تقاير ساخنة

كي نرى اللامرئي: الحلّ الفوتوجرافيّ

مع انتشار الكاميرات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تيقن الجميع -بمزيج من الحماس والذعر- أنه صار بإمكاننا تسجيل كل ما هو مرئي في هذا الكون. بل إن المخرج السوفييتي دزيجا فيرتوف ذهب أبعد من ذلك عام 1922، مؤكدًا أن عين الكاميرا أكثر كمالًا من العين البشرية، وأن دقة ملاحظتها وتسجيلها لمحيطنا ستجعل منها امتدادًا روبوتيًا لأجسادنا، نرى من خلالها ما تعجز عيوننا عن رؤيته.[1]

صدَق فيرتوف بأكثر من طريقة. فقد مكّنت الكاميرات المجهرية والتلسكوبية والأشعة السينية بالفعل من رؤية أشياء لطالما عجزت عن إدراكها العين المجردة. لكن التصوير الفوتوجرافي سبر أغوارًا أكثر غرابة، عندما حاول التعامل مع كيانات لامادية مثل الذكريات أو أرواح الموتى أو المفاهيم المجردة. في هذا المقال أربع صور فوتوجرافية من سياقات مختلفة تمامًا، تجمعها تلك المحاولة لالتقاط أكثر الأشياء لامرئيةً في حياتنا.

لندن، حوالي 1920

التقطت الصورة هذه في غرفة استديو مظلمة كما جرت العادة. الزوجان مسنّان، من الطبقة الوسطى، تتلامس أيديهما بشيء من الفتور، بعكس نظراتهما المصوبة بلهفة نحو العدسة، كما لو كانا بانتظار شيءٍ ما منها. تلبي العدسة الرجاء ملتقطةً طيف فتاة موشحة تحوم إزاءهما. الطيف غير مرئي بالعين المجردة، وهو تحديدًا سبب زيارة الزوجين إلى استديو «المصور الروحاني» البريطاني ويليام هوپ، الذي اشتهر بتوثيقه لأرواح الموتى الهائمة بالقرب من أحبائها الأحياء، وذلك باستخدام التصوير الفوتوجرافي.

عادةً ما ازدهر سوق المصورين الروحانيين بعد الحروب التي تركت أجيالًا مغرقة في الحداد، وأرامل يعشن بحثًا عن ذكرى أبنائهن.

لم يكن المؤمنون بتلك الصور قليلين ولا محصورين بطبقات غير متعلمة، بل إن زبائن هوپ تضمّنوا مهندسين ورجال كنيسة وحتى أدباء مثل آرثر كونان دويل. امتلك مريدو التصوير الروحاني محاججات معقدة للدفاع عن مصداقية الصور، إحدى أبرزها تلك القائمة على الإيمان بوجود مادة لامرئية تدعى «الإيكتوبلازم»، وهي طاقة روحية لزجة تسيل من جسد الإنسان أثناء جلسات التحضير لتغلّف الأرواح وتعطيها حضورًا ملموسًا، وإن كان غير مرئي. وكون التصوير الضوئي، كما يشير اسمه، يقوم على صفائح حساسة للضوء تسجل أدنى تدرجاته، فقد آمن الكثيرون بأن من المنطقي أن يلتقط تلك الطاقة كذلك، ومعها صور موتاهم. ساهمت في تلك القناعة قلة فهم الناس لطريقة عمل الكاميرات، إضافة إلى طبيعة جلسات التصوير التي جرت في غرف مظلمة وتطلبت سكونًا تأمليًا أمام الكاميرا قد يدوم لدقائق طويلة، مما أضفى عليها طابعًا طقسيًا غرائبيًا.

الحقيقة كانت أكثر بساطة، فمثل غيره من المصورين الروحانيين، كان هوپ يستخدم أثناء جلسة التصوير صفيحة ضوئية طُبعت عليها سلفًا صورة المتوفى (والتي غالبًا ما كان يطلبها من زبائنه مسبقًا)، بحيث تُطبع الصورة الجديدة فوق القديمة وتتراكب الصورتان. التقنية أقل من عادية لعيوننا المدربة على خدع فوتوشوبية أعقد بمراحل، ومع ذلك، فالحقيقة المحزنة وراء شعبية هوپ لا يمكن اختصارها بعملية احتيال أو بسذاجة من صدقوها. فعادةً ما ازدهر سوق المصورين الروحانيين بعد الحروب التي تركت أجيالًا مغرقة في الحداد، وأرامل يعشن بحثًا عن ذكرى أبنائهن. بعد الحرب العالمية الأولى، وفر هوپ إمكانية تواصل مع الحياة الآخرة، لم يعد بإمكان الدين وحده أن يعد بها، تواصل قائم على أدلة «علمية»، ملموسة ومرئية.[2] وهكذا، تعبر صور هوپ عن مجتمعٍ اصطدم للمرة الأولى بتكنولوجيا تتطور أسرع من قدرته على الفهم، تحصد أرواح الملايين من أبنائه بالطائرات والدبابات من جهة، ثم تعيدهم إليه بالكاميرات على شكل صور شبحية من جهة أخرى، كمحاولة لئم لجروح العائلات الممزقة.

ويليام هوپ، صورة لزوجين، حوالي عام 1920

الرملة، 1948

حتى الألفينيات، ظلت الاغتصابات التي قامت بها الميليشيات الصهيونية أثناء النكبة موضوعًا جانبيًا في المراجع التاريخية الغربية، بينما صرفت الرواية الإسرائيلية الرسمية النظر عنها، باعتبارها «حوادث» فردية ومبعثرة، خصوصًا مع غياب أي أدلة جنائية أو بصرية ملموسة.[3] دفع ذلك الباحثة الفوتوجرافية الإسرائيلية آرييلا آزولاي إلى تكريس سنوات من البحث في تلك الظاهرة. فالشهادات تشير بوضوح إلى أن غالبية تلك الجرائم اتخذت أشكالًا جماعية وانتهت بقتل الضحية، كما أن الكثير من جثث الضحايا مرّت في المخافر الرسمية وجرت معاينتها من قبل أطباء. مع ذلك، لا يوجد إلا القليل من التقارير الرسمية، مع غياب كامل لصور الضحايا أو لمسارح الجرائم.

لا تستغرب أزولاي ذلك التعتيم، فلكي يقوم نظام ما (سياسي، أو قانوني، أو أرشيفي) بتوثيق جريمة ما، عليه أن يعتبرها جريمة بالأساس، وهذا بالتأكيد ليس حال الدولة الإسرائيلية. بهذه الطريقة تولد تلك الأنظمة ما تسميه أزولاي بالـ«صور غير الملتقطة»، وهي صور، بعكس الصور غير الموجودة أو الضائعة، كان بالإمكان أخذها بسهولة نظرًا لتوفر الكاميرات وجهات التوثيق لدى حدوثها، إلا أن سياسة ممنهجة حالت دون ذلك. لمواجهة سياسة اللامرئية التي قامت عليها الدولة الصهيونية مثلًا، تدعو أزولاي إلى «واجب الحديث عن الصور غير الملتقطة»، وهي دعوة قد تبدو متناقضةً مع ذاتها، فإن كان الحل الوحيد لدراسة جريمة غير مرئية هو «الحديث» عنها، فما فائدة إقحام الصور في المسألة؟ وكيف لنا الحديث أصلًا عن صور غير موجودة ولم توجد يومًا؟

تقدم أزولاي جوابًا ملتويًا. فبعد سنوات من مقارنة الشهادات الشفهية والمكتوبة بالأرشيف الفوتوجرافي للنكبة، وجدت الباحثة هذه الصورة الملتقطة في مدينة الرملة عام 1948، والتي تظهر رجالًا فلسطينيين مكدسين خلف أسلاك شائكة، تقابلهم امرأة وحيدة على الطرف الآخر. لم تثر الصورة أي اهتمام سابقًا كونها تظهر حاجزًا عسكريًا مثله مثل غيره، لكن بعودتها للشهادات المكتوبة، لاحظت أزولاي أن اغتصاب الفلسطينيات كان مسبوقًا، ودون استثناء، بعمليات فصل الرجال عن نسائهم، بحيث تفرّغ البلدة المحتلة من رجالها، قبل أن يتصرف فيها المسلحون على هواهم. تغيّر تلك المعطيات من رؤيتنا للصورة بشكل جذري، فتصبح فجأة دليلًا مرئيًا وبصريًا على التحضير الممنهج والمتعمد لعملية اغتصاب. إن «الصورة المفقودة لكارثة سببها نظام ما يمكن أن تختبئ بشكل لامرئي داخل صورة أخرى مرئية بالكامل»،[4] وبالفعل، يمكن القول إن الصورة غير الملتقطة لاغتصابات الرملة مضمّنة داخل هذه الصورة التي تسجل المرحلة السابقة لها.

البحث عن الصور غير الملتقطة في صور أخرى بمساعدة المراجع ليس مجرد مناورة سياسية إذًا، هدفها التأكيد على أن كل الجرائم -حتى اللامرئية منها- تترك أثرًا، بل هو أيضًا طريقة لفهم الظروف التي جعلت من العادي ألا تُلتقط تلك الصورة مرارًا وتكرارًا، ولمئات المرات.

دافيد إلدان، «مبنى صحفي حكومي»، الرملة، 7 تموز 1948

المحيط، 1989-1995

سنة سقوط جدار برلين وبداية تمدد الرأسمالية شرقًا، بدأ المصور الأميركي آلان سيكولا مشروعًا ضخمًا بعنوان «قصة سمك» (Fish Story). على مدى سنوات، جاب سيكولا المحيطات شرقًا وغربًا، موثقًا حركة البضائع والمنشآت التجارية وحياة العاملين فيها. بمزيج من النصوص، وقرابة المئة صورة، يوثق المشروع اختفاء «البحر» بمفهومه الاجتماعي. يغلب الفولاذ والصفيح على الصور بدل زرقة الماء. تتحول الموانئ إلى خرائب صناعية مهمشة بعد أن كانت مراكز حضرية وملتقى للّغات والعادات وقصص البحارة. لا روائح توابل ولا ألوان، فكل بضائع الدنيا تُشحن في ذات الصناديق المعدنية، ولا فرق بين السفينة الكورية والدنماركية اللتان تبيعان وتشتريان فيما بحارتهما محرومون من أي حرية حركة. فقط رأس المال ينساب بين الحدود، بينما يعمل الموظفون منعزلين في عالم من الآلات والأقبية المعدنية الساخنة.

منذ أعماله المبكرة، دشّن سيكولا تيارًا فوتوجرافيًا جديدًا لا يعترف بالحدود بين الفني والوثائقي، فرغم تصنيفه كفنان وعرض أعماله في المتاحف وصالات الفن المعاصر، تجنب سيكولا التركيز على القيمة الشكلية أو الجمالية لما يصوره مقابل معناه الاجتماعي، وركّز على دور الصورة كأداة لتجميع الأدلة عن غياب العدالة الاجتماعية. بذلك، رفض سيكولا أن تُعلق الصور وحيدةً على جدران المعارض، داعيًا لإرفاقها بعمل بحثي وسرد من نوع ما، تمامًا كما في فيلم وثائقي.[5] لكن خصوصيته الحقيقية تكمن في تجنب سردياته لحياة الأفراد أو الأماكن الجغرافية المحددة، وتركيزها على مواضيع مثل حركة رؤوس الأموال، أو العلاقات الجيو-سياسية، أو تطور قوانين العمل، أي تركيزها على مفاهيم مجردة ولامرئية.

انطلاقًا من هذا المبدأ، يوثق سيكولا في «قصة سمك» الصناديق المعدنية وبواخر الشحن والموانئ المعاصرة، وهي أشياء مخفية عن الأنظار دون أن تكون «لامرئية»، كون بإمكاننا رؤيتها إن أردنا، لكن الشيء اللامرئي فعلًا هو المنظومة التي تحكم تلك الأشياء. فالاستراتيجية المركزية لـ«قصة سمك» تكمن في عدم ظهور تلك المشاهد كقصص فردية منفصلة، بل كجزء من سردية تحكمها علاقات سببية: قرية الصيادين المهجورة هنا، وبناء شركة هيونداي هناك، والسيارة اللامعة التي اشتراها أحدهم، جميع هذه الأشياء جزء من المنظومة ذاتها، وقودها عمالة تعيش على هوامش المجتمع دون تمثيل من أي نوع. لا يمكن «رؤية» تلك المنظومة التي تحكم بحار اليوم بالعين المجردة، لا في صندوق معدني ولا في شاطئ ملوث، بل فقط في ربط آثارها المتباعدة حول العالم، وهي عملية ممكنة باستخدام التصوير، الذي يكشف عما قد يختبئ خلف سيارة مستوردة أو كبسة زر على موقع أمازون.

آلان سيكولا، صورة من «قصة سمك» (Fish Story)، 1989-1995.

دمشق، 2008

عندما كان طالب مدرسة أواخر القرن الماضي، عاش الفنان السوري هراير سركيسيان حادثة بالغة الاعتياد. أثناء ركوبه باص المدرسة في صباح أحد الأيام، نظر الطلاب من نوافذهم فرأوا بضع جثث معلقة في إحدى ساحات دمشق، وصفها الفنان لاحقًا بالقول: «كانوا مكشوفي الصدور مع ورقة بيضاء كبيرة تصف سبب محكوميتهم. كانت عيونهم مفتوحة، هكذا رأيتهم للحظة، ومنذ تلك اللحظة لم تغادر تلك الصورة ذاكرتي». 

«ما إن يصبح الناس واعين بالعناصر اللامرئية خلف عملي، تكاد ماديّة الصورة تتدمر، إن عمارة ساحات الإعدام وما يحيط بها هي مجرد خلفية عندما ترى الأجساد معلقة في خيالك».

ظلت الإعدامات في الساحات العامة ممارسة شائعة في سورية حتى الألفينيات، حيث يروي الفنان بأن المدنيين المحكوم عليهم بتهم جنائية كانوا يُشنقون في الصباح الباكر ومن ثم تُترك جثثهم حتى الظهيرة كي يراها عامة الناس. إلا أن سياسة الرؤية القسرية تلك تناقضت مع اللامرئية التامة عندما يتعلق الأمر بالصور الفوتوجرافية، فمنذ السبعينات، لم تصلنا أي صورة توثق تلك الإعدامات، رغم أن آلاف الناس شهدوها على مدى عقود.

بعد سنوات، عاد سركيسيان ابن 35 عامًا برفقة كاميرا إلى مكان الحادثة وغيرها من ساحات الإعدام في دمشق وحلب واللاذقية، والنتيجة كانت عملًا فوتوجرافيًا بعنوان «ساحات الإعدام»، يصور فيه تلك الساحات في ساعات الصباح الباكر، خاليةً من أي حضور بشري. «ظننت أن التصوير قد يساعدني على محو ذلك، والتأكيد على أن هذه الأجساد لم تعد موجودة» يقول سركيسيان، «لكن ذلك لم ينجح. لا أزال أرى تلك الأجساد هنا». يشير تصريح الفنان هذا إلى مزيج بين صور هوپ التي تستحضر الأموات وصور أزولاي «غير الملتقطة» التي تواجه سياسية إخفاء منهجية.

لكن ما يميز علاقة سركيسيان مع اللامرئية عن صور هوپ وأزولاي وحتى سيكولا، هو الدور المركزي للعناصر الشكلية، خصوصًا تأطير الصور ووجهات النظر. على سبيل المثال، يخيم على هذه الصور لساحة المرجة شعور مقلق، وكأن حضورًا ما لامرئي يسكن زواياها، وإن كانت خالية تمامًا، وذلك راجع لمهارة سركيسيان في اختياره زواية التصوير، بحيث يترك دائمًا فراغًا في منتصف وأسفل الصورة، متجنبًا أن يحتل بناء أو صرح ما مركز اهتمامنا، وكأن الساحة عبارة عن خشبة مسرح بانتظار شخصياته. إضافة إلى ذلك، تركز «ساحات الإعدام» على العناصر الطولية كأشجار النخيل والأعمدة، ملمحةً بطريقة شكلية وغير مباشرة إلى الجثث المتدلية. تدفعنا تلك العناصر، مصحوبة بقصة الفنان، إلى تخيل الأجساد رغم غيابها: «ما إن يصبح الناس واعين بالعناصر اللامرئية خلف عملي، تكاد ماديّة الصورة تتدمر» يقول الفنان، «عمارة ساحات الإعدام وما يحيط بها هي مجرد خلفية عندما ترى الأجساد معلقة في خيالك».

هراير سركيسيان، صورة من «ساحات الإعدام» (Execution Squares)، 2008

  • الهوامش

    [1] Dziga Vertov, «Kinoks: A Revolution», 1922.

    [2] Daniel Wojcik, «Spirits, Apparitions, and Traditions of Supernatural Photography» in Visual Resources, 25:1, 2009, p. 109-136.

    [3] Ariella Azoulay, « L’obligation de parler des photographies non prises», in Dork Zabunyan (dir.), Les images manquantes, Paris, Les carnets du Bal, no. 3, 2012, p. 115-137 (p. 125).

    [4] Ibid., p. 120.

    [5] Allan Sekula, «Dismantling Modernism, Reinventing Documentary (Notes on the Politics of Representation)»The Massachusetts Review, Winter, 1978, Vol. 19, No. 4, p. 859-883.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك