تقاير ساخنة

جنود بمعاطف بيضاء: تاريخ الطب الاستعماري في «إسرائيل»

صعق الأردنيون في تشرين الثاني الماضي بخبر نقل مدير الخدمات الطبية الملكية، التابعة للقوات المسلحة، الدكتور عادل الوهادنة، للعلاج في مستشفى هداسا في القدس المحتلة، إثر إصابته بفيروس كورونا المستجد. أثار ذلك مفارقات عدة، إذ ما يزال الأردن يتحدث عن سياحة علاجية يجذب عبرها المرضى العرب للعلاج في مستشفياته، في حين أن نسبة كبيرة من الأطباء الذين يعالجون حالات كورونا في «إسرائيل» هم من الفلسطينيين، فضلًا عن أن حصيلة الجائحة آنذاك لم تكن أفضل في «إسرائيل» منها في الأردن، إذ كانت معدلات الإماتة لدى مرضى كوفيد-19 متقاربة.

عنت هذه المفارقات أن إرسال كبير الأطباء العسكريين في الأردن لتلقي العلاج في «إسرائيل» لم يكن أمرًا منطقيًا أو مبررًا من ناحية طبية بحتة، بقدر ما كان سياسيًا أو نابعًا من قناعة راسخة بأن العلاج في «إسرائيل» متقدم عن مثيله في الأردن؛ بشريًا وتكنولوجيًا.

دعاني ذلك للبحث في موضوع الطب في «إسرائيل» منتبهًا لقضيتين: تتعلق الأولى بالفوقية العنصرية التي ينظر بها الصهاينة لغيرهم من البشر، والمرتبطة بأوهامهم الأسطورية حول تفوق «العرق» اليهودي، ومنها تفوقهم في الطب. وما يقابلها من دونية لدى النخب العربية التي تبرر الاستسلام للمشروع الصهيوني الاستعماري، والمرتبطة بتبعيتها للإمبريالية، التي تتجلى في الذهاب للعلاج في «إسرائيل». أما الثانية، فتتعلق بضرورة أن نعرف طب عدونا على حقيقته، ونتبين نقاط قوته وضعفه، ومدى خطورته وتهديده لأنظمتنا الصحية.

من هنا، ظهرت الحاجة للاطلاع على الظروف التاريخية التي تطور الطب الإسرائيلي والطب العربي في إطارها في القرن العشرين، قبل وبعد نشوء الدولة الصهيونية، وأثناء خضوع الدول العربية للاستعمار وبعد نيل استقلالها، وصولًا إلى فهم الطبيعة الحالية للنظام الطبي الصهيوني، وانعكاساته على الأردن والمنطقة، وكيف تم توظيفه كسلاح بيد «إسرائيل».

الطب في فلسطين العثمانية

بعيدًا عن الجذور القديمة للطب، من أبقراط وجالينوس إلى الطب العربي الإسلامي في الأندلس والعراق ومصر، إلا أن الطب الحديث في «إسرائيل» والدول العربية اليوم هو نتاج المسار الذي أخذه الطب منذ الثورة الصناعية في أوروبا. وفي حين استفاد يهود أوروبا من تقدم الطب الأوروبي في تلك الحقبة، إلا أن شعوب المنطقة العربية، بمن فيهم اليهود الشرقيين، لم يستفيدوا من هذه الثورة الصناعية، بل على العكس، كانت إحدى مصائبهم، إذ مكنت الأوروبيين من بسط نفوذهم الاستعماري.

بقي الطب متخلفًا في الإمبراطورية العثمانية لفترة طويلة، إلى أن بدأ الإصلاح العثماني في القرن التاسع عشر، الذي شمل إنشاء كليات طب حديثة، كالمدرسة الطبية المصرية (القصر العيني) في القاهرة، والمكتب الطبي العثماني في إسطنبول عام 1827، ولاحقًا المكتب الطبي العثماني في دمشق. بالإضافة إلى المؤسسات التي أسستها البعثات التبشيرية؛ كالكلية السورية البروتستانتية (الجامعة الأمريكية)، ومدرسة الطب اليسوعية (جامعة القديس يوسف) في بيروت. وقد أدى ذلك لنوع من تحسين الخدمات الصحية في جنوب سوريا وزيادة عدد الأطباء فيها. وقدمت كليات الطب فرصة للفلسطينيين لدراسة الطب والعودة لممارسته في فلسطين، تحت مظلة الجيش العثماني أو البلديات أو للعمل القطاع الخاص، مع ملاحظة أن الجامعة الأمريكية في بيروت قد أتاحت الفرصة أيضًا لليهود لدراسة الطب فيها.

كان الوضع الصحي لليهود سيئًا في فلسطين كما هو حال بقية السكان، مما جعلهم يلجؤون لشتى أشكال الطب الشعبي، بما فيها السحر والشعوذة، لمعالجة الأمراض التي كانت تفتك بأهالي فلسطين في تلك الفترة، والتي كانت في معظمها من الأمراض الوبائية والمعدية. وهذا ما يفسر فشل الهجرات اليهودية الاستيطانية الأولى لفلسطين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث قضت الأمراض والملاريا على عدد كبير من المهاجرين، وأجبرتهم على الفرار من فلسطين.

لكن في أواسط القرن التاسع عشر، بدأت البعثات التبشيرية الطبية البروتستانتية بإرسال أطباء وبناء مستشفيات مخصصة لعلاج اليهود في فلسطين، في إطار تشجيع اليهود الأوروبيين على الهجرة. وبنت جمعية لندن اليهودية (وهي جمعية بروتستانتية أنجليكانية) مستشفى اليهود في القدس في عام 1844، ومستشفى آخر لليهود كذلك في صفد. والمفارقة أن هذه البعثات أتت في إطار معاداة السامية، في محاولة لإرسال بني «إسرائيل» لفلسطين وتمسيحهم، للتعجيل بعودة المسيح.

مرضى عرب في مستشفى الإرسالية الإسكتنلدية في طبريا، عام 1900. مكتبة الكونغرس.

أدت الدوافع اللاسامية للتبشير الطبي البروتستانتي (البريطاني والألماني وحتى الأمريكي)، ومحاولات نشر البروتستانتية بين مسيحيي الشرق، فضلًا عن النظرة العنصرية للمسلمين، إلى مقاومته من جميع هذه الأطراف الثلاثة. لكن اليهود لم يتمكنوا من مقاومة تلقي العلاج في المشافي البروتستانتية المخصصة لهم، وهو ما دعا لطلب المساعدة من أغنياء الصهاينة في أوروبا لإقامة مستشفيات في فلسطين. وبالفعل، مول كل من المليونيرين اليهوديين موسى مونتيفيوري وروتشيلد في نهاية القرن التاسع عشر بناء مستشفيين في القدس، هما مستشفى «شعاري تسيديك» ومستشفى «روتشيلد»، مع إرسال أطباء وكوادر صحية يهودية من أوروبا لإدارتهما.

ومع تضاعف عدد اليهود في فلسطين من أقل من 40 ألفًا قبل عام 1904 إلى أكثر من 80 ألفًا في عام 1914، برزت الحاجة لتعزيز الخدمات الصحية لتمكين هؤلاء المهاجرين من البقاء. كان معظم المهاجرين الجدد، خاصة من الإمبراطورية الروسية وشرق أوروبا، متأثرين بالأفكار الاشتراكية، وهو ما انعكس على المجال الصحي. إذ تم إنشاء صندوق مرضى العمال في عام 1911 كأول مؤسسة تأمين صحي اجتماعي يهودية، على غرار ما تبناه الاشتراكيون في أوروبا في تلك الفترة من تعاونيات عمالية، وتحول الصندوق عام 1914 لمقدم للخدمات الصحية أيضًا.

الانتداب البريطاني وتأسيس الطب الصهيوني

مع مجيء الاحتلال البريطاني، كان معظم الأطباء اليهود (حوالي 80 طبيبًا) قد أتوا من أوروبا، إضافة لعدد من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، وكانوا يعملون تحت مظلة واحدة، هي صندوق مرضى العمال سابق الذكر. بينما توزع الأطباء العرب (أكثر من 100 طبيب) بين التبشيريات الطبية المسيحية والجيش العثماني والبلديات، ومعظمهم تخرج من إسطنبول ودمشق والجامعة اليسوعية، وبعضهم من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان معظمهم يعملون بشكل منفصل في القطاع الخاص.

مستشفى هداسا حرم جبل المكبر في الثلاثينيات. المصدر: ويكيميديا.

كانت المنظمة الصهيونية قد أوكلت مهمة الخدمات الصحية لليهود في فلسطين لمنظمة النساء الصهيونيات في الولايات المتحدة «هداسا»، التي تأسست في عام 1912. لكنها لم تتمكن من الدخول لفلسطين إلا مع قوات اللنبي مع احتلال القدس نهاية عام 1917، وأنشأت فورًا الوحدة الطبية الصهيونية الأمريكية في القدس، واتخذت من مستشفى روتشيلد مقرًا لها. وتضاعف بالتالي عدد الأطباء اليهود في فلسطين ليصل إلى 150 طبيبًا في عام 1920. كما تأسست في العام نفسه المنظمة العمالية اليهودية القوية جدًا، «الهستدروت»، كمالكة ومشغلة لصندوق مرضى العمال، ودمجته ضمن صندوق المرضى العام (كوبات حوليم)، والذي شمل في العام التالي أيضًا منظمة هداسا، مما أدى لتجميع كل الأطباء اليهود تحت مظلة واحدة، حيث تم منعهم من الجمع بين عملهم في كوبات حوليم وبين العيادات الخاصة.

استمر نمو عدد الأطباء اليهود حتى بلغ 400 طبيبًا في عام 1933، كلهم يعملون ضمن إطار كوبات حوليم، مقسمين بين ست مستشفيات في القدس وتل أبيب وحيفا وصفد وطبرية، و90 عيادة طبية، تسلمتها فيما بعد البلديات اليهودية، بالإضافة إلى المؤسسات التابعة للهستدروت، التي أنشأت مستشفيين و274 عيادة، ومحطات صحية في المدن والبلدات والمستوطنات الريفية المتناثرة.

مدرسة هداسا للتمريض في القدس، 1948. المصدر: ويكيميديا.

مع مجيء الأطباء المهاجرين من ألمانيا، ارتفع عدد الأطباء اليهود فجأة ستة أضعاف، ليبلغ أكثر من 2400 طبيب من مختلف التخصصات العلمية، وعلى قدر عالٍ من الكفاءة، ولم يعد صندوق المرضى بشقيه يتحمل توظيف مثل هذا العدد من الأطباء، مما دفع بعضهم للانشقاق وتأسيس صندوق «لؤميت» الخاص بالمنظمات الصهيونية اليمينية، والبعض الآخر لإنشاء صندوق مرضى جديد «مكابي» يوافق على الجمع بين العمل العام والخاص، بل ودفع أيضًا لتأسيس صناديق تأمين صحي خاصة إضافية، فيما اختار بعضهم الهجرة للولايات المتحدة أو بريطانيا.

كانت الاختصاصات الطبية نادرة جدًا في فلسطين، إلى أن جاء الأطباء اليهود المهاجرون من ألمانيا وأوروبا الوسطى، والمدربون على التقاليد الطبية الأوروبية الحديثة، الذين لعبوا دورًا مهمًا في تطوير الطب في كلية الطب بالجامعة العبرية، بحيث دمجوا التقليد الطبي الألماني/ النمساوي مع التأثير الأمريكي الذي برز في هداسا.

لكن القدرات الطبية الصهيونية لم تتطور بالدرجة الأولى بفضل الدعم الخارجي من المنظمة الصهيونية العالمية، التي زودتهم بالمال والأطباء والكوادر الصحية ذات الخبرات المتقدمة، بل جرى ذلك أساسًا بمساعدة إدارة الانتداب البريطاني.

كانت الخدمات الصحية من آخر أولويات الحكم البريطاني، الذي اضطر لتخفيض نفقات الانتداب لأدنى حدٍ ممكن نتيجة الضائقة المالية التي شهدتها بريطانيا مع انتهاء الحرب العالمية الأولى. فقد أخذ الجانب الأمني والإداري الأولوية في الإنفاق، في ظل التزام بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وما تبع ذلك من صدامات مع العرب. وساعدت الحركة الصهيونية الإدارة البريطانية في التنصل من التزامها بميثاق الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم، والذي اعتبر توفير الصحة أحد الالتزامات المؤسسية للسلطة المنتدبة. فقد تدفقت المساعدة من الحركة الصهيونية العالمية لإقامة منظومة خدمات صحية متطورة لليهود في فلسطين وتلبية حاجاتهم الصحية بأعلى مستوى، يتناسب نموها مع زيادة عدد المهاجرين اليهود، دون إضافة أي عبء مالي على إدارة الانتداب. فيما ساعد وجود البعثات الطبية التبشيرية التي وجهت خدماتها نحو العرب على تخفيف عبء ومسؤولية سلطة الانتداب على الالتزام بواجبها نحو السكان العرب في المجال الصحي.

في ظل هذا الاعتماد على البعثات، وإتاحة المجال للمؤسسات الصهيونية للتطور بشكل مستقل، كانت أولوية الانتداب هي المحافظة على صحة قوات الاحتلال والإدارة المدنية التابعة له، مع توفير أدنى حدٍ من خدمات الصحة العامة للسكان العرب، لمنع انتقال الأمراض للإدارة البريطانية وجنودها وللمهاجرين اليهود. واحتفظت الإدارة البريطانية لنفسها بمهام الوقاية والصحة العامة، لكنها اعتمدت على التشريعات والمراسيم، دون تدخلات صحية حقيقية، وتركزت جهودها في مجال الصحة العامة في مكافحة الملاريا بالتعاون مع الهيئات الصحية اليهودية، خصوصًا هداسا.

موكب استعراض ممرضات هداسا في القدس، عام 1965. المصدر: ويكيميديا.

أما الطب العلاجي الحديث، فكان السبيل إليه هو القطاع الطبي الخاص أو المؤسسات التبشيرية أو العيادات أو المستشفيات اليهودية، أو اللجوء للطب الشعبي. وفُوضت البلديات العربية بإنشاء مستشفياتها، كما حدث في القدس ونابلس وحيفا وعمان، لكن إمكانياتها المادية كانت متواضعة على عكس البلديات اليهودية، فضلًا عن افتقارها للكوادر الطبية، لذا لم تستطع الاستمرار في عملها.

سمح استقلال الطب اليهودي بإقامة تأمين صحي إجباري للمنشآت اليهودية، منظم على المعايير الغربية، وهو ما كان في الواقع تمرينًا، من قبل البريطانيين والصهاينة، للتمهيد لتأسيس دولة يهودية في فلسطين. فقد عمل النظام الطبي على تعزيز التماسك القومي بين اليهود، ودعم قوى التأثير الصهيوني على الأرض وبين السكان. كما ساهم في عملية التطبيع الثقافي والاجتماعي بين المهاجرين اليهود الذين أتوا من بيئات مختلفة من شتى بقاع الأرض.

باختصار، دفعت الحركة الصهيونية إلى تآكل الهيكل الإداري البريطاني للبلاد، وبحلول نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، نجحت في الوصول لتسوية تمنحها الحكم الذاتي في المجال الصحي، بحيث تنشط المراكز الصحية اليهودية بشكل مستقل. واستخدمت لتبرير ذلك مفاهيم عنصرية عن التفوق اليهودي والتخلف العربي وارتفاع معدل الأمراض الوبائية في المناطق التي يعيش فيها السكان العرب.

الطب الفلسطيني تحت الانتداب

لا ينفصل دور الانتداب البريطاني في إتاحة تطور الطب الصهيوني عن دوره في عرقلة تطور الطب الفلسطيني. ففي حين سمح الانتداب بإنشاء كلية طب في الجامعة العبرية رفدت المجتمع اليهودي بالأطباء، إضافة لدراستها للواقع الصحي في فلسطين، لم يشجع على إنشاء جامعات أو كليات طب عربية، ولا حتى على إرسال الفلسطينيين العرب لدراسة الطب في الجامعات البريطانية إلا في أضيق نطاق. والمفارقة أن البريطانيين قد سمحوا بإنشاء كلية طب في بغداد عام 1927، لمنع تأثير الأفكار القومية التحررية المعادية للاستعمار التي حملها طلاب الطب العراقيون الذين درسوا في دمشق أو بيروت. نتيجة لذلك، وصل عدد الأطباء اليهود في فلسطين إلى مستوى دفع صحيفة «مرآة الشرق» الفلسطينية في أواخر الثلاثينيات للتعليق بسخرية بأن لكل أسرة يهودية طبيبها الخاص. ففي تلك المرحلة، بلغت النسبة طبيبًا واحدًا لكل 167 يهودي، وهي من أعلى النسب في العالم حينها، بينما كانت نسبة الأطباء العرب لا تتجاوز طبيبًا لكل 3779 عربي.

شكل قرار ثورة عام 1936 بامتناع الفلسطينيين عن تلقي العلاج لدى الأطباء اليهود تحديًا مهنيًا للأطباء العرب، وكان مؤسسًا في تطوير مهنة الطب العربي الفلسطيني وإعادة صياغتها.

ومع ذلك، توسع المجتمع الطبي الفلسطيني بشكل مستقل، على الرغم من الحكم البريطاني وليس بسببه. فإدارة الانتداب والتبشيريات الطبية المسيحية لم تشغّل إلا عددًا قليلًا من الأطباء الفلسطينيين، بالتالي اضطر معظمهم لفتح عياداتهم الخاصة. كما وضعت سلطات الانتداب المسؤولين الطبيين البريطانيين على رأس الهرم الإداري، ومنعت بالتالي تقدم الفلسطينيين المهني وتدخلهم في وضع السياسات الصحية لأبناء مجتمعهم، وكانت فرصهم في التدريب والاختصاص في الخارج ضئيلة جدًا. ولم يستطع المجتمع الفلسطيني حينها إرسال أبنائه بكثافة لدراسة الطب، بسبب عدم حماس الإنجليز لإنشاء كلية طب كما فعل الأمريكيون والفرنسيون في لبنان، وبسبب التكلفة العالية لدراسة الطب في بيروت أو دمشق، مما عنى اقتصار هذه الدراسة على القلة المقتدرة.

تمثل التحدي الأهم الذي واجه المجتمع الطبي الفلسطيني في صعوبة مأسسته، فقد عمل الأطباء بشكل متباعد عن بعضهم، سواءً كأفراد في القطاع الخاص أو كجماعات في أكثر من قطاع لا رابط بينها. وعلى عكس العديد من المجتمعات الاستعمارية الأخرى، كافح الأطباء الفلسطينيون مجتمعًا استيطانيًا كبيرًا، يملك عددًا عاليًا من الأطباء، ويستطيع فرض أجنداته على الواقع الصحي في فلسطين.

وفي محاولة لفرض التطبيع وتخفيف أثر الصدامات التي ظهرت في أواخر عشرينيات القرن الماضي ضد النشاط الصهيوني، شجّعت الحركة الصهيونية الأطباء اليهود على تقديم خدمات طبية موسعة شبه مجانية للسكان العرب (خصوصًا مع الزيادة الكبيرة في عدد الأطباء اليهود)، مما أدى لضغوطات كبيرة جدًا على الأطباء الفلسطينيين، الذين يفتقرون لكثير من الخبرات والتجهيزات التي يملكها الأطباء اليهود.

فلسطينيون قرب غزة في انتظار الفحص الطبي في عيادة عيون بريطانية ميدانية، 1939. مكتبة الكونغرس.

بالتالي، ساعدت هذه التحديات على إيجاد نوع من العمل المشترك بين الأطباء الفلسطينيين، خصوصًا في ظلّ انضمام العديد منهم للحركات التحررية أثناء دراستهم الطب، في دمشق أو القاهرة وتحديدًا في بيروت. مما ساعد لاحقًا على تكوين جمعية الأطباء العرب، وعلى بداية تكوين مجتمع طبي فلسطيني أكثر تماسكًا.

لكن المنعطف الحاسم في الطب الفلسطيني تحت الانتداب كان مع ثورة عام 1936، فقد شكل قرار الثورة بامتناع الفلسطينيين عن تلقي العلاج لدى الأطباء اليهود تحديًا مهنيًا للأطباء العرب، وكان مؤسسًا في تطوير مهنة الطب العربي الفلسطيني وإعادة صياغتها. كما دفعت الثورة السلطات البريطانية إلى إعادة النظر في سياساتها الصحية، وقبول بعض المنشآت العربية لتغطية عمالها العرب بأشكال بدائية من التأمين الصحي، والتوسع في الخدمات الصحية للبلديات العربية، في ظلّ تخرج عدد أكبر من الأطباء العرب.

ولعل سيرة الطبيب الفلسطيني خليل البديري تكثّف جزءًا من تاريخ الطب الفلسطيني في هذه المرحلة، فقد ولد البديري عام 1906 لعائلة مقدسية، وكان والده الشيخ موسى البديري، القاضي الشرعي وأحد علماء الدين في القدس. تنقل بين ألمانيا ومصر وسويسرا حتى استكمل دراسة الطب، ليتخصص بعدها في طب العيون في بريطانيا، ويصبح أول أخصائي طب عيون فلسطيني. وكان على علاقة وطيدة مع مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، لكنه في الوقت نفسه أصبح ماركسيًا وانتمى للحزب الشيوعي الفلسطيني، وعاد للعمل في مستشفى مار يوحنا للعيون في القدس عام 1932، رافضًا العمل مع إدارة الانتداب البريطاني. كما رفض العمل في عيادة خاصة لأنه يدرك انعدام قدرة الفلسطينيين على تحمل كلفة العلاج من جهة، وبسبب أفكاره الاشتراكية من جهة أخرى. وفي ظل عجز البلديات العربية عن تحمل تكاليف تجهيز مستشفى عيون، اضطر بالتالي للعمل في مستشفى تبشيري يتيح له علاج المرضى مجانًا.

خليل البديري، أول طبيب عيون فلسطيني، في القدس عام 1957. من أرشيف المتحف الفلسطيني، عن ألبوم العائلة.

انخرط البديري مباشرة بعد عودته في النضال السياسي الفلسطيني، ولعب دورًا بارزًا في ثورة الـ36، لكن سلطات الانتداب ألقت القبض عليه، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية بعيدًا عن مكان عمله، ليستمر بعدها في الأنشطة المقاومة لتسريب الأراضي للصهاينة ولإجلاء الفلاحين عنها. كما اختلف البديري مع قرار قيادة عصبة التحرر التي كان عضوًا بارزًا فيها بتأييد قرار التقسيم عام 1947، مما دفعه لترك التنظيم. لكنه ظل منخرطًا في السياسة، ولعب دورًا بارزًا في نجاح المناضل الراحل يعقوب زيادين في الانتخابات النيابية الأردنية ليصبح ممثلًا للقدس عام 1956، مما أدى لاحقًا للتضييق على نشاط البديري السياسي أثناء الحكم الأردني.

الطب الإسرائيلي منذ النكبة

استمر هذا الوضع حتى نكبة الشعب الفلسطيني وإنشاء دولة «إسرائيل» على معظم الأرض الفلسطينية. حيث تضاعف عدد السكان اليهود ليصل إلى 650 ألفًا، ووصل عدد الأطباء إلى 2800 طبيبًا، أي بمعدل طبيب لكل 233 يهودي، يعمل أكثر من 75% منهم في كوبات حوليم.

أنشأ الجيش الإسرائيلي 14 مستشفى عسكريًا خلال حرب عام 1948، كان جزء منها من مستشفيات الجيش البريطاني الذي سلمها لهم مع انسحابه. وبعد سنتين من انتهاء الحرب، سُلمت لوزارة الصحة الإسرائيلية، التي وظفت الأطباء بنفس طريقة كوبات حوليم (بشقيها الهستدروت وهداسا)، وضمن عقود موحدة لكل الأطباء، مع الاستمرار بمنع العمل الطبي الخاص، واستمرار تلقي الدعم المالي من الحركة الصهيونية العالمية في الخارج. واقتصر الطب العسكري الإسرائيلي على وحدة طبية متخصصة بالطب العسكري، حيث أنيط بكوبات حوليم معالجة أفراد الاحتياط وعائلات الضباط والجنود الإسرائيليين، مع اعتماد «إسرائيل» على التجنيد الإجباري للجنسين، الذي يؤدي إلى وجود جيش احتياط كبير جدًا.

سيارة إسعاف نجمة داوود الحمراء، 1948. المصدر: ويكيميديا.

مع وصول المهاجرين اليهود العرب لفلسطين المحتلة في الخمسينيات وتنامي عدد السكان، تراجعت نسبة الأطباء في «إسرائيل». ورافق ذلك هجرة عكسية للأطباء للولايات المتحدة بحثًا عن الدخل الأعلى، مما سمح لأطباء «إسرائيل» بالمطالبة بالعمل في عياداتهم الخاصة. استجابت هداسا لكبار الأطباء وبعض التخصصات بالعمل الخاص الإضافي عام 1954، فيما استمر منع بقية أطباء كوبات حوليم من العمل الخاص لغاية عام 1964. كما بدأ الأطباء بالمطالبة بتحسين ظروفهم، وتمت مكافأة أطباء الأسرة على الخدمة في المناطق النائية، وتعويض كوادر المستشفيات عن واجباتهم خارج أوقات الدوام الرسمية، وتلقى أطباء التخدير علاوات خاصة، كما تلقى العديد من الأطباء الآخرين أقساطًا مقابل استشارات محددة.

شهدت الفترة ما بين النكبة والنكسة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الأطباء العرب الفلسطينيين، رغم أن الجامعات الإسرائيلية استمرت في وضع شروط صعبة أمام الراغبين من العرب في دراسة الطب. إلا أن الطلبة الفلسطينيين قبلوا للدراسة في الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية الأخرى، وما تزال جامعات رومانيا ودول الاتحاد السوفياتي سابقًا تجذب إليها العديد من الفلسطينيين، نظًرا للتكلفة الأقل وشروط القبول الأسهل، حتى وصل عددهم نسبة للسكان من فلسطيني الأراضي المحتلة عام 1948 يزيد عن نسبة الأطباء اليهود، رغم فرصهم الضئيلة في التعيين. لذا اضطر العديد منهم للعمل في المؤسسات الطبية التبشيرية أو في القطاع الخاص.

أطباء في المركز الطبي «شعاري تسيديك» في الخمسينيات. المصدر: ويكيميديا.

وفي ضوء نقص الأطباء اليهود النسبي، اضطرت كوبات حوليم منذ ذلك الحين للقبول بتشغيل الأطباء من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 الذين أظهروا كفاءة عالية، لكن الكثير منهم عانوا، وما يزالون، من التمييز العنصري. في المقابل، اضطرت كوبات حوليم لتقديم تنازلات للأطباء اليهود، شملت العديد من البدلات الخاصة، مثل السكن والكهرباء والاتصالات والطعام ورعاية الأطفال والمعالين، والإجازات، والبحث والتعليم، وصيانة المركبات، والتغطية التأمينية، وغيرها. وأصبحت البدلات الخاصة تدريجيًا الجزء الأكبر من الأجور، مما أدى إلى تقليص الراتب الأصلي، الذي ظل مع ذلك الأساس لحساب استحقاقات ما بعد التقاعد. لكن كل ذلك لم يوقف هجرات الأطباء من «إسرائيل» خصوصًا للولايات المتحدة، بسبب الفارق بين دخل الأطباء بين البلدين.

من جهة أخرى، مع قدوم نحو مليون مهاجر بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1990، تفاقمت المشاكل التي يعاني منها الطب الإسرائيلي، رغم وجود 13 ألف طبيب بين هؤلاء المهاجرين. حيث لم يتمكن معظم هؤلاء الأطباء من التأقلم في «إسرائيل»، وتخلى العديد منهم عن مهنة الطب أو غادروا للولايات المتحدة، فيما ازداد الضغط على الخدمات الطبية في «إسرائيل» نتيجة الزيادة السكانية الكبيرة.

مع ذلك، استمرت «إسرائيل» بالتمتع بعدد كبير من الأطباء مقارنة بعدد السكان، بوجود أكثر من 35 طبيبًا لكل 10 آلاف من السكان عام 1990، وهذا معدل يضاهي المعدلات الموجودة في أوروبا، لكنه أقل بكثير من المعدلات التي حققتها الدول الاشتراكية. لكن هذا العدد بدأ في التناقص التدريجي منذ نهاية التسعينيات، ولذلك تسعى «إسرائيل» لزيادة عدد الأطباء فيها. فقد بدأت تقبل بتقديم تسهيلات ومغريات متعددة لجذب الأطباء اليهود من الخارج، ولتشجيع الأطباء الإسرائيليين على عدم الهجرة. ووسعت القبول في كليات الطب وأضافت كلية طب جديدة، بحيث يقارب عدد خريجي الطب الجدد 1000 طبيب سنويًا. كما خفضت سنوات دراسة الطب والاختصاص، وسهلت عملية الاعتراف بالتخصصات المختلفة، ومددت عمل الأطباء كبار السن لما بعد الـ65 سنة. حتى أنها شجعت الفلسطينيين على دراسة الطب في الأردن، بعد معاهدة وادي عربة.

خصخصة الطب في «إسرائيل»

حافظت «إسرائيل» على نسبة إنفاق صحي معتدلة بحدود الـ8% من الدخل المحلي الإجمالي. فهي تنفق على الصحة أقل من الأوروبيين وأقل بكثير من الولايات المتحدة، لكن أكثر من أي بلد عربي. وشكّل الإنفاق الصحي الحكومي والتعاوني أكثر من 75% من الإنفاق الصحي العام في بدايات تشكل الكيان الصهيوني.

لكن «إسرائيل» لم تكن بمنأى عن موجة خصخصة الطب التي اجتاحت العالم منذ الصعود النيوليبرالي في السبعينيات، والذي وصل أقصى تسارع له في التسعينيات. فقد حاولت «إسرائيل» المضي بهذا الاتجاه كما فعلت كثير من دول العالم (ومنها الأردن)، لكنها جوبهت بمقاومة عنيفة ناتجة عن ظروف تطور الطب في «إسرائيل»، والتي شارك بها، إضافة للهستدروت، العديد من قوى المجتمع الصهيوني.

جناح في مستشفى رابين في الخمسينيات. المصدر: ويكيميديا.

ومع ذلك، تم تطبيق أول برامج الخصخصة بقيادة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، في عام 1990، والتي أدت لتقوية القطاع الطبي الخاص، لكنها أدت أيضًا إلى نتائج عكسية على مستوى الخدمات الصحية المقدمة للجمهور. مما أجبر الحكومة على التراجع عنها وتبني حل وسط يسمح بخصخصة جزئية بهدف تقوية القطاع الصحي الخاص والصناعات الصحية الخاصة. فقد طبقت «إسرائيل» عام 1995 قانون التأمين الصحي الإلزامي، الذي يوفر حزمة رعاية صحية أساسية لجميع السكان، من خلال الضمان الاجتماعي ووزارة الصحة، بغض النظر عن الدخل. وحافظت على الهياكل التنظيمية الأربعة التي تدير وتقدم الرعاية الصحية: كلالات (الهستدروت) وهداسا ومكابي ولؤميت، إضافة للتأمينات الخاصة التي تقدم خدمات صحية إضافية غير مغطاة. ومع ذلك تراجعت خدمات الطب العام، الذي صاحبه ازدياد الإنفاق الصحي الخاص ليصل لما يقرب من 40% من مجمل الإنفاق الصحي.

أدت تقوية القطاع الصحي الخاص إلى تشجيع السياحة العلاجية التي يأتي فيها الأجانب إلى «إسرائيل» للحصول على رعاية طبية مقابل مبالغ سخية، مما أدى لنقص أسرة المستشفيات والأطباء المخصصة للإسرائيليين، واستدعى اعتراضهم. لذلك بدأت «إسرائيل» في السنوات الأخيرة بإصدار لوائح تشدد تنظيم السياحة العلاجية وتحدّ منها، بالإضافة إلى استخدام جزء من دخل السياحة العلاجية لدعم القطاع الصحي العام، من خلال رسوم واقتطاعات خاصة.

عملت سياسات الخصخصة على تقوية القطاع الخاص في كافة القطاعات، بما فيها القطاع الصحي، بسرعة مذهلة خلال فترة قصيرة جدًا، خصوصًا في قطاع الصناعات الصحية. وذلك بفضل توفر الدعم الحكومي للقوى الرأسمالية في «إسرائيل»، واستفادتها من البنية التحتية القوية التي وضعها القطاع العام (رأسمالية الدولة)، وبسبب نقل ثروات بعض المهاجرين الأغنياء اليهود التي تم استثمارها في كافة القطاعات، إضافة إلى استمرار الدعم السخي والعلاقات المتينة مع الدوائر الرأسمالية المتقدمة (دولًا وشركات).

كما أدت زيادة قوة رأس المال في القطاع الصحي الخاص، بما فيها الصناعة الدوائية العملاقة في «إسرائيل»، للتطلع للاستثمار في المجالات الصحية خارجها، من خلال تصدير التكنولوجيا الطبية والصحة الرقمية والأدوية. إذ بلغت صادرات المنتجات الصيدلانية والطبية من «إسرائيل» في عام 2018 حوالي 7.8 مليار دولار، تم تصدير معظمها للولايات المتحدة وأوروبا والصين على الترتيب، وفقًا لمعهد التصدير والتعاون الدولي الإسرائيلي. وخضع القطاع الخاص لسيطرة رأس المال المالي، وانعكس ذلك في التأثير المتزايد لشركات الأدوية والتكنولوجيا الطبية والصحة الرقمية، ولمسؤولي المستشفيات والمدراء التنفيذيين للشركات والبيروقراطيين في التأمين، وغيرهم من الموظفين البعيدين عن المواجهة السريرية، على حساب الأطباء والكوادر الصحية.

الطب كبوابة: «إسرائيل» والأردن

يظهر هذا العرض لتاريخ الطب الإسرائيلي كيف كان تطور القطاع الصحي ملازمًا لتطور المشروع الصهيوني ككل، ورافدًا مهمًا له. لكن «إسرائيل» استخدمت الطب كذلك في الصراع العسكري والسياسي لربما بطرق أكثر مباشرة في علاقاتها الخارجية. ورغم أن الجانب الأوسع تأثيرًا للطبيعة الاستعمارية للطب في «إسرائيل» يكمن بطبيعة الحال في التعامل مع الفلسطينيين، سواء في المناطق التي احتلتها عام 1948 أو تلك التي احتلتها عام 1967، والتحكم في قدراتهم الطبية والعلاجية، إلا أن هذا بمفرده بحيث يطول، لذا فإن التركيز هنا سينصب على توظيف الطب في العلاقات الخارجية.

وظفت «إسرائيل» تجربتها وتاريخها في الاستفادة من البعثات الطبية الخيرية. فقد حاولت استخدامها كمدخل لاستعادة علاقتها مع الدول الإفريقية بالتعاون مع البعثات التبشيرية الإنجيلية، ومع النظام العنصري في جنوب أفريقيا، وإبعادها عن التعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني. كما أن هداسا، المنظمة الأمريكية الصهيونية، قد مدت نشاطاتها لمعظم دول العالم، بفضل استمرار الدعم الأمريكي لها، مما دعاها لإنشاء «منظمة هداسا الدولية»، التي تلعب دورًا خاصًا في تقوية العلاقات والنفوذ الإسرائيلي في كافة دول العالم.

وقد استفاد القطاع الطبي الخاص الإسرائيلي بشكل هائل من العولمة في سياق توسيع دائرة «زبائنه». إذ صدرت «إسرائيل» خدماتها عبر التطبيب عن بعد (Tele-medicine)، واستخدمت السياحة العلاجية كما ذكرنا لمعالجة الأجانب بكلف باهظة. أما الأخطر، فهو الاستثمار في دول أجنبية، وامتلاك المراكز الصحية الوطنية أو إدارتها، أو على الأقل ربطها بالصناعة الصحية الإسرائيلية، كما فعلت مع عدة دول في العالم، ومن ضمنها الإمارات العربية المتحدة في الفترة الأخيرة. فقد وقع مركز «شيبا» الطبي في «إسرائيل» وشركة «أبيكس الوطنية للاستثمار» في الإمارات العام الماضي «اتفاقًا مبدئيًا» لتطوير تقنيات تتعلق بالرعاية الصحية في الإمارات ومنطقة الخليج.

يعيدنا هذا في الختام إلى حيث بدأنا؛ فما تأثير النفوذ الطبي الإسرائيلي في الأردن؟ وكيف تستعمل «إسرائيل» الطب في علاقتها معه؟

استطاع الطب الاستعماري الإسرائيلي تحقيق بعض الخروقات البسيطة مع الأردن، التي شجعها النظام الأردني بعدة أشكال. فبعد توقيع معاهدة عربة، جرت محاولات حثيثة للتطبيع في المجال الصحي، بدعم كبير من الولايات المتحدة والدول الصديقة لـ«إسرائيل» والراعية لها، على شكل مبادرات صحية أو لقاءات علمية أو لتدريب أطباء أردنيين في «إسرائيل»، أو لعلاج إسرائيليين في الأردن. لكنها جوبهت برفض شديد من الوسط الطبي الأردني، بقيادة نقابة الأطباء والنقابات المهنية الأخرى.

ومنذ ذلك الوقت، صدرت عدة مبادرات ودراسات عملت على تشجيع التعاون الصحي بين «إسرائيل» والأردن، لا أدل على أهدافها من عناوينها: «الصحة كجسر للسلام»، «الشفاء وصنع السلام في الشرق الأوسط: تحديات للأطباء»، «السلام من خلال الصحة»، «الصحة والسلام: حان وقت التخصص الجديد»، «هل يمنع الطب الحرب؟»، «صنع السلام من خلال المبادرات الصحية»، إلخ. كما شارك أطباء إسرائيليون وأردنيون في أبحاث مشتركة، منها دراسة حول نقص السمع لدى الأطفال الأردنيين والإسرائيليين.

بشكل أخص، فإن المخططات موجودة للتنسيق الإسرائيلي-الأردني في مجال السياحة العلاجية، لاستخدام المستشفيات الإسرائيلية، أو توظيف خبراء إسرائيليين في المستشفيات الأردنية، وهي تزداد مع تصاعد العلاقات الإسرائيلية-الخليجية.

فقد بدأت السياحة العلاجية في الأردن بالتنامي بعد اتفاقية وادي عربة مع «إسرائيل»، مع ذروة التعاون السياحي الإسرائيلي الأردني لعلاج الأمراض الجلدية في البحر الميت وبالعكس. لكنها انطلقت بقوة بشكل مستقل نتيجة تزايد النزاعات والحروب في المنطقة، وخاصة في العراق وليبيا وسوريا واليمن. كما كانت الأردن (وبشكل أقل «إسرائيل») وجهة للمرضى القادمين من الخليج.

من جهة أخرى، جرت محاولات محمومة لإرسال الأردنيين للعلاج في «إسرائيل»، ولعلاج الإسرائيليين في الأردن، لكنها واجهت مقاومة شديدة من معظم أوساط الشعب الأردني. كما علمتُ من مطلعين في مستشفيات خاصة أنه قد جرت محاولات عديدة لاستغلال الوضع السيء للسياحة العلاجية في الأردن في الفترة الأخيرة، لطرح شراكة إسرائيلية في ملكية المستشفيات المتعثرة، أحيانًا مباشرة أو من خلال وسيط أردني أو عربي.

إن تتبع تغير «سوق» السياحة العلاجية في الأردن يظهر ارتباطه القوي مع مدى التزام الأردن بعلاقات جيدة مع «إسرائيل». إذ ارتفع مستواها مع ازدهار «السلام»، وانخفض فجأة قبل عدة أعوام مع تدهور علاقة نتنياهو بالنظام الأردني، في ظل استلام ترامب لرئاسة الولايات المتحدة. 

ختامًا، يعكس ما سبق أن الأدوات الطبية الإسرائيلية لتحقيق نفوذ داخل الأردن قد تتفاوت من فترة لفترة، وقد تنعدم فاعليتها فتستبدل بأخرى. لكن الطموحات الصهيونية فيما يخص الأردن والممتدة تاريخيًا لا تخفى على أحد، وقد وصلت في أقصاها إلى رفض استقلال الأردن واعتباره جزءًا من «أرض إسرائيل»، وفي أوسطها إلى جعله وطنًا بديلًا للفلسطينيين، وفي أدناها إلى جعله كيانًا تابعًا لـ«إسرائيل». بالتالي، علينا أن نفهم أن الطب الإسرائيلي لن يكون إلا أداة لتحقيق أحد هذه الأهداف الثلاثة.

  • المراجع

    Melanie Schulze-tanielian, Disease And Public Health (Ottoman Empire /Middle East), 2014.

    Liat Kozma and Yoni Furas, “Palestinian Doctors Under The British Mandate: The Formation Of A Profession”. International Journal of Middle East Studies, 2020, 52(1), pp. 87-108.

    Alex McKay, “Towards A History Of Medical Missions”. Medical History, 2007, 1;51(4), pp. 547–51.

    Iris Borowy and Davidovitch Nadav, “Health In Palestine, 1850-2000”. Dynamis, 2005, 25, pp. 313-27.

    Yaron Perry, “Anglo-Judeo Confrontation: Jewish Antagonism towards the English Medical Mission in Nineteenth-Century Palestine.” In Europa Und Palästina 1799–1948/Europe and Palestine 1799–1948: Religion – Politik – Gesellschaft/Religion – Politics – Society, ed. Barbara Haider-Wilson and Dominique Trimbur, pp. 299-314. Austrian Academy of Sciences Press, 2010.

    Barbara Swirski, Good Medicine: Israeli Innovations In Health Care That Could Benefit Americans. American Israeli Cooperative Enterprise (AICE) and The American Physicians Fellowship for Medicine in Israel (APF).

    Elisabeth Longuenesse, Sylvia Chiffoleau, Nabil Kronfol, Omar Dewachi. Public Health, the Medical Profession, and State Building: A Historical Perspective. Samer Jabbour et al. Public Health in the Arab World, Cambridge University Press, 2012, pp.7-20. 

    Omar Dewachi, Ungovernable Life: Mandatory Medicine And Statecraft In Iraq. Stanford, California, Stanford University Press, 2017.

    Orna Baron-Epel, et al. “Inequalities in use of health services among Jews and Arabs in Israel.” Health services research, 2007, 42(3), pp. 1008-19. 

    Larissa I. Remennick and Ronny A. Shtarkshall. “Technology Versus Responsibility: Immigrant Physicians from the Former Soviet Union Reflect on Israeli Health Care.” Journal of Health and Social Behavior, 1997, 38(3), pp. 191-202.

    Israel Medical Association. The Percentage Of Physicians In Israel – The Current State Of Affairs.

    Bruce Rosen, Ruth Waitzberg and Sherry Merkur. “Israel: health system review”. Health Systems in Transition, 2015, 17(6), pp. 1–212.

    Harvey A. Skinner and Abi Sriharan. “Building cooperation through health initiatives: an Arab and Israeli case study.” Conflict and health, 2007, 8(1).

    Joseph Attias, Mohmmad Al-masri, L. Abukader, G. Cohen, P. Merlov, H. Pratt, R. Othman-Jebara, P. Aber, Firas Raad, A. Noyek. “The Prevalence Of Congenital And Early-onset Hearing Loss In Jordanian And Israeli Infants”. International Journal of Audiology, 2006, 45(9), pp. 528-36.

    Yitzhak Gal And Bader Rock, Israeli-Jordanian Trade: In-Depth Analysis, Tony Blaire Institute For Global Change, 2018.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك