سيدفعها الضمان مستقبلًا. كما أن سحوبات صندوق التعطل منفصلة عن أرصدة تقاعد الشيخوخة. أما السحوبات التي تمت على حساب تأميني الأمومة وإصابات العمل، فهي من فوائض اشتراكات السنة وليست من أرصدة التقاعد، خصوصًا أن تأمين إصابات العمل قد حقق فائضًا استثنائيًا أثناء الجائحة نتيجة انخفاض أعداد إصابات العمل.

لكن رغم ذلك، فإن المسار الحالي لأداء الضمان، خاصة عدم وجود أفق واضح لنهاية الجائحة بعد، يعني أنه قد فقد الدور المناط به في توفير الأمان لأغلبية مواطني وعمال الأردن وحتى لأغلبية مشتركيه. وأن إصلاحه قد أصبح ضرورة قصوى، ليستعيد دوره كصمام أمان اجتماعي أوقات الازدهار وأوقات الأزمات.    

الاختلالات في الضمان وأنظمة الحماية الاجتماعية

يعاني الضمان الاجتماعي الأردني من عدة اختلالات هيكلية في جميع أنواع التأمينات الإجتماعية التي يقدمها، تفاقمت مع تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، جعلت فلسفته ومفاهيمه الأساسية تصبح أقرب للادخار منها للتضامن. تقوم فلسفة الضمان الاجتماعي كما ذكر أعلاه على مساهمة الأطراف الثلاثة (الحكومة وأصحاب العمل والعمال) في توفير معيشة كريمة للذين يتوقفون عن العمل، أي أن القادرين والأغنياء يتضامنون مع الضعفاء والفقراء. لكن الأمر معكوس اليوم، حيث أصبح الدعم يوجه من الفقراء للأغنياء.

ظهر ذلك جليا من خلال عدم حصول ثلاثة أرباع المشتركين بالضمان على راتب تقاعدي، ومنحهم بدلًا من ذلك تعويض دفعة واحدة تشكل أقل من ربع اشتراكاتهم مع استثماراتها، واستعمال الفائض لتمويل الرواتب المرتفعة التي تشكل عبئًا على الضمان لا يستطيع توفيره لولا فوائض الدفعة الواحدة، إضافة للمزايا السخية التي يحصل عليها العسكريون.

أظهرت الجائحة هذه الاختلالات بوضوح كبير، وأظهرت عجز الضمان في أكثر من جانب أثناء هذه الجائحة. تبين ذلك بوضوح من خلال أول أمر دفاع استخدمته الحكومة لمواجهة الجائحة الذي خصص للضمان الاجتماعي، ومن خلال أوامر الدفاع المتتالية التي خصصت للضمان أيضًا. فقد عطلت أكثر من مادة من قانون الضمان، وحولت فوائض صناديق التأمين لاستخدامها لغايات أخرى نتيجة النقص الكبير الموجود في قانون الضمان.

أدت هذه الاختلالات إلى ضعف المركز المالي للمؤسسة أثناء الجائحة بسبب إلغاء أو ضعف التأمينات التي تظهر الحاجة لها أثناء الأزمات والكوارث، والتي تم إضعاف بعضها بفعل فاعل من خلال تعديلات قانون الضمان الاجتماعي بتوجيهات صندوق النقد والبنك الدوليين تحت شعار إعادة هيكلة الاقتصاد الأردني وفرض سياسات التقشف والخصخصة.

يعكس هذا الفشل إهمالًا حكوميًا متواصلًا للجوانب الاجتماعية للمواطنين، بما فيها الصحية والتعليمية وغيرها. فقد انصب اهتمامها على إدامة القوة الأمنية وحماية مصالح الجهاز الحكومي أولًا، والاقتصاد ثانيًا، عبر رعاية مصالح الاستثمار (الأجنبي والمحلي) اعتقادًا منها بأن الاستثمار وحده يكفل المحافظة على الأردن ونموه.

لم تنظر هذه الحكومات لمؤسسة الضمان كمؤسسة حماية اجتماعية مهمتها حماية الأردنيين عند تعرضهم لخطر نقص قدرتهم على كسب العيش، بل نظرت لها كمؤسسة مالية تملك مليارات الدنانير التي يجب استغلالها لدعم الموارد الحكومية ونفقاتها، وكعامل استثماري لتقوية الاقتصاد الأردني.

أدت هذه النظرة إلى إضعاف الضمان من خلال التدخل في سياساته الاستثمارية والتأمينية، حيث دعمت تخلي الضمان عن بعض برامجه التأمينية، ولم تساعده على تطبيق برامج تأمينية مهمة جدًا مثل التأمين الصحي. كما قد شوهت بقية البرامج من خلال الموافقة على تمرير تعديلات نسب الاشتراك ونسب المنافع لتناسب الجهاز البيروقراطي (العسكري ثم المدني) والأكثر دخلًا من السكان، على حساب أغلبية الأردنيين الكادحين والأقل دخلًا.

هل يمكن إنقاذ الضمان وأنظمة الحماية الاجتماعية في الأردن؟

إذا كانت للجائحة جانب إيجابي، فهو إظهار أهمية أنظمة الضمان الاجتماعي في تخفيف معاناة البشر الناجمة عن هذه الجائحة، أو عن الإجراءات القاسية التي اتخذتها الحكومات، وأهمية الاستثمار في أنظمة الضمان. حيث تشير تجارب الدول المختلفة إلى أن الاستثمار في الضمان له تأثير مضاعف إيجابي على الاقتصاد أكبر من التدابير الأخرى التي اتخذتها الحكومات لمواجهة الجائحة. أظهرت الجائحة أهمية تأمين البطالة، والتأمين الصحي، وتأمين المنح العائلية، وتأمين الإجازات المرضية، وأظهرت أهمية تأمين كل المواطنين والسكان بمظلة الضمان. وجدت الدول التي لديها مثل هذه التأمينات أرصدة جاهزة لصرفها لمساعدة المتضررين دون تحميل الحكومة أو أصحاب العمل أي فلس إضافي، مما سمح للحكومات بدعم أصحاب العمل المتضررين بصعوبات أقل بكثير. ويلاحظ أن جميع التأمينات المذكورة غير موجودة في كثير من البلدان التي عانت اقتصاديًا أكثر من غيرها من الجائحة،  وكان الأردن من ضمنها، مما اضطره للاستعانة بالمنح والقروض الخارجية في وقت يعاني فيه من ارتفاع هائل في مديونيته.

المطلوب إذن البدء في وضع برامج لتلك التأمينات المهمة والغائبة، ويمكن تمويلها عن طريق إعادة النظر في تمويل البرامج الموجودة حاليًا والتي تنتج فائض، إضافة لوقف الهدر الحاصل في الرواتب المرتفعة والمزايا الباذخة لبعض المشتركين عن طريق تفعيل مبدأ التضامن الاجتماعي، وتوقف الحكومة عن التدخل في استقلالية المؤسسة وصندوقها الاستثماري.

تمول أنظمة الضمان الاجتماعي في دول العالم من خلال الشراكة بين ثلاثة أطراف تشمل الحكومة وأصحاب العمل والعمال. أما الحكومة الأردنية، فلا تساهم بأي فلس في نظام الضمان الأردني. صحيح أنها تعاني من ضائقات مالية متعددة، لكنها تلجأ للاستدانة للصرف على قضايا أقل أهمية من الضمان الاجتماعي، ومن باب أولى استخدام هذه القروض لتقوية برامج الضمان الاجتماعي. إضافة إلى ضرورة مساهمة المستثمرين الأجانب في هذه العملية من خلال تخفيض إعفاءاتهم الضريبية. من الضروري أيضًا دعوة أغنياء الأردن للمساهمة في تمويل برامج الحماية الاجتماعية في ظل شح تبرعاتهم لهذا المجهود، من خلال فرض ضرائب خاصة على الدخل والثروة، خصوصًا أنهم استفادوا من هذه البرامج على حساب الكادحين محدودي الدخل.

تستغرق هذه الإجراءات وقتًا حتى يكون لها تأثير، لذلك فإن السرعة أمر بالغ الأهمية، فتأثيرات الجائحة مستمرة وقد تستمر لفترة طويلة حتى بعد التعافي منها. فقد وصلت ضائقة المواطنين لأقصى مدى نتيجة الجائحة، بعدما فشلت الحكومة والمساعدات الخارجية والضمان الاجتماعي (بتركيبته الحالية) والتبرعات في تقديم يد العون للمحتاجين بكفاءة وفعالية. وستؤدي هذه الضائقة إلى تعزيز دوافع الاحتجاج التي كانت أصلًا تتقدم في كثير من أنحاء العالم قبيل الجائحة، وخصوصًا في المنطقة العربية. ومع ذلك، ما زالت بعض الحكومات وبعض رجال الأعمال يحاولون الاستفادة من هذه الضائقة، الحكومات لتمكين قبضتها الأمنية، ورجال الأعمال لزيادة أرباحهم.

  • الهوامش

    [1]  في التقرير السنوي للضمان الاجتماعي لعام 2019، بلغت إيرادات صندوق تأمين الامومة 33,486 مليون دينار أي بنسبة 1,9% من مجمل الإيرادات، بينما بلغت نفقات تأمين الأمومة 12,189 مليون دينار أي بنسبة 1% من مجمل النفقات، ص 95.

    [2] الستين للذكر والخامسة والخمسين للأنثى.

    [3]  أظهر الموقع الرسمي لمؤسسة الضمان الاجتماعي عدد المستفيدين من التعطل عن العمل حتى الآن 289,660 شخص، بينما كان عدد المؤمن عليهم المستحقين لبدل التعطل عن العمل 39,911 شخص عام 2019 كما ظهر في التقرير السنوي لمؤسسة الضمان عام 2019 ص 72.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك