تقاير ساخنة

«هاي البنت حياتها مش إلها»: كورونا يغيّب الطبيبة دعاء أبو جامع

في حياتها القصيرة خرج اسم دعاء أبو جامع (31 سنة) إلى الإعلام مرتين؛ المرة الأولى العام 2007، في المقابلة التي أجريت معها، بوصفها من بين الطلبة العشرة الأوائل على المملكة في التوجيهي، وقالت في هذه المقابلة إنها تحلم بأن تصبح طبيبة. والمرة الثانية بعدها بـ14 سنة، عندما أعلن خبر وفاة الدكتورة دعاء أبو جامع إثر إصابتها بفيروس كورونا؛ الضحية رقم 41 بين شهداء الجائحة من الأطباء، والأولى بين الطبيبات.

بين هذين الخبرين، عاشت دعاء حياة يقول كل من عرفها إنها كانت في معظمها للآخرين؛ أهل وأصدقاء وزملاء مهنة ومرضى. واليوم الأخير لها في العمل في مستشفى البشير كان اختزالًا لذلك. فقد عادت إلى المنزل بعد دوام استمر أكثر من 30 ساعة متواصلة، ختمتها بإجراء عملية جراحية استمرت خمس ساعات لمريضة ثمانينية، كانت مقررة لزميل آخر لم يتمكن من القدوم. وخلال الأسبوعين التاليين، ثبتت إصابتها بالفيروس، وتدهورت حالتها سريعًا، ثم توفيت يوم 20 آذار الجاري، في قسم العناية الحثيثة في مستشفى الجامعة الأردنية.

في اليوم التالي لآخر يوم دوام، تقول شقيقتها هداية، ذهبت في رحلة مع صديقات لها إلى مزرعة في جرش. وهناك تعثرت وسقطت على وجهها، وتحطم نتيجة ذلك اثنا عشرة سنًا من أسنانها الأمامية. وأصيبت بجرح كبير في الوجه تطلب تسع غرز.

لقد كانت ردّة فعلها على ما حدث لها مستغربة من الجميع، تقول هداية. فقد كانت في حالة صمت واستسلام تامّين في وقت كان الجميع حولها يبكي عليها. «كانت هادية هادية هادية. مش عارفة شو اللي كان مهديها يومها». لهذا تقول هداية إنها ممتنة لأن الصورة التي انتشرت لها على وسائل التواصل بعد وفاتها كانت صورة تخرجها. «إنو آخر شي تكسروا أسنانها. وهاي أسنانها واضحين، وابتسامتها واضحة، وعيونها بتضحك. هاي أكثر صورة كانت فيها مبسوطة».

بعد ثلاثة أيام من حادثة سقوطها، ثبتت إصابتها وأفراد عائلتها بكورونا. وقد كان واضحًا من البداية أن أعراضها كانت الأشد بين الجميع. وفي وقت تعافى فيه الجميع، بما فيه والداها المسنان، تدهورت حالتها هي سريعًا، لدرجة أن صورة الأشعة التي أُخِذت لها بعد ثلاثة أيام فقط من تشخيصها، أظهرت أن الالتهاب كان مستشريًا في الرئة، تقول الدكتورة أسماء البطوش، وهي الطبيبة التي استقبلتها يوم 7 آذار في طوارئ مستشفى الجامعة الأردنية، وأشرفت على علاجها. وتقول إنها واحدة من صغار السن الذين باتوا يظهرون أكثر وأكثر في مشهد الإصابات الشديدة في الموجة الأخيرة للفيروس. وفي حين لم تكن دعاء قد تلقت لقاحًا ضد كورونا، لم تتمكن حبر من التوثق مما إذا كانت قد سجلت لتلقي اللقاح.

أكملت دعاء في أيلول 2019، برنامج الاختصاص في الجراحة العامة في مستشفى الجامعة الأردنية. وعملت بعد تخرّجها في مستشفيات خاصة، قبل أن تعيّن في مستشفى البشير في تشرين الثاني الماضي. 

يحتفظ زميلها في المستشفى، الدكتور بهاء الأقطش، على هاتفه برسائل منها تسأله فيها «كيف يسرا؟». ويسرا هي المريضة الأخيرة التي شاركت في إجراء العملية لها. بعض الرسائل مؤرخة بتاريخ 28 شباط، وهو اليوم التالي لحادث سقوطها. والأخرى بـ2 آذار، قبل يوم من الفحص الذي كشف إصابتها. رسائل مثل هذه، يقول الأقطش، هي تعبير بليغ عن الروح التي كانت تتمتع بها دعاء: «هاي البنت حياتها مش إلها».

دعاء كانت مناوبة في يومها الأخير في المستشفى. يشرح الأقطش أنه في يوم المناوبة يأتي الطبيب إلى عمله في الثامنة صباحًا ليبدأ يوم العمل الاعتيادي الذي يستمر إلى الرابعة عصرًا. ثم تبدأ بعدها مناوبته من الرابعة عصرًا إلى الثامنة من صباح اليوم التالي. وهنا، يبدأ اعتبارًا من الثامنة صباحًا يوم دوام «عادي» جديد يستمر إلى الرابعة عصرًا. والمناوبة ضمن هذا النظام تكرر مرتين في الأسبوع، بحسب قوله.

في الأوقات العادية، يقول الأقطش إن «البشير» يعاني من ضغط هائل، فهناك حالة دخول كل ساعة تقريبًا، وغرف العمليات الطارئة تظل عاملة في معظم الأحيان إلى الصباح، وكثير من الحالات بالغة التعقيد، وتكون قد أحيلت إلى «البشير» بوصفه مستشفى مركزيًا، بعد العجز عن التعامل معها من قبل المستشفيات الطرفية.

في اليوم الأخير لدعاء، كان الضغط استثنائيًا، يقول الأقطش. فقد كان هناك 22 مريضًا في حالة سيئة، تتطلب حالتهم الدخول وينتظرون في الطوارئ أن تشغر أسرة. وهناك ما لا يقل عن 30 مريض كورونا بإصابات مؤكدة، ينتظرون التحويل إلى المستشفيات الميدانية. كان الأمر «كأنك داخل على حرب»، يقول الأقطش. وسط هذه الظروف أكملت دعاء دوام يومها الأخير، قبل أن تستطيع العودة إلى المنزل. 

دعاء أبو جامع أثناء عمليات جراحية في مستشفى البشير. 

لم يكن العمل في مستشفيات القطاع العام خيار دعاء الأول، بسبب تردي الرواتب مقابل ضغط العمل وقسوته. ودعاء، تقول هداية، كانت تأمل في الحصول على فرصة للسفر إلى الخارج.

وكان حصول دعاء، وهي الثالثة بين تسع أخوة وأخوات، لأب يعمل أمين مستودع في شركة سيارات، على مركز بين العشرة الأوائل في التوجيهي قد أهلها لنيل منحة من وزارة التعليم العالي لدراسة الطب في الجامعة الأردنية. لكن المنحة كان مشروطة بالتزام دعاء العمل في وزارة الصحة. وكان مطلوبًا منها أن تتقدم بطلب توظيف في ديوان الخدمة المدنية خلال ستة أشهر من تخرجها من البكالوريوس. وغير ذلك، يعد إخلالًا بشروط المنحة، يترتب عليه مطالبتها بقيمتها، التي كفلها وقتها والدها. 

لكن دعاء لم تقدم طلب التوظيف هذا، فقد التحقت بعد تخرجها من كلية الطب ببرنامج الإقامة في مستشفى الجامعة الأردنية. وفي العام 2018، فوجئت العائلة، تقول هداية، بالحجز على بيت العائلة وحساب والدها البنكي وسيارته. وطلب من دعاء أن تسدد ما مجموعة 12 ألف دينار تقريبًا ما بين رسوم جامعية وغرامات تأخير.

ولم تكن دعاء وقتها قد أنهت برنامج الإقامة، ولا بدأت العمل أصلًا، تقول هداية. وقد قدمت إثر ذلك طلب توظيف في ديوان الخدمة المدنية على أمل إسقاط الدفع عنها، لكن هذا لم ينجح. والحل الوحيد الذي كان أمامها بعد ذلك كان التوصل إلى تسوية مع الجهة المسؤولة عن تحصيل الأموال الأميرية، تم بموجبها تقسيط المبلغ على دفعات شهرية. وتقول هداية إنها عندما ذهبت لتسوية الأمر بعد وفاة دعاء، وجدت أنها كانت قد سددت منه حوالي ثلاثة آلاف دينار.

لقد التحقت دعاء بعد نيلها درجة الاختصاص بالعمل في أحد المستشفيات الخاصة. وكانت تجربتها بحسب هداية سيئة من ناحية تعامل إدارة المستشفى، وأحيانا كثيرة من ناحية تعامل المرضى، الذي يكون في أحيان كثيرة فوقيًا مع الكادر. لهذا، التحقت بالعمل في وزارة الصحة عندما حصلت على تعيين في تشرين الثاني الماضي، وإن لم يعفها هذا من سداد مبلغ منحة دراستها، والذي لم يسقط إلا بوفاتها.

التحقت دعاء بالعمل في وزارة الصحة عندما حصلت على تعيين في تشرين الثاني الماضي، وإن لم يعفها هذا من سداد مبلغ منحة دراستها، والذي لم يسقط إلا بوفاتها.

لكن دعاء، تقول زينة شقيقتها الأخرى، وبمجرد تعيينها في «البشير» انغمست في عملها بكل جوارحها، وكوّنت في وقت قياسي علاقة حميمية بمكان العمل التي حاولت جهدها في البداية تجنب العمل فيه. «كانت تحكي هدول اللي بمستشفى البشير بِحَزّْنوا. حرام ما في حدا إلهم». وكانت تخرج أحيانًا أيام الجمع وقت الحظر الشامل. «نسألها وين؟ تحكي رايحة أطل على مرضاي (…) ما ترضى تتركهم. بتحكيلي أنا إذا تركت مرضاي بموتوا»، تقول زينة.

لقد كانت تحب التقاط الصور مع مرضاها، تقول زينة. وكانت تعبر دائمًا عن فخرها بأنها ساهمت في تحسين حالتهم. وفي الأثناء، كانت تحاول إضفاء بعض الجمالية على مكان عملها. تظهر زينة على هاتفها صورًا كانت دعاء قد أرسلتها للغرفة الضيقة المعتمة المخصصة للراحة أثناء المناوبات، وذلك بعد أن زينت جدرانها بملصقات زهور وفراشات.

هذه الروح يقول الدكتور صهيب الحلايقة، هي ما اتسمت به منذ كانت في كلية الطب. لقد كان ودعاء زميلين أثناء الدراسة في كلية الطب، لكن معرفته الحقيقية بـ«معدنها» كان عندما تزاملا في برنامج الإقامة في مستشفى الجامعة الأردنية. يقول إنه في المناوبات، تتوزع مسؤولية المرضى على المناوبين بالتساوي. وهنا يكون من حظ البعض أن مرضاه يظلون في حالة مستقرة، في حين تكون أوضاع آخرين صعبة، وتستدعي من الطبيب متابعة مستمرة وإجراءات شاقة. وكان معروفًا عن دعاء بالتحديد أنها كانت بعد إنتهاء عملها تمر على المناوبين الآخرين لترى إن كانوا بحاجة لمساعدة. وهذا ما حدث كثيرًا، ومنها مرة معه شخصيًا عندما تدهور وضع مريض لديه، واحتاج إلى تصوير أشعة وفحوصات مخبرية. فبدأت بسحب العينات له وأخذها باليد إلى المختبر لتسريع النتيجة.

بعد ثبوت الإصابة، تقول زينة إن دعاء فضلت في الأيام الثلاثة الأولى تلقي العلاج في المنزل، بما في ذلك الأكسجين. لكن تردي وضعها دفعها في اليوم الرابع إلى مراجعة المستشفى وعمل صورة أشعة كشفت تقدم الالتهاب في الرئتين. فذهبت إلى طوارئ مستشفى الجامعة الأردنية، يوم 7 آذار، وبقيت فيه إلى مساء اليوم التالي إلى أن شغر سرير في قسم العناية الحثيثة.

لأنها طبيبة، كانت دعاء تعرف منذ دخولها المستشفى مقدار تردي حالتها، تقول البطوش. وهذا ساهم كثيرًا في سوء حالتها المعنوية. خلال الأسبوع الأول، وضعت على جهاز الأكسجين غير النافذ بحيث ظلت واعية، وكانت تراقب على جهاز المراقبة نسبة الأكسجين، وتعرف ماذا يعني أن يصل إلى مستوياته التي وصل إليها. وكانت بذلك، تقول البطوش، تخوض معاناة مزدوجة، لأن هناك أصلا وحشة أن يكون المريض في غرفة عناية حثيثة، معزولة عن العالم الخارجي، وأصوات الأجهزة من حوله تئز طوال الوقت. والأطباء والممرضون يتحركون بملابسهم الواقية، وأقنعتهم التي تغطي وجوههم بالكامل.

خلال هذه الفترة، كانت وسيلتها الوحيدة لكسر العزلة هي تواصلها مع أهلها وأصدقائها من خلال الهاتف. في البداية، يقول الحلايقة، كان هناك مكالمات، ورسائل صوتية. لكن صدرها بعدها تعب إلى درجة لم تعد قادرة على الحديث، فتحولت إلى الرسائل النصية. وآخر رسالة صوتية منها، أخبرته فيها أنها غير قادرة على الرد على الهاتف. «قالت لي ادعيلي الأكسجين ما عم يطلع. وبسرعة بنزل لتحت 60». أمّا آخر رسالة نصية منها، يقول الحلايقة، فكانت يوم 15 آذار، وكانت ردّا بالنفي على سؤاله إن كان الأكسجين قد ارتفع. وكان هذا هو اليوم الذي تقرر وضع دعاء فيه على جهاز التنفس الاصطناعي النافذ، ما يعني تخديرها، وانقطاع قدرتها على التواصل.

قبل وفاتها بثلاثة أيام، تقول زينة، أُخِذت لدعاء صورة أشعة أظهرت تراجعًا نسبيا لالتهاب الرئتين. وبدأ أفراد العائلة  يتشاركون ببهجة على واتساب صورتي رئتيها، ويقارنون مساحة البياض، وهو علامة الالتهاب الذي يسببه كوفيد-19، في الصورتين «صرنا نقول يا رب، يا دعاء، بحسنة كل الناس اللي داويتهم، ربنا يسلمك».

لكن دعاء انتكست بعدها، وتوفيت يوم 20 آذار، بعد خمسة أيام من وضعها على جهاز التنفس الاصطناعي، الذي تقول البطوش، إن دعاء هي من طلبه بنفسها. وقالت لها وقتها: «أنا تعبت كثير (…) نَيْمِيني بدي أرتاح».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك