تقاير ساخنة

خطبة الجمعة: مواجهة للتطرف أم سيطرة على المنابر؟ 

منذ اعتماد الخطبة الموحدة في جوامع ومساجد الأردن قبل سنوات، يجري نقاش بين فترة وأخرى حول موضوعات هذه الخطب، وأسباب اعتمادها، ومصير من لا يلتزم بعناوينها ومحاورها، وما هو ممنوع ومسموح على المنابر.

أثير الجدل مؤخرًا حول خطبة الجمعة الماضية، بسبب ما قال الكثيرون إنه دعوة إلى طاعة ولي الأمر حتّى لو «جلد ظهرَك، وأخذ مالك» وردت في إحدى الخطب، بالإضافة إلى انتشار صورة مراسلة قال ناشروها إنها لمسؤول في مديرية أوقاف إربد، يطلب من خطيب أن يصوّر خطبته ويزوده بها.

صرّح وزير الأوقاف أن العبارة مثار الجدل لم تكن من فحوى الخطبة، لكنه لم يؤكّد فيما إذا كان هناك أحد الخطباء قد قالها بالفعل؛ إذ تُعدّ الوزارة خطب الجمعة وتبعثها إلى الخطباء أسبوعيًا وتترك لهم حرية أخذها كاملة أو إضافة تفاصيل لها لكن شرط أن يبقى الخطيب في نفس العنوان والمحاور. 

اعتمدت الخطبة الموحدة لأوّل مرة سنة 2014 كخطبةٍ اختيارية، بهدف مساعدة وتوجيه الخطباء الذين تختلف قدراتهم في الخطابة، كما يقول وزير الأوقاف حينها هايل الداود لحبر. ولم تكن الوزارة في ذلك الوقت تلزم الخطباء وتحاسبهم على الالتزام بها، ووصلت نسبة الخطباء الذين كانوا يأخذون بها فترتها إلى نحو 30%، وفق الداود.

مع نهايات عام 2016، طبقّت الخطبة الموحدة بشكل إلزامي في العناوين والمحاور في جميع مساجد وجوامع المملكة. ولا يصرّح الوزير وائل عربيّات، الذي أقرّت الخطبة الموحدة فترة تقلّده الوزارة، بوضوح بالسبب الرئيسيّ الذي دعاه لتطبيقها. إذ يركّز في حديثه لحبر على أن الهدف من إقرار الخطبة الموحدة هو توحيد الحالة الثقافية الدينية وإحداث حراك ثقافي ديني في آن واحد في مختلف المساجد، بحيث يكون هناك تغيير فكري وعقلي إلى الأفضل ضمن توجه عام وجمعي. 

غير أن عربيات كان قد ربط في حديث سابقٍ بين الخطبة الموحدة وانتشار أفكار داعش في المنطقة، إذ قال الوزير السابق في مقابلة على التلفزيون الأردني عام 2017: «إذا انتهت داعش، لا بد أن نحارب مواطن الخلل التي خلفتها من فكر».

وشهد عام 2016 الذي اعتمدت فيه الخطبة الموحّدة هجمات مسلحة لمؤيدين لتنظيم داعش في الكرك وإربد والبقعة. كما شهد بعض المساجد حالات قالت وزارة الأوقاف إن خطباء الجمعة دعوا فيها إلى مناصرة التنظيم.

وتوضع الخطبة من قبل «عدد من العلماء والدعاة في وزارة الأوقاف ودائرة الإفتاء العام»، وتوضع عناوينها لمدة عام كامل، وفق رد مكتوب من وزارة الأوقاف على أسئلة حبر.

خطب بعيدة عن الناس، ورقابة على الخطباء

لم تكمل مسيرة الخطبة الموحدة سنةً حتّى بدأت أصوات أئمة وخطباء بتوجيه الانتقاد لها. اتهمت اللجنة التحضيرية لنقابة الأئمة والعاملين في المساجد الوزارة في بيان لها الوزارة بتعريض الأئمة والخطباء لمواقف محرجة وخسائر معنوية جراء الخطبة الإلزامية الموحدة، الأمر الذي أفقد المواطنين ثقتهم بخطباء الأوقاف وقاد للسخرية منهم، بسبب اختيار الوزارة لمواضيع خطب «لا تمتّ لا من قريب ولا من بعيد لواقع المسلمين عامة والأردنيين خاصة»، وفق البيان.

شهد الخطيب إسماعيل الخطايبة فترة ما قبل الخطبة الموحدة وما بعدها، وقد خطب في أكثر من مسجد في محافظة إربد خلال هذه الفترة في قرى مثل كفريوبا وبيت يافا، وكان يطلب منه بعض الأهالي أن يتناول مواضيع تهمّ المجتمع المحلي في القرية أو المنطقة. لكن عندما أقرّت الخطبة الموحدة، صار الخطايبة يشعر أنه مجبر على قراءة خطبة تشبه نشرة الأخبار. «اللي سمعوني مرات بيقولوا إنت سحّيج».

يقول عربيات إن بعض مواضيع الخطب الموحدة فترتها تناولت قضايا تهم المجتمع ولم تكن ضمن التوجهات الحكومية. فلم تدعو مثلًا إلى أن يتحمل الناس غلاء الأسعار إنما تحدثت بعض الخطب عن الفقر وخطورته في المجتمعات، ودور الأمة في حماية المجتمع من الفقر، وعن تخفيض الضرائب، وعن رؤية الإسلام وفلسفته في هذا المجال.

صار الخطايبة يخرج عن عناوين الخطب، ويتناول قضايا يعتقد أنها تهم المجتمع مثل إضراب المعلمين، لتصله تنبيهات بشأن خروجه عن الخطبة، عبر اتصالات من موظفين بوزارة الأوقاف يسألونه فيها عن سبب عدم التزامه بالخطبة الموحدة. وبعد شهرين، تلقى كتابًا من وزارة الأوقاف بإيقافه عن الخطابة بشكل نهائي. ولم يوضّح الكتاب، الذي اطلعت حبر عليه، ماهية سبب التوقيف، فيما يقول الخطايبة إن السبب كان تأييده لنقابة المعلمين عبر منشورات على فيسبوك.

يقول مدير مديرية الأوقاف في محافظة إربد، عبد السلام نصير، إن للخطيب الحرية في ممارسة أفكاره لكن خارج المسجد، كونه لكل المسلمين وليس لفئة سياسية أو أصحاب فكر خاص، وفق تعبيره. ويشير إلى أنه راجع الخطايبة والتقى به أكثر من مرة، محذرًا إياه من التطرق إلى نقابة المعلمين في الخطبة، إلى أن جاء كتاب إنهاء تكليفه من مركز الوزارة في عمان.

يتهم خطباء وزارة الأوقاف بتعريضهم لمواقف محرجة وخسائر معنوية جراء الخطبة الإلزامية الموحدة، الأمر الذي أفقد المواطنين ثقتهم بخطباء الأوقاف وقاد للسخرية منهم.

توضح الوزارة إنها وفي حال وجود مخالفة من الخطيب تتواصل معه للوقوف على حقيقة ما جرى، وبناء على ذلك يتم العمل بما نص عليه نظام الوعظ والإرشاد والخطابة والتدريس في المساجد، وفق ردها المكتوب. وينصّ قانون الوعظ والإرشاد بأنه إذا خالف الواعظ أحكام القانون فللوزير، بتنسيب من أمين عام الوزارة ومدير الوعظ والإرشاد فيها، منعه من الخطابة في المساجد.

في مرة من المرات، سأل بعض المصلين الخطايبة عن عنوان خطبته على صفحته على فيسبوك، وعندما أجابهم وكان عنوان الخطبة يختلف عن عنوان الخطبة الموحدة لذلك الأسبوع، تفاجأ باتصال ورده من موظف في وزارة الأوقاف في وقت متأخر من مساء الخميس يسأله عن سبب تغيير عنوان الخطبة.  

ويؤكّد الخطايبة أنّ مسؤولين في وزارة الأوقاف طلبوا منه في وقت سابق أن يصوّر خطبته ويبعثها لهم حين تناول موضوع نقابة المعلمين على المنبر. وهو ما يؤكّده كذلك خطيب آخر تحدثنا معه ويخطب في أحد مساجد محافظة إربد، إذ يقول إن هذا الإجراء ينطبق على الخطباء الذين اعتادوا الخروج عن عناوين ومحاور الخطبة الموحدة وتناول مسائل سياسيّة.

وتتفاوت الإجراءات بحق من يخالف الخطبة الموحدة بين توقيف مؤقت أو نهائي أو استدعاء من قبل الوزارة أو الأجهزة الأمنية. 

قبل أشهر، اتهم النائب صالح العرموطي جهة أمنية لم يحددها بوقف أحد الخطباء عن الخطابة واستدعائه، لأنه خلال خطبته ذكر اسم محامٍ يدافع عن المتهمين مجانًا أمام محكمة أمن الدولة، وفق العرموطي.

ردّ وزير الأوقاف الحالي، محمد الخلايلة، على ما قاله العرموطي في مجلس النواب بأن الوزارة تعمل ضمن إطار قانون الوعظ والإرشاد، وبأن الوزارة لا تسمح بذكر أسماء شخصيات معينة على المنابر، وبأن الأصل في المنبر أنه يذكر عليه سيدنا النبي والصحابة والدعاء لولي الأمر.

وكان الداوود قد قال عام 2014 إن الوزارة تصلها أحيانًا بعض المعلومات والملاحظات من الجهات الأمنية حول المواضيع التي يتناولها بعض الخطباء في خطبهم. 

فيما تضع الوزارة على موقعها نافذة مخصصة للمواطنين لتقديم شكوى بحق العاملين في المساجد وتستقبل الوزارة التغذية الراجعة من المصلين حول خطبة الجمعة.  

توحيد الخطاب أم السيطرة عليه؟ 

ترى وزارة الأوقاف، في ردها المكتوب، أن للخطبة الموحدة دورًا مهمًا في تعزيز ثقافة الوسطية وتصحيح المفاهيم الخاطئة في المجتمع، والتي قد تتسبب بوضع بذور التطرف والعنف وتقدم الإسلام بصورته الصحيحة كدين رحمة ومحبة وعدل وسلام، وتعمل على تشكيل رأي عام يتصدى لمن يحارب ويقتل باسم الدين ويشوه صورة الإسلام، وفق ما جاء في الرد.

في المقابل، اعتبر رئيس لجنة الحريات في حزب جبهة العمل الإسلامي، عبد القادر الخطيب، أن الخطبة الموحدة قرار سياسيّ وليست قرارًا تنظيميًا، وأن الهدف منها هو إبعاد السياسة عن المنابر لمعرفة السلطات أن المسجد هو الذي يجمع الناس وهو الذي يحركهم. «الخطبة حكمتها تعطي وجع الناس، شو في إلكم، وشو بدكم، مش خطب دروشة».

ويقارن عبد القادر الخطيب بين فترة ما قبل الخطبة الموحدة وما بعدها بالقول بأن الكثيرين ممن ينتمون لحزب جبهة العمل الإسلامي وجماعة الأخوان المسلمين أبعدوا عن منابر المساجد ولم يبق منهم الآن غير اثنين أو ثلاثة يلتزمون بعنوان ومحاور الخطبة الموحدة. 

وزير الأوقاف السابق وائل عربيات كان قد ربط في حديث سابقٍ بين الخطبة الموحدة وانتشار أفكار داعش في المنطقة.

يقول الخطايبة إن للخطبة الموحدة «حسنات وسلبيات»، وإن عناوين الخطب أحيانًا ما تكون جيدة. ويتفق الناطق باسم اللجنة التحضيرية للأئمة والعاملين في المساجد، محمد رسول أبو رمان، على أن هناك جوانب إيجابيّة في الخطبة الموحدة، معتبرًا أنها تعمل على تحسين أداء الخطباء الذين لا يحسنون الخطابة، وتضبط فوضى الخطابة بحسبه. «أنا مع إنه إذا يكون في حدث تقتضيه المصلحة الوطنية مثلًا يكون إلزامي بالموضوع، بس يرتقوا بمستوى الخطاب اللي بقدموه».

توضح الوزارة في ردها المكتوب أنها تسمح للخطباء بطرح موضوعات تناقش قضايا خاصة ضمن مناطقهم، ولكن هذا يبقى ضمن قواعد وأصول الشرع، وبما لا يتسبب بإثارة النعرات والفتن، ودون الانحياز لجهة دون غيرها، بحيث «يبقى المنبر والمسجد مكانًا للالتقاء ومنطلقًا لوحدة وتماسك المجتمع، ويبقى الطرح بمنهج وسطي يدعو للحوار والإنصاف في الحكم والتعامل مع القضايا المطروحة»، وفق ما جاء في الرد. 

يرى الباحث والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية، أن الخطبة الموحدة امتداد لاستراتيجية مكافحة التطرف التي وضعت عام 2014 والتي ضخّمت دور وزارة الأوقاف على حساب مراكز تحفيظ القرآن وجمعية المحافظة على القرآن الكريم والمساجد، حيث صارت كل المساجد تحت إشراف الوزارة بعد أن كان بعضها مساجد خاصة. 

ويقول أبو هنية إن مؤيدي تنظيم داعش سواء في الأردن أو دول العالم لا يصلّون في هذه المساجد لاعتبارات شرعية لديهم، وإن الخطبة الموحدة جزء من سياسة التحكم بالخطاب الديني من أجل السيطرة عليه بهدف توطيد السلطة، بعدما أُفرغت الشريعة من مضمونها، وفق تعبيره. ويضيف أن هذه السيطرة تتم من خلال أجهزة الدولة الإيديولوجية الدينية، مثل الإفتاء والقضاء والأوقاف، التي تمثل الإسلام السياسي للدولة، أي الإسلام الرسمي الذي تتبناه. 

في المحصلة، بدأت الخطبة الموحدة كأداة لمواجهة الأفكار التكفيرية ودعوات تأييد تنظيم داعش، لكن قائمة المحظورات على المنابر توسعت لتشمل عناوين وجهات سياسية ونقابية، وتطال من يكرر خروجه عن عنوان ومحاور الخطبة الموحدة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك