تقاير ساخنة

هل سيطر «المؤثّرون» على الكوميديا في الأردن؟

رغم الحضور المتواضع من حيث الكمّ للإنتاج الكوميدي الأردني، مقارنة بالإنتاج العربي، إلّا أن تعرضه للنقد والسخرية لم يكن متواضعًا. فبين حينٍ وآخر، تثير واحدة من حلقات أحد المسلسلات الكوميدية المعروضة على الفضائيات الأردنية استياء مجموعة من المشاهدين، وتتحوّل إلى جدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في شهر رمضان حيث اعتادت الفضائيات الأردنية تقديم وجبة من السكتشات والمسلسلات الكوميدية في الدورة البرامجية الرمضانية بشكل أكبر من الأشهر الأخرى.

ويصل الجدل ذورته بالمطالبة بإيقاف هذه البرامج وتلك المحطّات التلفزيونية، مع رواج رأيٍ على مواقع التواصل الاجتماعي يقول إن «الكوميديا مش لعبتنا». هذا الاستياء تقابله الفضائيات عادة بالاعتذار عن المحتوى الذي أزعج عددًا من المشاهدين، فيما قد يدافع البعض عن طروحاته منتقدًا الحساسية تجاه ما يُعرض على التلفزيون. 

من الإنترنت إلى التلفاز

بداية العقد الفائت، انتشرت على الساحة تجارب إنتاج محتوى للإنترنت وجمهوره، فانتقل بعد العام 2011 عدد من المؤدين الكوميديين ومقدمي عروض الكوميديا «عالواقف» (Stand-up comedy) إلى اليوتيوب، وبعدها إلى فيسبوك، لتقديم عروضهم، حاصدين مشاهدات عالية. ما دفع القنوات الفضائية للتنافس على التعاون مع هذه المجموعات والمؤسسات لصناعة المحتوى التلفزيوني، خصوصًا في رمضان. فتعاونت قناة رؤيا في البداية مع شركة خرابيش وفريق «صد رد» و«فوق السادة» وغيرهم، وتوسعت مشاريع التعاون هذه لاحقًا، لتشمل قنوات أخرى، وشاهدنا انتقالًا لأجيال جديدة من الشباب والمؤثرين على الإنترنت إلى التلفزيون.

يقول وائل عتيلي، الشريك المؤسّس في شركة خرابيش المنتجة لعددٍ من برامج الكوميديا، إن الإنترنت وفّر مساحة للجميع لنشر النكات والمواد الساخرة بشكل مفتوح على فضاءاته، بعدما كان دوْر نشر هذه المواد مقتصرًا على الفنانين، الأمر الذي خلق تنافسًا بين الفنان والجمهور على نشر الكوميديا. ويضيف أن الفنّانين كانوا قبل الإنترنت يستلهمون النوادر والنكات من الناس، ومن ثم يعملون على تطويرها لتناسب التلفزيون والمسرح. لكن الآن حصلت «دمقرطة للكوميديا، زي كأنه هذا الدور انتُزع من الفنان، وبالتالي سبب له تحدي، إنه يا عمي إذا هاي الأفكار والسخريات صاروا الناس يتداولوها مباشرة أنا شو بدي أعمل؟».

لا يجب التقليل من أهمية ما يقدّمه المؤثّرون على الإنترنت، فهو فنّ قائم بذاته، يقول حشكي، لكن «كتابة السكتشات القصيرة مش مثل الكتابة للتلفزيون والسينما».

وجود المؤثرين أو «الإنفلونسرز» في مجال الكوميديا أمر طبيعي، يقول عتيلي، خاصة وأنهم يحوّلون النكات الموجودة لمستوى مناسب للإنترنت، لكن المشكلة برأيه تحصل عند نسخ تجربة الإنترنت ونقلها حرفيًا للتلفزيون، دون تقديم معالجة أعمق، الأمر الذي يرفع من احتمالية فشل تلك المحاولات.

ويرى عتيلي، من خلال تجربة خرابيش في العمل مع المؤثرين، أن هنالك مشكلة أخرى في انتقال المؤثرين من الإنترنت إلى التلفزيون، وهي أن جمهور الإنترنت المتابع للمؤثرين مختلف تمامًا عن جمهور التلفزيون. إذ إن جمهورهم في غالبه من المراهقين والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عامًا، فيما يختلف جمهور التلفزيون عن هذا الجمهور عمريًا.

أمّا المخرج محمد حشكي، الذي أخرج عددًا من البرامج والمسلسلات الكوميدية مثل زين، فيقول إن المحطات التلفزيونية والمنتجين الأردنيين يعتقدون أن إشراك مؤثّرٍ ما في العمل التلفزيوني سيرفع من مشاهدات ذلك العمل، وقد سبق أن طُلب منه إشراك أحد المؤثرين كبطل في أحد الأعمال، فرفض، خاصة أن هذا الشخص الذي طُلب منه إشراكه لم يمثّل من قبل أبدًا. «إنك تجيب شخص ما عمره مثّل وتعطيه بطولة مسلسل كثير أصعب مما بنتخيل. بعض المحطات صارت تحسب نجاح المسلسل بكام مشاهدة عليه عالإنترنت، فجيبلك مؤثر وبحكيلك طلِّع منه إشي». 

وحتى لو توفّرت الموهبة عند المؤثّر، يقول حشكي، فإنها ليست مؤهِلًا وحيدًا كي يُمنح الأشخاص أدوار بطولة منذ بداية مسيرتهم. ويفسّر قائلًا «في ناس موهوبين بس ما بكفي. التمثيل في جزء كبير منّه صَنعة؛ إنك تعرف كيف تتعامل مع المخرج والموقع، كيف تتعامل مع الكاميرا وتتحرك قدامها، في إشي ما بيجي إلا بعد خبرة ودراسة وتجارب». ويوضّح أن المخرج في بعض الحالات قد يضطر للتعامل مع هذه المواقف، وسينتهي الأمر به وقتها لأن يحاضر حول التمثيل أثناء التصوير. 

يتفق مع هذا الرأي قيس الياس، مدير قناة عمان تي في، فيقول «المؤثر بفرق عن غيره إنه عنده مشاهدات أكثر فبساعد على تقصير مدة الانتظار عشان نبلش بإنتاج البرنامج، لأنه أسهل نحصّله رعايات. بس هذا ما بيعني إنه دائمًا راح يزبط الشغل مع المؤثرين». فيما يقول طارق ملحم، مدير البرامج في القناة، «في فرق بين إنك تحط الكاميرا وتحكيلنا قصة، وبين إنك تكتب نص وتبني تسلسل درامي»، ويضيف أن العديد من التجارب التي حاولت من خلالها عمان تي في التعاقد مع المؤثرين باءت بالفشل.

ميزانية ضئيلة بنصوص ممسوخة 

بحسب من قابلناهم من عاملين في الوسط، ربما يكون النص الكوميدي المقدم على شاشة التلفزيون الحلقةَ الأضعف بين باقي عناصر الإنتاج في الأردن. فكتابةُ النصوص الكوميدية القوية حسبما يوضّح عتّيلي تعتمد على مجموعة من الكتّاب الذين يفرّغون أنفسهم لأشهر، ولكن هذه الطريقة تحتاج ميزانية كبيرة، فيما المعتاد أن توفر الفضائيات مبالغ قليلة جدًا لكتابة النصوص. ويقول حشكي «اللي برأيي صار أخطر من فكرة إنك تجيب الناس من الإنترنت ليمثلوا أدوار بطولة، هو إنك تحكيلهم يكتبوا»، إذ يرى بأن النصوص الجيدة هي العنصر الأكثر أهمية لإنتاج كوميديا ناضجة. ويوضح «شو ما عملت؛ إذا النّص عالأقل مش مفَكَّر فيه بطريقة الدراما ومشغول بطريقة السكتشات اللي بنشوفها على تيكتوك وانستجرام وغيرها، راح يصفّي الشي اللي عم نشوفه هلأ، اللي هي نكتة ممطوطة».

لا يجب التقليل من أهمية ما يقدّمه المؤثّرون على الإنترنت، فهو فنّ قائم بذاته، يقول حشكي، لكن «كتابة السكتشات القصيرة مش مثل الكتابة للتلفزيون والسينما»، ويضيف أنه عند دراسة الأعمال الكوميدية المشهورة وطريقة كتابتها نعرف أنها عملية معقّدة، «لأنه جزء كبير من الكتابة للنص الدرامي بيشبه الرياضيات أو الهندسة، وفيها قواعد كثير، من ناحية إلها علاقة بالإبداع، وفي ناحية ثانية إلها علاقة بالإنتاج»، ويقصد بالكتابة من أجل الإنتاج تكييفَ ميزانية العمل مع النص أو العكس، بحيث يتحول النص إلى تكاليف مالية، لذا، فكتابة النصوص عملية تحتاج الكثير من التدريب والدراسة. 

عالميًا، ينجز النص التلفزيوني خلال عام تقريبًا، وفق عتيلي، لكن هذا صعب الحدوث في الأردن برأيه، لأنها عملية غير مجدية ماديًا. لكن بعض التجارب الكوميدية الناضجة مثل مسلسلي زين و«فيميل»، استغرق العمل على نصوصها وقتًا ملائمًا رغم اختلاف ميزانيتهما، وهو ما يفسر استحسان الجمهور لهما بحسب كل من عتّيلي وحشكي. لكن ربما يكون ما حصل مع هذين المسلسلين هو الاستثناء، حيث تتم كتابة النص للموسم الرمضاني خلال شهرين، والسبب في ذلك ارتباط المحطات بمواعيد عقود المعلنين والرعاة، والتي بحسب ملحم عادةً ما تتم قبل رمضان بمدة زمنية قصيرة.

غياب الصناعة والانعزال عن العالم

إضافة إلى غياب النصوص الجيدة والعوامل الاقتصادية، يرى الممثّل أحمد سرور أن القطاع الثقافي والفني في الأردن يعاني من مشكلة غياب خطة استراتيجية وصناعة قرار، وهو ما يؤثّر على القطاع بشكل جذري. ويظهر هذا الغياب، بحسبه، في غياب دعم المواهب، وضعف وزارة الثقافة، ويظهر ما يصفه بعدم رغبة الدولة بدعم المواهب بشكل وثيق بتكاليف دراسة الفنون. «الأسعار الغالية جدًا لدراسة الفنون بالأردن ممكن تطفّش أي شخص عنده موهبة إنه يدرس هاد التخصص».

ويؤكد حشكي هذا الطرح قائلًا إن دفع حركة الإنتاج يحتاج تدخل الدولة، ويضرب مثالًا بالأعمال الكوميدية السعودية المنتجة حديثًا، والتي يرى فيها تطورًا على أكثر من مستوى.

بينما يرى عتيلي أن لا أحد مسؤول بشكل فردي عمّا يحدث، شارحًا أن «السوق صغير وما في قوة شرائية بالأردن»، وبالتالي فإن عوامل النجاح ليست متوافرة كما يجب، وأن الاعتماد على الرعاة ليس كافيًا لإنتاج أعمال جيدة، فيقول «إحنا كنا [في خرابيش] بدنا نغطي تكلفة الإنتاج من الرعاة، وفي تكاليف كان لازم ندفعها للناس اللي بشتغلوا بالعمل عشان ننتجه. في المقابل المعلنين ما كانوا يدفعوا غير لما يخلص رمضان ويخلص العرض ونقعد نلاحق أشهر لحتى نحصل مصارينا منهم، فالعملية مش سهلة».

يقول عتيلي إن أهم عاملٍ يمكن أن يرفع من ميزانية الأعمال الأردنية هو التسويق للخارج، ولكن «للأسف لسا تفكيرنا وأعمالنا كلها داخل فقاعة، (..) المواضيع والأفكار اللي بنطرحها محلية جدًا، ما بتتعلق بأي حدا خارج الأردن، وغير قابلة للتصدير حتى الآن». وهو ما يشير إليه كذلك حشكي حيث يقول «طول ما إحنا بنشتغل بهاي الطريقة فالصناعة راح تضلها بهاد الشكل وراح تصغر أكثر، لإنه بنشتغل إشي ما حدا بفهمه غيرنا، فالإشي اللي بنشتغله ما راح يكبر وما راح تيجينا فضائيات عربية تقول يلّا ننتج أعمال بمستوى بقعة ضوء ومرايا».

هل ننتج أعمالًا مضحكة؟

يقول حشكي إنه من الغريب الحُكم بشكل عام على عمل كوميدي بأنه مضحك أو غير مضحك، لأن الكوميديا انتقائية، أي أن الجمهور هو من يحدد ما هو مضحك بالنسبة إليه، «أحيانًا بنفكر إنّه في عمل مش مقبول لأنه بنقرأ عنه كتير انتقادات على السوشال ميديا، بعدين بنتذكر إنه هاي دوائرنا القليلة هي اللي عم تنتقد، وبالمقابل في جمهور بيمدح بنفس العمل وبشوفه بضحك».

«إنت بدون ما تشغّل أي رادار من جواتك راح تتحسس مجرد ما تسمع كمية الإساءات الأخلاقية الموجودة بواحدة من السكتشات المعروضة برمضان».

ويشبّه حشكي صناعة الكوميديا بالبورصة، حيث لا يمكن التكهّن بما يُضحك الجمهور، حتى بالنسبة للمنتجين وصناع الكوميديا. وهو ما يتفق معه سرور، إذ يقول إن الكوميديا مسألة أذواق شخصية، وإن الهدف من الكوميديا أساسًا هو الترفيه؛ «هلأ كانت تحمل رسالة أو لا، المهم تحمل قيمة ترفيهية عالية»، والجمهور هو صاحب القرار الحقيقي في تقييم الأعمال؛ إذ يجب على الجمهور دعم العمل الجيد وتجاهل السيء.

لكن عنود الزعبي، خبيرة التربية الإعلانية، ترى أن الساحة الكوميدية في الأردن لا تمنح الجمهور خيار التوجه لأعمال أُخرى، وتقول «المشهد الكوميدي مفروض يكون فيه توازن وتنوع، بالساحة الفنية ما عندك إشي ثاني تتوجهله للترفيه عن نفسك، حتى من مبدأ منافسة مش موجود». 

«هل بتقدر تضحكني بدون ما تشتم زوجتك؟»، تتساءل الزعبي، منتقدة سيادة الخطاب المليء بالإساءات للأعمال الكوميدية، فيشاهد المتفرّج إساءات على أساس الجنس أو المظهر او غيرها. «إنت بدون ما تشغّل أي رادار من جواتك راح تتحسس، مجرد ما تسمع كمية الإساءات الأخلاقية الموجودة بواحدة من السكتشات المعروضة برمضان». وتضيف أن بعض تلك السكتشات تسيء بشكل متكرر للنساء على أكثر من صعيد، مثل السخرية من أشكالهنّ ومن أدوارهنّ في المجتمع. وبعد هذه الإساءات التي يضحك عليها الممثّلون في البرنامج التلفزيوني، «بتخاف لمّا يكون المشاهد طفل وبيضحك على ضحك الممثلين على كل إساءة بتصدر عنهم، بنخاف إنه الأثر تبع الفكرة يتحول لسلوك».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك