تقاير ساخنة

المباراة تبدأ قبل انطلاق الصافرة: كيف وصلت كرة القدم إلى «الدوري الأوروبي الممتاز»؟

عندما استكملت مباريات الدوري الألماني أيار الماضي، بعد توقفٍ مرده انتشار فيروس كورونا المستجد، تنفس مشجعو كرة القدم الصعداء، وزادتهم العودة التدريجية لباقي الدوريات ومسابقة دوري أبطال أوروبا طمأنينةً بأن اللعبة الجميلة ما زالت بأمان. مع ذلك، تركت مناظر المدرجات الخاوية واللبكة التي أثارتها القنوات الناقلة، فيما يتعلق بإيقاف واستئناف اشتراكاتها، الكثير من الأسئلة عن مستقبل الرياضة على المدى الطويل. إذ، كما كان متوقعًا، سجلت الكثير من الأندية خسائر مالية في موسم 2019/ 2020 ، وتوقع كثيرون أن ينطبق الأمر ذاته على الموسم الحالي، الأمر الذي دفع اتحاد كرة القدم الأوروبي إلى تعليق العمل بقانون اللعب النظيف العام الماضي لمدة 12 شهرًا.

وباستثناء بعض المنغصات، كإصابة لاعبين بالفيروس، واختلاف السيطرة على الفيروس في المناطق التي تقع فيها الأندية، كان هذا الموسم يمر بشكلٍ شبه طبيعي -قياسًا بكل شيء غير طبيعي يحدث خارج الملاعب- إلى أن ظهر إعلانٌ مشؤوم في 19 نيسان من هذا العام، يُبشِّر ببطولة جديدة تدعى الدوري الأوروبي الممتاز، باتفاقٍ بين 12 من كبرى الأندية الأوروبية، وهي برشلونة وريال مدريد وأتلتيكو مدريد وليفربول ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وتشيلسي وتوتنهام وأرسنال وإنتر ميلان وميلان ويوفنتوس.

عدّ كثير من المشجعين هذه الخطوة بمثابة خيانة لكرة القدم وجذورها ومبدأها الرئيسي القائم على المنافسة والأحقية، بينما نالت حصتها من تقريع اللاعبين السابقين والمدربين وغيرهم. الأهم من ذلك، أن هذه البطولة كسبت أعداءً ثقيلي الوزن بسرعة قياسية، كمعظم الهيئات الكروية واتحادات الكرة، والحكومتين البريطانية والفرنسية عبر تصريحات رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ما يهمنا أن البطولة وبعد قرابة 48 ساعة من إنشائها، عُلِّق العمل بها إثر انسحاب معظم الأندية المؤسسة منها، استجابةً للضغوطات الهائلة، ليبدو الموضوع لكثير من مناوئي المشروع انتصارًا لكرة القدم نفسها. 

إن اعتبار الدوري الأوروبي الممتاز (بصرف النظر عما سيحل به) العدو الذي ظهر فجأةً وهُزِم، يعيبه تبسيط المشكلة التي تتعلق بحاضر الكرة بقدر ما تتعلق بماضيها، وهذا ما يظهره المقترح الجديد لدوري أبطال أوروبا على الأقل، ويثبت أن أزمة كرة القدم ليست طارئةً أو مرتبطة بالجائحة. في هذا المقال، سنحاول المرور على بعض محطات هذه الأزمة، وكيف أودت برياضة «الشعوب» إلى شكلٍ واضح التناقض كهذا. 

كرة القدم ضمن المنظومة العالمية

يعود التسليع والعولمة اللذان نشهدهما اليوم في كرة القدم إلى عدد من القرارات والأحداث، فخلال قيادة مارغريت تاتشر لبريطانيا، سمح الاتحاد الإنكليزي لرؤساء أندية كرة القدم بتقاضي الأجور لأول مرة عام 1983، عبر التلاعب بقرار يمنع ذلك وتسجيل الأندية كشركات وبيع أسهمها في أسواق البورصة، مُدخِلًا طبقةً كاملة من الإداريين والماليين إلى عالم كرة القدم، ليغيّروا طريقة عملها. تبع ذلك بالطبع دخول شبكة سكاي سبورتس وشراؤها حقوق البث عام 1992 مقابل 61 مليون جنيه إسترليني حينها، و1.5 مليار جنيه في العام اليوم.

وبينما كانت هذه النقلة تجري على مستوى دوريٍ بأكمله، حصل في ذات الوقت تملّك الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني لنادي ميلان عام 1986، والذي ساهم هو الآخر بتغيير مجرى تاريخ كرة القدم الأوروبية. فعلاوةً على ضخ مبالغٍ هائلة في نادٍ مهدد بالإفلاس وبناء فريق يعيد مجد النادي القديم، غيّر ريادي الأعمال بنية النادي وطريقة عمله. حينها، لم تكن المبالغ التي ضخها بيرلسكوني وحدها الغريبة على عالم كرة القدم، بل طريقة إدارة النادي التي أدخلها واعتمدت على إيكال إدارة مصالح النادي التجارية إلى شركته «فين إينفيست»، وتقريبه الرياضة من حقل الإعلام، عبر إطلاقه مجلة مخصصة للنادي وشبكات من روابط المشجعين التي حرص بيرلسكوني على تحليل آرائها وقياسها بشكلٍ دوري. 

وبينما مضت معظم أندية كرة القدم على هذا النهج من بعده، إلا أن أهم إسهامات بيرلسكوني في تحويل كرة القدم إلى «رياضة فرجة» تمثلت في خطّته بإنشاء «دوريٍ أوروبي ممتاز»، بعد أن شعر بتهديد مسابقة الكأس الأوروبي على الأندية الكبيرة، كميلان، التي يمكن أن تخسر حضورًا ومكافآت مالية إثر خسارة واحدة، وفقًا لنظام البطولة القديم. وتحت ضغط بيرلسكوني، ظهر الشكل الجديد من البطولة تحت اسم «دوري أبطال أوروبا».

إن اعتبار الدوري الأوروبي الممتاز العدو الذي ظهر فجأةً وهُزِم، يعيبه تبسيط المشكلة التي تتعلق بحاضر الكرة بقدر ما تتعلق بماضيها.

ساهمت هذه النقلات في تعريف الأندية على مستوى جديد من المدخولات، وكما يرى البعض فهي المسؤولة عن تحويل متابعة كرة القدم إلى ما يشبه الطقس الاستهلاكي، وتحول الملعب إلى صرحٍ متعدد الاستخدامات، والشعار إلى علامة تجارية، ما عنى فقدان هذه الأندية الطابع المحلي والأسس التي قامت عليها ضمن مجتمعاتها، كحيّزٍ أوجدته الطبقات العاملة في تلك المدن.

وكما يشير بيتر كينيدي، فإن كرة القدم، رغم كل حركة الأموال المتعلقة بها، لا يمكن عدّها قطاعًا رأسماليًا منتجًا بالكامل، لكونها نادرًا ما تولد ربحًا عبر اكتساب فائض القيمة من أجور العاملين فيها، وتشكل ما يشبه قطاعًا طفيليًا، يعتمد على قطاعات أخرى ليستمر؛ كالإعلام والسياحة، وعلى رأس المال الموجود سلفًا، وليس الذي تراكمه، وتخضع في هذه النقطة بالذات لشروط اقتصادٍ يعتمد على المضاربة والديون. 

يفرض هذا الأساس الهش مشكلةً كبيرة، فأجور اللاعبين، بشكلٍ عام في تضخمٍ مستمر، وبشكلٍ لا يتلاءم مع مدخولات كل الأندية أحيانًا، فبينما يتمتع كل نادٍ ببنية مرتبات خاصةٍ به، يؤثر المناخ العام، مدفوعًا بقوة عملاء اللاعبين، على متوسط المرتبات، والذي ترفعه عادةً الأندية الأكبر، وهو توجه مثبت إحصائيًا في الدوريات الخمس الكبرى. كما أن سوق الانتقالات يقدم مثالًا على آلية عمل خطرة وذات طبيعة مضارِبة، ما يترك الأندية تحت رحمة الملّاك وطبائعهم وتوقعاتهم، بعيدًا عما يريده أو يعتقده المشجعون أحيانًا، كما يحدث مع مشجعي نادي فالنسيا الإسباني اليوم، الذين يناهضون ملكية رجل الأعمال السنغافوري بيتر ليم لناديهم بسبب النتائج المخيبة واستمرار سياسة بيع النادي لنجومه، وذلك بعد أن اعتبروه مخلّص النادي بادئ الأمر.

وبما أن المسألة متروكة بأيدي هؤلاء الملّاك، فإن التاريخ يخبرنا بضرورة توقّع أي شيء، سواء كان ذلك دخول معترك السياسة عبر سحر وجاذبية الرياضة، كما فعل رئيس نادي أتليتيكو مدريد السابق خيسوس جيل، أو ضخ النقود لصناعة نادٍ ناجح يشكل استثمارًا لتعزيز القوة الناعمة أو إضفاء الشرعية، كما هو الحال بالنسبة للأندية التي تقف وراءها دول أو حكومات أو رجال أعمالٍ، فيما بات يشبه علاقة الأثرياء بالمزادات الفنيّة.

وللمفارقة، فإن هؤلاء هم الأكثر إنفاقًا، كونهم لا يعدون أنديتهم مصدر ربح مادي بشكلٍ رئيسي، ففي حالة بيرلسكوني، لم يكن النادي استثمارًا رابحًا بالمعنى المباشر للكلمة، إلا أننا حين نقاطع شعاره «فورزا ميلان» مع الحزب الذي أنشأه بيرلسكوني بعدها «فورزا إيتاليا» (إلى الأمام إيطاليا) نرى كيف حصل رجل الأعمال الإيطالي على مرئية وشعبية خلال وقتٍ قصير، ربما لم يكن ليحظى بهما لو استعمل طرقًا أخرى.

ورغم التفاوت الذي نلاحظه في سجلات هذه الأندية بين موسمٍ وآخر، على شكل أرباح أو خسائر تقدر بعشرات أو مئات ملايين الدولارات، إلا أنها في الواقع تبقى مقيدةً بـ«قروضٍ» يمدها بها المالك، وهي ديون طويلة الأمد وبلا فوائد، ويتحول بعضها إلى أسهم، ولا تظهر إلا حين يقرر المالك بيع النادي إلى جهة متنفذة أخرى ويضيفها إلى التكلفة الكليّة. 

على الجهة الأخرى، يقدم لنا نموذج تملّك أسرة غليزر لنادي مانشستر يونايتد نموذجًا معاكس، حيث تم شراء النادي بـ800 مليون جنيه استرليني بعملية استحواذ مدعوم بالقروض، وتحميل النادي القروض هذه، بعد أن كان عام 1931 هو العام الأخير الذي سجل خلاله النادي أي ديون. واليوم، يقدر سعر النادي بأربعة مليارات جنيه إسترليني، وسط حديثٍ مستمر عن احتمالات بيعه. 

هنا يظهر اتجاهان لجعل هذه الرياضة مربحة أو «مستدامة»، على الأقل وفقًا لوصف اليويفا أو الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. يتمثل الأول بمحاولات تنظيم النفقات، وما بات يعرف لاحقًا بـ«قانون اللعب المالي النظيف»، الذي سعى للموازنة بين الحد المسموح به لإنفاق النادي وخسائره وما يكسبه بعيدًا عن ضخ الملّاك، أي عبر ريع التذاكر والاشتراكات وبيع اللاعبين وغير ذلك. وإذا ما استثنينا رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، أليكسندر تشيفرين، الذي صرّح أن قانون اللعب المالي النظيف حقق نجاحًا، مسترشدًا بإحصائية عن أرباح الأندية الأوروبية مجتمعةً في 2019 لتصل إلى 615 مليون يورو بالمقارنة مع خسائر بخمسة مليارات يورو بين عامي 2008 و2011، فإن الشكوك والانتقادات طالت هذا المسعى. إذ يأخذ عليه البعض تكريس التفاوت بين الأندية الكبيرة والصغيرة بسبب التأخر في تطبيقه، بينما يتساءل آخرون عن الجدوى منه، في ظل قدرة الأندية الكبرى على التلاعب به والالتفاف حوله بأي حال. وفي مناخٍ عدائي، معتمد على المضاربات، كالذي يتخلل كرة القدم، فإن أي محاولة للتنظيم لا تشمل كل الأندية ستبدو تهديدًا للأطراف الملتزمة، التي ستخسر أفضل لاعبيها وجاذبيتها، وستؤدي إلى احتكار أفضل ما يقدمه هذا العالم في أيدي أندية قليلة، وهذه هي المشكلة الفعلية. 

أمّا الاتجاه الثاني، فيتمثل في محاولة مراكمة المزيد من العوائد، الأمر الذي يترجم عبر عقود تغطية إعلامية أفضل ومزيد من الرعاة للأندية وتنويع مصادر الدخل، عبر بيع القمصان والألبسة الرسمية وسواها، الأمر الذي يحبط مشجعي الملاعب، سواء حين تُلعَب مباراة مهمة في توقيت غير ملائمٍ محليًا من أجل الجمهور العالمي، أو حين تخاض بعض المباريات في أماكن تشكل أسواقًا يجب دخولها، كما حدث في نهائي كأس السوبر الإيطالي في السعودية. ومن هذا المنطلق علينا النظر إلى بطولة الدوري الأوروبي الممتاز باعتبارها فرصة لنيل ربحٍ مادي مستقر، بما أن الأندية الكبرى المشاركة لن تخسر مقاعدها في بطولة كان مصرف جي بي مورغان الأمريكي سيمولها بقرضٍ تبلغ قيمته 3.5 مليار دولار أمريكي.

مواسم ما قبل الكارثة: أين المنافسة؟

يصف بيتر كينيدي الهابيتوس* الاجتماعي لعالم كرة القدم بالتعقيد، حيث يعمل بين ثلاثة رؤوس أموالٍ مختلفة، يكون الأول متمثلًا بالمادي كما نعرفه، والثاني اجتماعيًا، ويشمل العلاقات التي يطوّرها المشجعون بين بعضهم ومع أنديتهم، والثالث ثقافي، مرتبط بمعرفة تاريخ اللعبة وأبطالها وقواعدها. ويقول كينيدي إن رأس المال المادي، الذي يحضر كأولوية في صناعاتٍ أخرى، يصبح ذا أهمية ثانوية أحيانًا مقابل رأسي المال الآخرين، ويعطي مثالًا على ذلك تصوير الملّاك لأنفسهم كمجرد رعاةٍ للأندية التي يملكونها، أو الإصرار على كون أندية كرة القدم ليست مجرد أندية، بل جهات فاعلة في مجتمعها. 

وبينما تكون هذه الرسائل في صلبها مزيجًا بين الحقيقة والخيال، فإن الضغط من قبل الجماهير هو ما يحميهم عادةً من التحوّل إلى مجرد زبائن. وحين تعمل رؤوس الأموال الثلاثة بنوعٍ من التوافق، يكون احتمال ظهور تناقضٍ ضئيلًا، ويمكن لجمهور النادي أن يتغاضى عند هذا الحد عن بعض التجاوزات التي يقوم بها ناديه. لكن عندما يغلّب المادي على الثقافي والرمزي، فإن الجماهير تبدأ بالتحرك.

يشير بيتر كينيدي إلى أن كرة القدم، رغم كل حركة الأموال المتعلقة بها، لا يمكن عدّها قطاعًا رأسماليًا منتجًا بالكامل، لكونها نادرًا ما تولد ربحًا عبر اكتساب فائض القيمة من أجور العاملين فيها، وتشكل ما يشبه قطاعًا طفيليًا.

تلخص المعادلة السابقة كلًا من وضع كرة القدم قبل 18 نيسان، حين كانت هذه العوامل الثلاثة تعمل بشكلٍ مختلف من نادٍ لآخر، وكانت الانتقادات الموجهة لكرة القدم الحديثة أقل حدةً، ووضع الكرة بعدها حين تنبّه الجمهور إلى ما يمكن أن يفعله الملّاك دون إذنهم وضد إرادتهم. لقد كانت بطولة الدوري الأوروبي الممتاز سيئةً بشكل رئيسي بسبب تجاوزها عامل الجدارة وقتلها المنافسة عبر تأمين مصالح أندية كبرى بصرف النظر عن مستواها الراهن، كما يقول الجمهور. لكن، إلى أي حد كانت الكرة قبل ذلك أكثر تنافسية؟ ثمة اعتقاد يدعم ذلك، مرده تلك الاستثناءات القليلة وقصص الأحصنة السوداء، كفوز نادي ليستر سيتي بالدوري الإنجليزي في موسم 2015/ 2016.

يورد الصحفي البريطاني ميجيل ديلاني ما قاله أحد مسؤولي الأندية الستة الكبار في إنجلترا، عن حد معقولٍ من المفاجأة في اللعبة، وآخر يضر بالأعمال، ويقتبس عنه أن هذه الأندية لا تحبذ تكرار سيناريو نادي ليستر سيتي كثيرًا.

ويكمل ديلاني، موضحًا الفوارق الهائلة التي شهدتها كرة القدم منذ الثمانينيات حتى اليوم، إذ كان مجموع الرواتب التي تدفعها الأندية الكبرى حينها لا يتجاوز ثلاثة أضعاف ما تدفعه تلك التي تتذيل الترتيب، وكانت صفقات التغطية التلفزيونية للدوري الإنجليزي الممتاز تبلغ في مجموعها قرابة خمسة ملايين جنيه إسترليني، بينما تصل اليوم إلى 8.4 مليار جنيه، وتبلغ القيمة الكلية لجوائز المشاركة في دوري الأبطال 2.04 مليار يورو، بعد أن كانت قبل 10 سنوات فقط 500 مليون يورو. وبالطبع، يترافق ذلك مع توسع الهوة بين مجموع الرواتب التي تنفقها الأندية التي تترأس الجدول وتلك التي تتذيله، حيث تصل في الدوري الإسباني مثلًا إلى 17 ضعفًا.

إن هذه الفوارق، سواء نظرنا إليها كمحض أرقام أو حاولنا إيجاد المعادل لها عبر التفوق على أرضية الملعب، هي ما تخلق لدى الأندية الأكبر الافتراض بالأحقية بحصة أكبر من ريع التغطية الإعلامية وأموال الجوائز، وحتى ضمانات المشاركة في البطولات بصرف النظر عن مستواها، بحكم أن هذه الفرق هي التي تحقق شرط «الفرجة» العالمي، وظهر هذا التكبر بصورةٍ واضحة العام الماضي، عندما طرح مانشستر يونايتد وليفربول مشروع «الصورة الكبيرة»، الذي رهن المساعدة المالية للأندية الصغيرة بمزيدٍ من الصلاحيات للأندية الكبرى، وإلغاء بعض المباريات غير الهامة لتملأ مكانها مباريات أكثر جذبًا للمشاهدات، ورُفِض هو الآخر. 

وهذه باختصار الأسباب وراء محاولة الانقلاب الأخيرة، وهي ليست مسألة جديدة إطلاقًا، إذ استعمِلت ذات التهديدات بالانشقاق سابقًا، سواء أثناء تشكيل الدوري الإنجليزي، أو مع تطور الكأس الأوروبي إلى دوري أبطال أوروبا.

ومع وصول ديون أندية مثل برشلونة وريال مدريد إلى قرابة مليار يورو، بفعل التغيرات التي فرضتها جائحة فيروس كورونا على البنية الهشة التي تحدثنا عنها، وتسجيل ليفربول خسائر مالية هذا العام، يمكننا أن نفهم كيف ساهم هذا الظرف في تنفيذ التهديد هذه المرة، وكيف تعدى الحدود.

وحتى لو تجاهلنا فكرة الدوري، رغم أن الفكرة عُلِّقت ولم تلغَ، فإن هذا لا يعني بأي حال زوال الخطر. فبينما كانت الجهات الرسمية كالاتحاد الأوروبي لكرة القدم تندد بالبطولة، مستعملة عبارات عن التضامن وتغليب مصالح الأكثرية، مرّر الاتحاد ذاته في نفس الفترة الشكل الجديد لبطولة دوري أبطال أوروبا، الذي سيبدأ في موسم 2024/ 2025. وفضلًا عن تخصيصه بعض المقاعد للأندية الكبيرة بعيدًا عن مستواها في الدوري، ما يشابه آلية عمل الدوري الأوروبي الممتاز، فإنه يعتمد في الجوهر على مزيد من المباريات ومزيد من التغطية الإعلامية، ما يعني المزيد من الإعلانات، متجاهلًا اعتبارات كالمتعة، والأهم قدرة اللاعبين على خوض الجدول الذي يصبح أكثر ازدحامًا كل فترة.

العودة إلى ما كان طبيعيًا؟

بينما لا يزال الموضوع قيد التداول، يشعر المرء أن هذه اللحظة، التي أصبح فيها التناقض صارخًا، قد توفر المحرّض اللازم لتغيير ينقذ كرة القدم من التدمير الذاتي لنظامها البيئي، كما يصفه ديلاني. إذ أثارت هذه الخطة الانقلابية الحديث مرة أخرى عن موضع الجماهير في الأندية عبر آليات مختلفة، كدراسة خطة 50+1 التي تنص على تحكم مشجعي النادي بـ 51% من الأصوات في ناديهم، لتفادي قراراتٍ كهذه وحماية كرة القدم من المستثمرين الأجانب، رغم أن هذه القاعدة لم تمنع تحول الدوري الألماني إلى حيز مُحتكَر كما يدلنا فوز نادي بايرن ميونيخ بالدوري بشكلٍ مستمر أو ابتلاعه للاعبين الموهوبين من الأندية الأخرى، وعادت خطة جيريمي كوربين لتنظيم الرياضة في بريطانيا إلى الواجهة مرة أخرى، والتي كان من المفترض بموجبها أن يُسمَح لروابط المشجعين بشراء الأسهم في أنديتها والمشاركة بتعيين أو فصل أعضاء مجالس الإدارة فيها.

وبينما يبدو الخوف مبررًا من أن تكون ردود الأفعال هذه لحظية، من النوع الذي يسكن ببعض الإقالات الفردية هنا وهناك، فإن الأمل ببعض المقاومة ليس مشروعًا وحسب، بل ضروري أيضًا. فاليوم، في الزمن الذي يفشل فيه عمال لشركة أمازون بتنظيم نقابةٍ خاصة بهم بعد أن تخصص الشركة جهودًا حثيثة لمحاربتهم، ويعيش بلد كالهند كارثة صحية ساهمت خصخصة القطاع الصحي بمفاقمتها، ومع مخاوف من استغلال جائحة كورونا والإجراءات اللازمة لاحتواء تفشي الفيروس كذريعة لمزيد من تضييق الخناق على المساحات العامة والمدنية، يصبح الرهان على تحركاتٍ لتحويل هذه الأندية إلى مؤسسات أكثر ديمقراطية ضروريًا، ليس لإنقاذ كرة القدم فحسب، بل لما يمكن أن تلهمه هذه التحركات في القطاعات الأخرى، إذا ما اعتبرنا كرة القدم -ومشاكلها- نموذجًا مصغرًا للمجتمعات التي نعيش بها.

  • الهوامش

    *الهابيتوس Habitus هو أحد المفاهيم المركزية التي أدخلها بورديو إلى علم الاجتماع، ويعرّف بأنه نسق من الاستعدادات المكتسبة التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى العالم الذي يكتنفه، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. (عن ويكيبيديا)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك