تقاير ساخنة

جولييت عوّاد: مسيرة نصف قرنٍ في التمثيل

هاجر الشاب نيكوغوس يعقوب هاكوبيان بدايات القرن الماضي جنوبًا من أرمينيا إلى مدينة القدس، وهناك تعرّف على حلّاق عربيّ ثم عمل عنده، وعلى مدى سنوات من العمل لاحظ الحلّاق براعة الشاب الأرمني في تصليح المعدات فعرض عليه بعض البنادق لإصلاحها، وافق الشاب وعندما عرف لاحقًا أنها بنادق ثوّار فلسطينيين ضد الاستعمار البريطاني رفض الحصول على أجرة لقاء تصليحها، مدفوعًا بذكرى المجازر ومن ثم تهجير شعبه في أرمينيا، وقد رأى ما جرى لشعبه يكاد يتكرر في فلسطين.

تزوّج الشاب من ابنة الحلّاق سنة 1948، وفي نفس السنة وقعت النكبة، فهاجر مع زوجته إلى عمّان وسكن منطقة سقف السيل وسط عمّان. وفي السابع من تموز 1951، جاءت ابنته البكر إلى الحياة فسمّاها جولييت.

درست جولييت في مدارس الأرمن الدينية القريبة من مكان سكنها في سقف السيل؛ في البداية بمدرسة الأرمن الدينية الإنجيلية القريبة من المستشفى الإيطالي، ثم في مدرسة الأرمن على طلعة جبل النظيف. وبسبب أسلوب تلك المدارس في إيصال فكرة القصص الدينية عن طريق المسرح، وإشراك الطلبة بمسرحيات حفلات نهايات الأعوام الدراسيّة، أعجبها التمثيل وقررت نقله إلى حيّها.

خلال إحدى العطل الدراسيّة أمام بيتها، تلاحظ جولييت جارتَها وهي تنشر الغسيل على حبل مربوط بعمودين: «صرت أشوف خيالها من ورا الشرشف، من هناك خطر على بالي، ليش ما نعمل زيها ونمثل؟». هكذا أسست الطفلة أول فرقةٍ مسرحيّة وصالة مسرحٍ في حياتها بعد أن أعجبتها رواية القصص لإخوانها في المسرحيات، وفي فترة الإعدادية صارت مسؤولة عن مسرحيات نهاية السنة من تصميم الأزياء وتوزيع الأدوار، لهذا ستضمر جولييت النيّة لدراسة التمثيل، لكن سيكون لوالدها رأي آخر، فبعد الثانوية اقترح عليها دراسة الأزياء في إيطاليا، لكنها رفضت وأجابته: «ما بحب تجميل الإنسان من الخارج»، تفاجأ الأب من ردّها فقال: «جوابك هذا بيخليني أقول تروحي محاماة»، لكنها رفضت ذلك أيضًا، فقال لها: «لعاد بجيبلك ماكينة وتقعدي تخيطي».

في تلك العطلة الصيفية التي أعقبت انتهاء الدراسة الثانوية عاد أبناء الحارة الأرمن الذي يدرسون في أرمينيا، والتقت جولييت بقريبةٍ لها صيف العام 1967 وحدثتها عن الدراسة في بلاد الأسلاف، وعلى الفور «قلتلها كيف بقدر أروح؟ قالت: بتيجي معي على السفارة السوفيتية».[1]

جولييت عواد تحمل شهادتها التي حصلت عليها من أرمينيا.

في مقر السفارة في عمّان، ملأت جولييت أوراق طلب منحة دراسيّة وكتبت في خانة التخصص المطلوب: تمثيل. تأخرت ورقتها وظلت تنتظر، وعندما خرج الملحق الثقافي أخيرًا نادى عليها وأخبرها «أنت أول بنت عربية بتقدم تدرس تمثيل بأرمينيا». في البيت وأمام الأب كانت جولييت ذاهبة لدراسة اللغة الأرمينية كما أخبرتهم.

في السنوات الخمس اللاحقة، ستكمل جولييت دراسة البكالوريوس في التمثيل والإخراج، ومن ثم الماجستير في مسرح الطفل، لتعود أواخر العام 1972 إلى عمّان.

الهروب من العمل المكتبي

بدأ المسرح في الأردن يتخذ المنحى الجماعي والاهتمام بعناصر العرض المسرحي المختلفة، من ديكور وإكسسوار وإضاءة وصوت وحرفيّة التمثيل،[2] مع تأسيس أسرة المسرح عام 1964، والتي انبثقت من نشاط مسرحي لطلبةٍ في الجامعة الأردنيّة. وضمّت الأسرة إضافة إلى المخرج هاني صنوبر، كلًّا من نبيل صوالحة، وأديب الحافظ، وعمر قفاف، وقمر الصفدي، وسهى مناع، ونبيل المشيني، ومارغو ملاتجيان، وصلاح أبو هنود.

بعد سنتين على التأسيس ضمّ وزير الثقافة فوّاز شرف أسرة المسرح إلى وزارته، وقدمت الأسرة أربعة مواسم مسرحيّة بين 1966 و1971، أغلبها مسرحيات مأخوذة عن أعمال أدبية مترجمة، وكانت جولييت قد عيّنت في وزارة الثقافة كمخرجة مسرحيات أطفال فور عودتها من أرمينيا عام 1972، وشهدت الأيّام الأخيرة لأسرة المسرح، عندما طرح الوزير شرف على مجموعة المخرجين في الوزارة التصويت على حلّ الفرقة أو الإبقاء عليها، فصوتت أغلبية الحاضرين على حلّ الفرقة، ودخلت جولييت في نقاشات مع زملائها للتصويت على الإبقاء عليها، غير أن الأغلبية صوتت على الحلّ، وهكذا انتهت آمال جولييت في وجود بذرة مسرح قوميّ في الأردن تدعم الدولة فيه المسرح، على غرار المسرح القومي في مصر.

جولييت عواد تقلب الصور في مكتبة منزلها في عمّان.

حاولت جولييت أن يكون قسم مسرح الأطفال بمخصصات مالية منفصلة عن قسم مسرح المحترفين، من أجل إنتاج عدد كافٍ من المسرحيات المخصصة للأطفال، لكن الأمر بقي على حاله، ويئِست من التغيير: «شفت إني بدي أتحول لموظفة طاولة، فاستقلت»واتجهت للعمل في مركز هيا الثقافي حديث التأسيس.[3]

بعد نحو 35 سنة، ستحاول جولييت مرّة أخرى الاهتمام بمسرح الأطفال، لكن بعيدًا عن الوزارة والمؤسسات الرسميّة، وبجهدٍ فردي.

رحلة الدراما

بدأت جولييت مرحلة الدراما في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وظهرت في شارات الأعمال باسم جولييت هاكوبيان، ومنذ بواكير أعمالها لفتت جولييت المخرجين إلى تمكنها من التمثيل، وإتقانها عدة لهجات؛ البدوية مثلما فعلت في المسلسل الإذاعي رأس العين (1975)، والريفية مثل مسلسل شمس الأغوار (1979) واللغة الفصيحة مثل مسلسلي شجرة الدرّ (1979) وطرفة بن العبد (1982).

يقول صلاح أبو هنود، مخرج مسلسلي شجرة الدر وطرفة بن العبد، اللذين يعدّان من أعمالهما المبكرة، إن منبع إتقان جولييت للتمثيل كونها من الممثلات الأكاديميات القليلات اللواتي درسن التمثيل في ذلك الوقت، فيما تعتقد جولييت أن التنوع في المنطقة التي عاشت فيها منذ صغرها، وتعدد لهجات أهل عمّان، سمح لها بالاطلاع على بعض اللهجات وإتقانها «في ريفيين، وبدو، وناس مختلطة، والجيران كل واحد بحكي لهجة».

في الثمانينيات، وبالتوازي مع العمل في الدراما، درّست جولييت الأنشطة المسرحيّة في مدارس خاصة في عمّان، وكانت خلال هذه الفترة تسجّل الملاحظات حول المستوى التعليمي عند الأطفال ومشاركتهم في الأنشطة المسرحية، لتخرج لاحقًا بكتابٍ عنوانه: «الدراما في التعليم وتنمية المهارات».

وقد شهدت جولييت ما توصف بأنها فترة تطور نسبيّ في الدراما الأردنية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي مقارنةً بالتسعينيات، كما يقول أبو هنود، عازيًا أسباب الانحدار إلى سوء إدارة الشركة الأردنية للإنتاج السينمائي والتلفزيوني والإذاعي الحكومية، التي موّلت وأنتجت الكثير من الأعمال الدرامية، لكنّها أُغلقت مطلع التسعينيات. بالإضافة إلى موقف الأردن من حرب الخليج مع العراق الذي دفع بعض دول الخليج إلى مقاطعة الأعمال الأردنيّة، فضلًا عن تراجع اهتمام الإدارات المتعاقبة في الدولة بالدراما وفقًا للمخرج أبو هنود وآخرين.

بعدها شاركت جولييت في الكثير من الأعمال الدرامية، لكن ثمة أعمال فارقة في مسيرتها، أوّلها مسلسل الكف والمخرز (1992)، ثم التغريبة الفلسطينية (2004)، والمحروس (2006)، وهي الأعمال الأقرب إليها كما تقول. وتتناول هذه الأعمال صراع المجتمع مع السلطة، مثل مسلسلي الكف والمخرز والمحروس، أو صراع المجتمع مع الاحتلال، مثل التغريبة الفلسطينية.

موقع تصوير مسلسل «ذياب هباب الريح» قرب سد الملك طلال جرش.

بموازاة عملها على هذه المسلسلات، بدأت جولييت الاستفادة من خبراتها في المسرح لتوظيفها في العمل العام، مثل تقديم المسرحيات لأطفال المخيمات وأبناء القرى النائية، وهكذا عادت مرة أخرى، بعد 35 سنة تقريبًا، إلى مشروعها في مسرح الطفل، إذ أسست مشروع آرام المسرحي الموجه للأطفال عام 2011، والذي تعرض من خلاله مسرحيات للأطفال مستوحاة من المناهج الدراسية، وقد انطلق المشروع من قرية سال في إربد لتجوب معه المناطق النائية والقرى.

في عام 2015 انبثقت عن المشروع فرقة الفينيق المسرحية التابعة لجمعية رعاية الفتى اليتيم بمخيم الحسين، والتي ضمت مجموعة من الأطفال الأيتام بلغ عددهم 12 طفلًا وطفلة، تراوحت أعمارهم بين ثمانية و15 عامًا، درّبتهم جولييت على المسرحيات قرابة عامٍ واحد، بواقع ثلاثة أيام في الأسبوع.

وعند بدء العمل على إحدى المسرحيات بعنوان «البطتان والسلحفاة»، واجهت جولييت بعض المشاكل، منها صعوبات في القراءة عند بعض أعضاء الفرقة، فعملت على حلّها أولًا، ثم صارت تزور بيوت الأطفال لمتابعة حلّ بعض المشاكل الأخرى السلوكية، كما يقول مدير الجمعية بدر حسن.

عُرضت المسرحية في الدورة 12 من مهرجان مسرح الطفل الأردني، وحصدت جائزة الأداء الجماعي والإعداد المسرحي، ثم ذهبت جولييت مع الفرقة للمشاركة في مهرجان طريق الحرير في الصين.

يقول حسن، وقد عاين تحسّن القراءة عند بعض الأطفال من المشاركين في الفرقة ومرافقتها لبيوت الأطفال لحل مشاكلهم: «جولييت ما بتفرق معها وين بدها تشتغل، عندها رسالة، وبدها تعمل من هذول الأطفال إشي».

أعضاء في فرقة الفينيق المسرحية.

لا تقبل جولييت بأي عمل يعرض عليها إذا ما مسّ ثوابتها الوطنية كما تقول، مثل قضية التطبيع مع «إسرائيل»، أو إذا مس العمل أمن دولة عربية: «كلنا نسعى للسلام وحرية الإنسان والحوار مع الآخر، [لكن] من هو الآخر؟ التعريف يجب أن يكون واضح تمامًا». ولهذا رفضت من قبل العمل مع المخرج التونسي شوقي الماجري في مسلسل الاجتياح (2007)، الذي تناول مجزرة مخيم جنين والمقاومة فيها، بسبب تصويره لعلاقة تجمع مقاومًا فلسطينيًا بامرأة إسرائيلية، إضافة إلى تنميطه النساء الفلسطينيات في بعض المشاهد: «أعمل المقاوم والفدائي بيحب يهودية ويتجوز منها؟ لما أنا حاطط النساء الفلسطينيات والأمهات قاعدات بيقوّروا كوسا، مبلشين ببعضهم ناقر ونقير. وين أمهاتنا اللي قدموا آلاف الشهداء؟ بدك تقولّي هاي صارت شغلة حقيقية، بعرف هاي شغلة صارت من قبل، ما بعمّمها، وما بلوث صورة الفدائي أو الرمز اللي إحنا ما زلنا بحاجة إله».

لاحقًا شاركت جولييت مع الماجري في تجربته السينمائية الأولى من خلال فيلم مملكة النمل (2012)، الذي عرض أحوال أهل غزة تحت القصف الإسرائيلي والحصار المفروض عليهم.

تعتقد جولييت أن هناك أفقًا غير مستغلّ في الدراما العربيّة، وهو تحويل بعض الروايات العربية التي تناولت تحولات المجتمع العربي إلى دراما، مثل سلسلة روايات «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، التي تناولت في جزء منها تحولات المجتمع الخليجي، والسلطة فيه، ورواية النهايات التي تناولت الحياة الاجتماعية في بعض مناطق بلاد الشام.

درّست جولييت لفترة قصيرة في الجامعة الأردنيّة في قسم المسرح مواد الصوت والإلقاء. يقول حسام وليد (25 عامًا)، وهو أحد طلبتها في العام 2017، إن جولييت لم تكتفي بالساعات المحددة لها من قبل الجامعة، فتمضي في أحيان كثيرة ساعات إضافية لتقوية الطلبة الضعفاء. «الطلاب اللي بدهم شغل أكثر بيروحوا على بيتها بيتدربوا أكثر»، يقول وليد.

وفي بيتها بعمّان، حيث غطّت جدران صالة الضيوف لوحات أنجزها زوجها الممثل والكاتب جميل عوّاد، تجلس جولييت وتناقش جميل بالأعمال التي يشترك كلّ منهما فيها، كأنّ الصالة مختبر لفحص كل مشهدٍ من كل عمل جديد، «بالمناسبة أنا وجولييت نقاد قساة ضد بعضنا البعض، بتشوف دور بتقولي مثلًا يا جميل المشهد ما طلع زي الناس، مش هيك مستواك، ومرات أنا بكون إلي رأي بالمشهد أو بالحالة الفلانية ما كانت فيه بالمستوى».

جولييت عواد في صالون منزلها وخلفها لوحات زوجها جميل عواد.

تقترب مواقف جولييت وجميل السياسيّة، وتتطابق مواقفهما تجاه الأعمال من حيث قبولها أو رفضها، «عنّا موقف وطني، متمسكين فيه، أي شيء يمس الوطن، ضد الوطن، يجرّح في الوطن، فورًا بدون نقاش هذا مرفوض»، يقول جميل.

هذه الأيام، تسجّل جولييت عملها المقبل بعنوان «ذياب هبّاب الريح»، وفي فترة الاستراحة تبدأ دردشات جانبيّة تستهلّها على الدوام بكلمتها التي اعتاد كل من قابلها أن يسمعها منها: «إمي كيف حالك؟»، وتجيب بعدها على سؤال فيما إذا فكّرت يومًا بالهجرة إلى سوريا أو مصر بعد خفوت نجم الدراما الأردنية: «مش مع فكرة وين بتكون شهرتي بروح، أنا مع فكرة بيتي بحاجة إلي فلازم أكون في بيتي، مش مع إذا الوطن بيمر بمحنة أتركه وأهاجر، أنا مش مع الهجرة، مع أني سايكس وبيكو مش موجودة بعقلي ووجداني».

جولييت عواد تحمل صورةً من حفل زفافها، وصورة لزوجها الممثل والكاتب والمخرج الأردني جميل عواد.

وبعد نحو نصف قرن من التمثيل، تنظر جولييت لمسيرتها بعين الرضى، وتقول إنها لم تندم يومًا على ما كانت ترفضه من أعمال بسبب مواقفها السياسية، تقول: «المهم أحط راسي على المخدة وأكون مرتاحة»، مضيفةً أنها وجميل مرّا بفترة عصيبة قلّت فيها الأعمال المعروضة عليهما بسبب هذه المواقف، «ما بخجل أقولها، لما ضاقت علينا بعنا بعض الأشياء في البيت وسيارات، وفي فترة أسبوعين ثلاث أسابيع أنا وجميل عشنا على العدس. أنا ممكن ببساطة أقول لأ، رأس المال ما يشتريني كإنسانة تسعى للإنسانية ولمجتمع فيه عدالة وحرية تعبير وعقل حر».

  • الهوامش

    [1] ظلّت أرمينيا حتّى العام 1991 جزءًا من جمهوريات الاتحاد السوفيتي.

    [2] مفيد حوامدة، المسرح في الأردن، منشورات وزارة الثقافة، 1993، ص 28.

    [3] تأسس مركز هيا الثقافي سنة 1976.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك