تقاير ساخنة

الجذمور ووهم اقتلاع الجذور: المشاع السياسي الخلّاق في فلسطين المحتلة

منذ أكثر من عشر سنوات، ومع توالي الأحداث النضالية في فلسطين بصيغ متعددة، اتخذت محاولات التنظيم والتجمع النضالي أشكالًا متباينة أحيانًا ومتداخلة أحيانًا أخرى. ما زال التنظيم الصارم حاضرًا، ينبع من الفصائل السياسية الفلسطينية أو الفضاءات الاجتماعية القريبة منها، وما زالت محاولات التنظيم الهرمي القريب من الشكل الحزبي موجودة، إلا أنّ جهودًا أخرى اتخذت أشكالًا ليّنة ومرنة، متناثرة وموزّعة في عدة مجالات، ولكنها تملك خطابًا سياسيًا متقدمًا. بعض هذه التكتلات تعنى بالتثقيف أو تقوم على التوجيه السياسي، وأخرى معنية بالبحث والإعلام. كما تشكلت العديد من المبادرات الاقتصادية التعاونية والاجتماعية التي واكبت قضايا وإشكاليات تمس الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية، وأحيانًا اختصت بأمور مصغرة أو بقضايا شديدة المحلية.

كان لمثل هذا الشكل من التجمعات رواده وحملاته التي استطاعت خلق آليات حشد وضغط وتأثير فعّالة. وعلى العكس من القراءات التي تصف هذه الحالة بـ«الهلامية» التي تمنع عملية المراكمة، إلا أنها استطاعت خلق سبل لاجتراح أفق لمقولة سياسية، مع تنوع أساليب رفض الوضع القائم سياسيًا، وإعادة السياسة لأجندة الناس وحديثهم اليومي. نذكر منها الائتلاف العريض الذي تشكّل لرفض العقوبات التي فرضتها النخبة الحاكمة الفلسطينية على قطاع غزة المحاصر، والمواجهات التي اندلعت في محاولة منع مخطط برافر لتهجير أهلنا في النقب، والعديد من الحملات والحراكات والهبّات الأخرى، التي تنوعت بين حملات مقاطعة انتخابات الكنيست، وحملات منع عروض ولقاءات تطبيعية، وصولًا إلى أنماط وأشكال أكثر تقليدية، تضمنت حالات قليلة شاركت في المقاومة المسلحة، والانخراط في هبات اجتماعية وسياسية أوسع، مثل هبة الأسباط، وهبة العمليات المنفردة

هذا لا يعني أن هذا الشكل المتناثر من التجمعات والحملات لا يدور داخله خلافات حول الشكل الأفضل للتنظيم، أو التكتيك، أو قضايا ترتبط بالتمويل، أو الأولويات الاجتماعية والسياسية التي يجب صب جم الاهتمام عليها. لكن قوة هذا الالتئام السياسي العريض الذي يجمع ما بين الافتراضي والواقعي، ما بين الحزبي أو المستقل، تكمن في أنه ليس أحاديًا، أي ليس مبنيًا على أيديولوجيا واحدة، ولا يرتبط بتنظيم سياسي واحد، وهو قادر على الجمع ما بين شرائح وطبقات اجتماعية متعددة تنتشر على امتداد فلسطين وفي الشتات.

تكمن قوة التناثر والتفرع الأفقي بأنه يمكّن من استيعاب الضربات الأمنية، وتحمل الضغوطات التي تشكلها ثلاثية متشابكة: التعاون المتمثّل في التنسيق الأمني وثنائية القمع الفلسطيني والإسرائيلي، وتطور التقنيات الرقابية والعقابية وتصاعد دورها، والإغراء الذي يخلقه التضخم الطارئ في الاستهلاك والاستقطاب الطبقي المتعاظم في السياق الفلسطيني، وما تنتجه تلك الشرائح من أيديولوجيات مركزَت مفهوم «العيش» المبني على الخضوع شبه التام للسياسات الاستعمارية، في مقابل استمرار الحياة اليومية بإيقاع لا يتم فيه تسليط عنف ظاهر ومكثف، كما حدث في انتفاضة الاقصى. وقد نجد مثل هذا الخطاب في الصفحات الدعائية لجهاز الأمن الداخلي «الإسرائيلي» والتي تقوم بعمليات «قصف ذهني» وحرب نفسي بمقولة مكثفة: «بدنا نعيش»، والتي سعت لربط المقاومة بالموت، والخضوع باستمرارية العيش.

بهذا المعنى، يقدم هذا الشكل الأفقي والمتشعب إمكانية خوض «حرب المواقع» بتعبير المناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي، والتي تتضمن تشكيل خطاب سياسي مضاد للهيمنة، وحواضن اجتماعية وثقافية واقتصادية تشكل «البنية التحتية» لمواقع لا ترتبط بالضرورة ببعضها البعض بالمعنى التنظيمي أو حتى الاجتماعي، ولكنها تتبنى خطابًا مشابهًا وتحاول وتسعى لتعميمه بطرق شتى. 

هذه الهشاشة، التي تمزق أوهام الحياة الطبيعية في ظلّ سلطة الحياة والموت التي يمثلها الاحتلال، عليها أن تكون مدخلنا نحو النجاة الجماعية التي تُحافظ على توازن الإنسان الفلسطيني.

يركز خطاب هذا الهامش السياسي على مسألتين: الرفض العلني لنهج النخبة الحاكمة الفلسطينية -رجال أمن ورجال أعمال ومثقفين- المبني على التعاون مع المستعِمر، والتفاف هذا الحيز الاجتماعي والسياسي حول المقاومة بأشكالها، وطرح قضايا مثل التمايز الطبقي الصاعد في فلسطين، وقضايا أخرى. لعب ذلك دورًا هامًا ومفصليًا في تحديد لغة وخطاب المعارضة السياسية في الزمن الحالي، بل في إنتاج العديد من أيقونات المعارضة والرفض للقائم، تمثلت في شخوص بعض الشهداء والأسرى.  

تستنهض هذه الحالة السياسية المتقدمة، وغيرها من نضالات يومية وهبات شعبية، ما تستطيع من عوامل الأمل في مواجهة إيديولوجيات السلطة وتغلغلها في المجتمع الفلسطيني. وقد اتسمت غالبية القراءات التي تناولت الحراكات والحملات الناشئة إما بالاستخفاف أو بسوق الافتراضات وتحميل الظاهرة ما لا تحتمل. فقد انطلقت هذه القراءات من سؤال إمكانية تحولها إلى شكل جديد ومعقّد من التنظيم السياسي، يستطيع اختراق الفضاء السياسي الفلسطيني المتشظي بين أحزاب الإسلام السياسي، التي ما زالت تحمل مشروع المقاومة، وبين نخبة ضيقة في رام الله، ترى وجودها مرتبط بإتقان قمع المقاومة. بهذا المعنى، أخضعت هذه الدراسات تلك التكتلات العريضة إلى امتحان لفعاليتها السياسية عبر قدرتها على دحر أو اعتراض تيارين من أوسع التيارات السياسية الفلسطينية التي تشكلت عبر ما يزيد عن قرن.  

هنا تطرأ مجموعة تساؤلات: هل هذا التكتل الهلامي يقاتل على نيل السلطة؟ أم أن مهمته الأساسية تتلخص بخلق أفق لحالة نضالية تطرح الصمود الإيجابي -في مواجهة التوسع الاستعماري- لنفسها وللناس؟ هل يريد هذا الهامش المُعارض أن يستبدل النخبة الحاكمة، أم يريد أن قلب شكل وطبيعة ووظيفة السلطة أو حتى محو الحاجة لها؟ وهل يمكن أن يشكل أرضية خصبة لإنبات التجارب النضالية والمعرفية والاجتماعية والسياسية؟

ما يزال مبكرًا الإجابة عن هذه التساؤلات، لكن يمكن القول إن هذا الحيز الاجتماعي السياسي ساهم في خلق خطاب متطور، ومنع الانزلاقات التطبيعية في الفضاء الثقافي الفلسطيني، وفي صياغة رأي عام حول العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية، بل في صياغة شكل جديد من النقد السياسي والاجتماعي المبني على إرث طويل من المعارضة السياسية الفلسطينية، يجمع تيارات متعددة قدمت أشكالًا مختلفة من النقد إثر توقيع أوسلو؛ حماس والجهاد وبعض تيارات فتح واليسار الفلسطيني المقاتل. لذا، يجدر فهم هذا التكتل الهلامي بوصفه مشتبكًا مع العديد من التيارات السياسية، بدل كونه بالضرورة بديلًا عنها أو منافسًا لها. 

ما يهمنا هنا وما يجعل هذه القضية طارئة، هو تصاعد حملات القمع والترهيب الموجهة للعديد من النشطاء والمناضلين والكتاب والصحافيين والفنانين في الأعوام القليلة المنصرمة، كان آخرهم الكاتب مهند أبو غوش، والفنان مهند العزة، والفنان عطا خطاب، ووسام أبو الصقر، وثلة متنوعة من أبناء الحركة الطلابية الفلسطينية في الداخل والضفة، فضلًا عن اعتقال الكثيرين على مرّ الأعوام الماضية. 

ما ندعيه هنا أن هذا الشكل من التكتل السياسي العريض يُمكن فهمه على أنه يشبه الجذمور، ينمو بشكل أفقي تحت الأرض، ترويه الكتابة والصورة والذاكرة والفعل، وقادر على إيجاد منفذه من الأرض إلى ما فوقها في أحلك الظروف وأكثرها قحطًا. بالفعل، يتمدد الجذمور في الأرض كالدودة، يحفر دهاليزه بشكل فوضوي أحيانًا، ولكن من ثناياه تنبثق جذامير متعددة، لا تتلاقى جميعها، ولكنها تعيش في التربة والأرض نفسها. 

بهذا المعنى، تشكل الجذامير استعارة، تساعدنا في فهم التعقيد والفوضى، ولكنها أيضًا توضح أهمية ما تشكل في السنوات العشر الماضيات، من خطاب سياسي مضاد لهيمنة الاستعمار وامتداداته في المجتمع الفلسطيني؛ خطاب يُعلل الحال والأحوال، ويطرح آليات وأدوات للفعل السياسي، مقترحًا تصاميم مختلفة لتجميع وتركيز الجهود، تمتد من المبادرات الخيرية والتطوعية التي تصب في تعزيز اللُحمة والتضامن الاجتماعي، إلى المبادرات الثقافية والإعلامية والبحثية، وصولًا إلى الكفاح السياسي المباشر. والجذمور هو أصل الشيء وأوله، أي أنه لا يلغي أو يرفض أو يتنافى مع تطور أشكال تنظيمية أكثر تعقيدًا، بالعكس، ما يوفره الجذمور هو إمكانية نشأة تلك الأشكال على أرضيته.

هنا لا بد من توضيح أمرين؛ أولًا، أن هلامية التكتل تعني وجود خلافات وتناقضات كبرى داخله، منها التناقض النابع من بزوغ مجتمع أهلي فلسطيني على هامش مؤسسة السلطة الفلسطينية عقب توقيع اتفاقيات أوسلو، ما بين تموضعه بشكل عام داخل بنى التمويل الغربي أساسًا، والقدرة على رفض هذا التقنين والإخضاع من داخل وخارج المؤسسات الأهلية. فالشروط الأوروبية الجديدة التي تفرض توقيع المؤسسات الفلسطينية على نبذ ما يسميه الاتحاد الأوروبي «الإرهاب»، تعكس الدور الحقيقي للتمويل كأداة قمع وتطويع تندرج تحت سياسات مكافحة التمرد، كما يوضح تباين مواقف المؤسسات الأهلية في رفض هذا الاشتراط، بين من تماهى معه وقبِل به كأمر واقع، من طرح محاولات مختلفة لرفضه واجتراح بدائل تمويلية تُغني عنه. 

وثانيًا، لا يوجد داخل هذا التكتل الهلامي توافق على العديد من القضايا، بما فيه الخلاف على الأشكال النضالية، والموقف من التعويل على التمويل، وأولويات العمل، وآليات التنظيم وغيرها من القضايا المحورية. وهذه ليست قضايا هامشية، بل تصب في فهم تعقيد الظاهرة وتضارب العديد من بواعثها، وتمنع توحيد كافة عناصر التكتل الهلامي تحت صيغة تنظيمية وسياسية واحدة. وعليه، فإن هذه الصيغة ليست مثالية ولا هي غاية بحد ذاتها، ولا تتناقض مع وجود صيغ أخرى، ولكن يمكن القول إن ما تقوم به هذه الأشكال المتفرعة والأفقية «الجذمورية» هو رفد زمننا الشحيح بأرض نضرة، تشكل موقعًا للتعليل والتفسير والتعميم والتمرد، وبوابة لا بد منها لما يمكن أن يكون أوضح وأنضج. ولهذا تحديدًا تُستهدَف.

التعذيب بين الخارجي والداخلي

وصف اليونانيون القدماء التعذيب بـ«الضرورة» أو «الفعل الذي لا غنى عنه»، ووظّفوه كأمر اعتيادي. كانت هناك ثلاث غايات من العنف الموجه تجاه الجسد في القانون الأثيني، الأول توظيف التعذيب كأداة عقابية، والثاني كأداة استخراج اعترافات وحقائق، والثالث توظيفه لتأكيد معلومات وحقائق حول طرف ثالث، أي يتعدى التعذيب جسد المشتبه بهم وينال من الشهود والمحيط. بهذا المعنى، كان للتعذيب أربعة أدوار أساسية؛ الاستخراج والتأديب والتأكيد والتعميم أو الردع، ويتمثل الأخير بعلنية التعذيب. 

كان المجتمع اليوناني القديم مجتمعًا دمويًا تراتبيًا مقسمًا إلى مواطنين وأحرار وعبيد، والتعذيب لم يحصل في الخبايا أو على هوامش المدن، بل في الفضاءات العامة وعلى مرأى من الناس. كان التعذيب فرصة للسلطات اليونانية لتأكيد هيمنتها واستثمارها الدموي في الإبقاء على الشكل الاجتماعي. بالتالي كان إيلام الجسد رسالة أوسع لاستدامة النظام الاجتماعي القائم، أي تعميم التشويه الذي يحصل على الجسد المعذب واستدامته، لهذا كان التعذيب موجهًا بالأساس للعبيد. وكان مصدر العنف في التجربة اليونانية والرومانية والتجربة ما قبل الحداثية عمومًا من خارج الجسد، أي أنه فعل خارجي مهتم بأن تكون الصرخات النابعة من الألم مشهدًا عامًا، يندثر بمجرد انتهاء حفلة التعذيب بموت او اختفاء «الجسد المعذب». 

في المقابل، تفيد أطروحة فوكو الدارجة التي تحاول التقاط أسباب التحول في البنى التحتية للمراقبة والعقاب، بأن التعذيب اتخذ شكلًا «داخليًا» في الحداثة، أي أنه لم يعد يستهدف إيلام الجسد بقدر ما صار يهدف إلى إدخال الجسد في «حديث داخلي» يفضي إلى تذويب العنف في النفس، أي جعله جزءًا من عملية تشكيل الذات، وبالتالي أن يكون التعذيب مدخلًا لتشويه العقل أو كيّه. بتعبير آخر؛ قدّمت الحداثة نموذجًا مغايرًا في التعذيب، يتضمن توظيف خبرات «علماء النفس» والمختصين على اختلافهم في استحداث أساليب عقاب لا تخدش سطح الجسد بقدر ما تحفر في بواطنه، تحديدً في خبايا العقل. بالتالي، فالعنف الحداثي عنف داخلي يهدف إلى إعادة صياغة الوعي، وعادةً ما يحصل على هوامش المدن وفي مراكز تحقيق وتعذيب تحت-أرضية أو في مؤسسات حداثية على شاكلة السجون، معدة لإخفاء وعزل الأجساد غير المرغوب فيها. 

هذان الشكلان من العنف، أي العنف الداخلي والعنف الخارجي، مترابطان في المجتمع الاستيطاني الصهيوني ولم يتعرّضا لفصل حاد، ويعبران عن هجانة أنظمة ونواميس التعذيب في فلسطين، بما تعنيه من عملية انصهار للحداثة وما قبلها في أساليب القمع الصهيوني. النظام الصهيوني نظام دموي يُحاكي دموية النظام اليوناني الكلاسيكي، ولكنه يهدف للحفاظ على صيرورة تتيح عملية التوسع والاستحواذ على الأرض وإحلال المستوطن الصهيوني. علاوة على ذلك، هو نظام حداثي يحاكي أيضًا أنظمة المراقبة والعقاب الحداثية في الغرب، بل يشكل موقعًا متقدمًا لاختبار وابتداع أساليب جديدة في المراقبة والعقاب؛ أساليب يُصدرها المجتمع الصهيوني للعالم، بما فيه بعض دول التطبيع -الإمارات والبحرين ومصر والأردن- التي توظف هذه التقنيات في قمع ومراقبة شعوبها. 

ليس علينا سوى النظر إلى موقع مركز توقيف وتحقيق المسكوبية وسط القدس لإدراك مكانة التعذيب في الترسانة العقابية والرقابية للمجتمع الاستيطاني الصهيوني. فالمسكوبية تقبع في وسط القدس، وعلى مرأى من البلدة القديمة، قرب باب الجديد تحديدًا. إنه فضاء يتوسط القدس، ولكنه أيضًا موقع أشبه بالجدار من منظور المارة، والجدار يخفي ما وراءه وما يحصل داخله من ألم. هو مركز تحقيق وتعذيب يتوسط «العاصمة» من منظور المجتمع الاستيطاني، لكنه مرئي ومركزي بخفاء. يعبر المركز عن موقع التعذيب كأداة «ضرورية» في المخيلة الأمنية الصهيونية، وعن تلاقي هذه «الضرورة» (بمعناها الكلاسيكي الأثيني) مع ادعاء المجتمع الاستيطاني انتماءه للحداثة الأوروبية، ونواميسه في العزل والعقاب والمراقبة الحداثية المرتبطة بعلاقة حميمة مع علم النفس. بهذا المعنى، يمثل موقع وبناء المسكوبية استعارة توضح موقع التعذيب المرئي والمخفي في آن. 

ما تقوم به هذه الأشكال«الجذمورية» هو رفد زمننا الشحيح بأرض نضرة، تشكل موقعًا للتعليل والتفسير والتعميم والتمرد، وبوابة لا بد منها لما يمكن أن يكون أوضح وأنضج. ولهذا تحديدًا تُستهدَف.

يهمنا هنا أمران؛ تداخل العنف الخارجي والداخلي في منظومة العقاب الإسرائيلي، وشمولية التعذيب بحيث يحاكي النموذج الأثيني من حيث استهدافه لثلاثية: الوصول لمن قام بعمل مقاوم، إحقاق عقاب جسدي بحقه، واستهداف المحيط الاجتماعي لهذا الفعل، من خلال توظيف التعذيب بأسلوب هجين يتعدى الانهماك بالنفسي إلى الانفتاح على كل الخيارات؛ بما فيها التنكيل والضرب، والإيلام الجسدي طويل الأمد، والخداع والابتزاز، والقراءة النفسية للشخصيات ومواقع ضعفها، والاغتصاب والتحرش، وغيرها من أدوات. 

حصل هذا تحديدًا في محاولة قمع الحيز العريض المرتبط بالجبهة الشعبية، من كوادر ومقربين وأعضاء في الامتداد الطلابي للجبهة إثر عملية بوبين، إذ تم تسليط عنف ثنائي داخلي وخارجي في محاولة لخلق معادلة ردع جديدة. وبطبيعة الحال، هذه ليست حالة استثنائية، فكل من تم الاشتباه به بالقيام بفعل مقاوم يُسلّط عليه هذا العنف الهجين.  

تُظهر السلطة الاستعمارية نفسها وتعلن عن حقيقتها من خلال هندسة الألم. أولًا، الألم الذي يطال الحواس؛ الحرمان من النوم ومن الرؤية وغيرها من طرق التلاعب في الظروف الحسية للأسير، وثانيًا، الألم الذي يتحول إلى ندوب داخلية لا تظهر على سطح الجلد ولكنها تستقر في باطن الجسد، بما يطيل أمد الألم، تحديدًا عبر أساليب الشبح المختلفة مثل قصع الظهر، وتعليق الجسد في الهواء، والتعرية، والضرب، واستباحة الكلاب للجسد، وإجلاس الأسير على كرسي الأطفال، وغيرها من أساليب التلاعب بالجسد ووضعه في مواضع «توتر» مختلفة.

تطرح علينا هذه التجربة إشكاليات سياسية عدة، أولها يرتبط باستمرار السجن، بل توسعه إلى سجنين. فقد حاولت السلطة الاستعمارية تصدير العنف الخارجي الموجه للجسد إلى زنزانة السلطة الفلسطينية، والإبقاء على العنف الداخلي كمنهج تعذيبي يوظف في المسكوبية وغيرها من مراكز التحقيق الصهيونية، إلا أن هجانة الأسلوب التحقيقي ظلت متوافرة بجميع أدواتها، الخارجية والداخلية، كما اتضح من طبيعة التعاطي مع العديد من الحالات، خاصة تلك التي أقدمت على فعل مقاوم منظم. وثانيًا، تدفعنا التجربة للتساؤل حول كيف ومتى ولماذا نصف ونعمّم تجارب الألم؟ وهل في وصفنا للألم فعل سياسي يستعيد فيه الفلسطيني توازنه؟ أم أنه يخدم، كما خدم في أثينا، تعميم الألم، ووضعه في مركز الفضاء العام وتحويله لأمثولة رادعة؟

هنا تحديدًا، نجد المُفارقة التي أنتجتها حفلات التعذيب التي تبعت عملية عين بوبين وغيرها من أفعال المقاومة. فمن جهة وُظّف التعذيب لضرب الجهد المنظم الذي وقف وراء الفعل، والمحيط المباشر وغير المباشر له، ومن جهة أخرى طغى التعذيب الذي تلا الحدث المقاوم على الحدث نفسه، وأصبح الفعل مطويًا في سرديات الألم الذي ولّده التعذيب. فالكشف عن الندوب وإخراجها من المستتر والمخفي وراء الجدران إلى الظاهر في الفضاء العام، من خلال توثيق التجربة وعرضها، يثير مشاعر متضاربة من التضامن والتكافل والخوف والارتباك والردع؛ مشاعر لها تبعات متعددة، منها ما يساهم إلى حد ما في إظهار «الوحشية». لكن، في ظلّ غياب الخطاب السياسي المرافق للفعل المقاوم، واختزال الفعل بتوابعه المباشرة، تولدت حالة تساهم -ولو بشكل غير مقصود- في بناء سردية أحادية للفعل المقاوم، بحيث يُقرأ الحدث فقط من زاوية «الألم» الذي تبعه. وبهذا نكون وقعنا في فخ تعميم الردع، بدل وضع الفعل وتوابعه في إطاره السياسي. 

بطبيعة الحال، هذه ليست دعوة للصمت أو السكوت عن الألم، وإن كان الصمت أحيانًا أحد الأساليب الأكثر نجاعة في المقاومة، ليس فقط عبر تقمص المقاوم للحَجَر أثناء التحقيق، ولكن أيضًا بالوعي التام بما نبوح به ولمن، والآليات التي نوظفها في البوح والتوثيق والتعميم. قد تكون النُدب التي تخلفها ضربات السجان «طارئة»، وإن كانت تظهر هشاشة الجسد الفلسطيني. إلا أن هذه الهشاشة، التي تمزق أوهام الحياة الطبيعية في ظلّ سلطة الحياة والموت التي يمثلها الاحتلال، عليها أن تكون مدخلنا نحو النجاة الجماعية التي تُحافظ على توازن الإنسان الفلسطيني، وألا تخلق حالة من الخرس الجماعي إذا ما أصبحت جلّ ما يتم تذكره عن تجربة الأعوام العشر الماضية. 

وهم اقتلاع الجذور

حاولت المؤسسة الأمنية الصهيونية تأطير حملتها الأمنية في الضفة إثر الهبة التي اندلعت عام 2015، من خلال اجتراح استعارة التحول من «جزّ العشب» إلى «اقتلاع الجذور». وقد تحدث العميد الصهيوني ليئور كرملي، قائد شعبة تقنية المعلومات والاتصالات والسايبر في جيش الاحتلال، والقائد السابق لفرقة الضفة الغربية فيه، عن هذا التوجه في مقابلة له مع صحيفة صهيونية في العالم 2017. ونُشرت العديد من المقالات والأبحاث التي تتغنى بفعالية القمع والترغيب وغيرها من أشكال الرقابة في إخراج 99% من المجتمع الفلسطيني من دائرة المقاومة، بحسب تصريحات صادرة عن القيادة العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية. 

بهذا التأطير، صاغت المؤسسة الأمنية رؤيتها للمواجهة في سياق الضفة الغربية والقدس والداخل، فهي لا ترى فقط إمكانية ردع الفعل من خلال توظيف العنف والقمع والأدوات المعتادة من العقاب والترغيب، بل تضع نصب أعينها تفكيك إمكانية الفعل. أي أن المُخيلة الأمنية الإسرائيلية تقدم لنا فرضيتها التي تقول أنها قادرة ليس فقط على تخريب الفعل، بل على سلب الفلسطيني رغبته به وحاجته له.

في الآونة الأخيرة، تعمل الإنتاجات المرئية التي تصدرها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على بث رسائل للمجتمع الفلسطيني، تركز على مفاهيم الشراكة والتعايش والسلام في ظلّ الشرط الاستعماري. توفر هذه الإنتاجات مدخلًا لفهم المجال الخطابي والمعرفي والصوري واللغوي للجهاز، فهو بقدر ما يظهر نفسه كأسلوب «كي وعي» موجه نحو «الحديث الداخلي» للإنسان الفلسطيني، إلا أنه أيضًا يُقدم الجهاز بشكل علني، نازعًا عنه شيئًا من السرية التي يتسم بها عمل أجهزة الأمن والمخابرات عامة. 

المُخيلة الأمنية الإسرائيلية تقدم لنا فرضيتها التي تقول أنها قادرة ليس فقط على تخريب الفعل، بل على سلب الفلسطيني رغبته به وحاجته له.

تسعى «الاستراتيجية» العامة لجهاز الأمن إلى قتل روح المقاومة، بما يشمل السخرية من كل أنماط الفعل الفلسطيني. وقد حاول هذا الإنتاج المرئي والكتابي والصوري إقحام نفسه داخل الخطاب الاجتماعي الذي يعلل الأحداث ويفسرها ويسردها عقب حدوثها. ونذكر هنا العديد من القضايا التي تناولتها صفحات الأمن الداخلي الإسرائيلي؛ كالجدل الذي صاحب استشهاد الشاب أحمد عريقات على حاجز الكونتينر، أو عملية الأسير عاصم برغوثي، أو القمع الذي يصاحب كل حالة تمرد، بما فيه القمع الموجه لكوادر اليسار الفلسطيني عقب علمية بوبين، وغيرها العديد من الامثلة.  

المفارقة العجيبة، أو الزلة الفرويدية ربما، كانت في إحدى الفيديوهات التي لخصت ما يفعله جهاز الأمن الداخلي بإظهار يد الجهاز وهي تقص العشب «المقاوم»، الذي نمى في إطار اليسار المقاتل. على نقيض من التأطير العام لاستراتيجية الجيش والجهاز الأمني الإسرائيلي، الذي قدّم وصفه العام لسياسة مكافحة التمرد عبر مفهوم اقتلاع الجذور، فإن الفعل نفسه في تصوير الجهاز لم يتعدى قص العشب. يكشف لنا هذا الفيديو عن الشرخ ما بين الادعاءات الكبيرة التي وضعتها المؤسسة، وحقيقة فهمها لفعلها القائم على الترويع والتعذيب والحبس. فقصّ العشب كلما نما هو تصور أكثر واقعية لما تحققه أساليب القمع المختلفة من ترهيب وسجن وقتل وهدم للبيوت، وغيرها من تقنيات القمع والعنف المسلطة على الإنسان الفلسطيني. 

تعوّل المؤسسة الأمنية والمدنية الإسرائيلية على أشكال متعددة من الخطاب الذي يمزج ما بين الترغيب القائم على إمكانية نيل تصريح عمل وما يفتحه ذلك من أفق معيشي للشباب الفلسطيني، والترهيب عبر توظيف عناصر مرئية أو حتى إنتاجات كاريكاتورية ساخرة، تستند إلى الرعب وتحاول إدخال نفسها في عملية تشكيل الخطاب الاجتماعي الفلسطيني العام، وفي عملية قراءة وتأويل العبر والاستخلاصات من كل حدث. ولكنها أيضًا تسعى إلى إعادة إقحام نفسها في الفضاء العام الفلسطيني، خاصةً أنها بعد اتفاقيات أوسلو أعادت التموضع خارج هذا الفضاء وعلى هوامشه، بالانسحاب من المدن والقرى بحسب إطار الفصل الحضري الذي أسست له أوسلو من خلال تجزئة الفضاء الفلسطيني بين مناطق «ألف» و«باء» و«جيم». بالتالي، أصبحت العلاقة غير مباشرة أحيانًا، كما أصبحت في العديد من الأحيان تصدّر عدة جوانب من عملها إلى الاجهزة الفلسطينية.

يقول الباحث الصهيوني هليل كوهين إن ما تقوم به منشورات الجهاز ونشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يغير من «الوعي الفلسطيني»، لأن المنشورات تتسم باستعلاء وتعجرف استشراقي. في الحقيقة، إن أي سلطة تمتلك أدوات تحديد من يجب قتله أو اعتقاله هي سلطة مبنية على الاستعلاء الأبوي التأديبي، وبالتالي يشكل التعجرف مكونًا أساسيًا في شخصيتها. بهذا، هي لم تبدل رؤيتها لموقعها وسيكولوجيتها في المواجهة مع الفلسطيني، في خطابها بين غرف التحقيق وخارجها. ولكنها بقدر ما تحاول أن تُقحم وتُؤوّل وتُفسر وتُرعب، من خلال استحداثها لدور جديد على وسائل التواصل الاجتماعي، فهي أيضا تكشف لنا بعضًا من نفسها.

هناك العديد من القضايا التي يمكن تناولها في فهم آليات القمع التي تطورت إثر الهبة، ولكن ما يهمنا هنا تحديدًا أمران: أولًا، رغم أن التكتل الهلامي السياسي العريض الناشئ لم يلعب بالضرورة دورًا مباشرًا في الهبة وأحداثها، إلا أنه كان الوحيد القادر على الاشتباك معها، أي تحويل العمل المقاوم المنفرد إلى حراك اجتماعي وسياسي أوسع، والتقاط ما يمكنه من بواعثها وإعادة حبكها وتعميمها على قاعدة اجتماعية أوسع. وثانيًا، أن تمادي القمع ينتِج أحيانًا مفعولًا عكسيًا، وبدلًا من إخفات الصوت، يؤدي إلى إحساس جمعي بضرورة تعميق الأوصال ومنع التفكك، كما يساهم في خلق جيل جديد من المناضلين ذوي التجربة والصيت الاجتماعي الواسع. وهذا لا يعني أنه لا يخلق خرابًا، ولكن الخراب ليس كل القصة.

في الأعوام القليلة الماضية، جرت محاولة قتل، وترويع، وحبس، وتفتيت كل الجهود المنبثقة عن هذا الإحساس الجمعي، ووصل القمع حد اختلاق علاقات وصلات غير موجودة، تنم عن مُخيلة استعمارية قمعية واستعلائية مضطربة، تكاد تبحث عن أشباح تخترعها. قد لا يدّعي هذا التكتل السياسي، من أفراد وحواضن، أنه قادر على حمل المواجهة مع المشروع الاستيطاني ككل، لكنه يسعى بالحد الأدنى إلى التعبير عن سخطه على ما يتم صياغته من مستقبل أقرب إلى الديستوبيا، يمر ببوابة التعاون مع المستعِمر، وسياسات النسيان التي قد تفضي إلى انتزاع ما تبقى من وجود فلسطيني في فلسطين.

علينا الحفاظ على المشاع السياسي والاجتماعي المشترك، وتوفير سُبل النمو له، بما يتضمنه ذلك من خلق صلات المحبة والصداقة والتضامن، حتى لو كان داخل هذا المشاع الرحب أيضًا تناقضات جمة. باختصار، إن الأنماط المتعددة من النشاط والفعالية السياسية، مع الوعي التام لحدودها وإشكالياتها، تشكل منطلقًا لمحاربة الخمول والكسل الفكري والمعرفي والسياسي، وتفتح الباب لتطوير عقل جمعي مشترك، يساهم في التأمل المتأني في الحاضر السياسي، ويبلور ويطرح الحلول، ويُبادر بالفعل، ويروي جذامير تحت السطح، لا نعلم كيف ومتى وعلى أي هيئة تخرج من الأرض معلنة عن نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك