تقاير ساخنة

حرية كوبا تبدأ من إنهاء العقوبات الأمريكية عليها

نشر هذا المقال للمرة الأولى بالإنجليزية في صحيفة الغارديان، بتاريخ 4 آب 2021.

كانت الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في كوبا بدايات تموز أول اضطرابات اجتماعية خطيرة منذ مظاهرات الـ«ماليكونازو» عام 1994، قبل 27 عامًا. اتسمت هاتان الفترتان بأزمات اقتصادية عميقة. كنت أعيش في هافانا في منتصف التسعينيات، وشهدتُ الظروف التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات: أسواق المواد الغذائية والمتاجر ورفوف الصيدليات الفارغة، والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، وتوقف الإنتاج والنقل. كانت هذه نتائج انهيار الكتلة الاشتراكية، التي شكلت حوالي 90% من تجارة الجزيرة.

وافقت الولايات المتحدة على قانون توريسيللي لعام 1992 وقانون هيلمز-بيرتون لعام 1996، لعرقلة العلاقات التجارية والمالية للجزيرة مع بقية العالم، مراهنةً على انهيار الاشتراكية الكوبية. وفي غضون ذلك، طُوّرت برامج «تغيير للنظام» معقدة ومتعددة الأوجه، من برامج مساعدة شعب-لشعب التي أقرها كلينتون، إلى «لجنة الولايات المتحدة من أجل كوبا حرة» التي أنشأها بوش. من منتصف التسعينيات وحتى عام 2015، خصص الكونجرس الأمريكي حوالي 284 مليون دولار لتعزيز الديمقراطية (الرأسمالية) في كوبا.

إن قصة نجاة الثورة الكوبية خلال العقود الثلاثة الماضية، رغم الصعاب، هي محور كتابي. في بعض المجالات، مثل التكنولوجيا الحيوية والبعثات الطبية العالمية، ازدهرت الثورة. لكن منذ العام 2019 ، بدأت الظروف التي تذكرنا بتلك «الفترة الخاصة» تعود إلى كوبا، كنتيجة مباشرة للعقوبات الأمريكية. نفّذت إدارة ترامب 243 إجراءً قسريًا جديدًا ضد كوبا، حيث منعت وصولها إلى التجارة والتمويل والاستثمارات الدولية، في وقت مُنح فيه رأس المال الأجنبي دورًا محوريًا في استراتيجية تنمية الجزيرة. وكانت النتيجة الحتمية والمقصودة نقص الغذاء والوقود والسلع الأساسية والإمدادات الطبية. وهكذا، في حين أن كوبا لديها لقاحات كوفيد-19، فإنها لا تستطيع شراء ما يكفي من الحقن لإعطائها، ولا شراء أجهزة التنفس الاصطناعي لوحدات العناية الحثيثة.

القيود الصحية الصارمة، التي فرضتها السلطات الكوبية ردًا على الجائحة، أعاقت قدرة الكوبيين على «حل المشاكل من خلال قنوات بديلة». وتستمر حالات الإصابة بكوفيد-19 في الارتفاع، ما يولد القلق بين الكوبيين، رغم أن معدلات الإصابة والوفيات لا تزال منخفضة مقارنة بالمنطقة. في كل منزل كوبي، يتناوب الناس على النهوض عند الفجر للانضمام إلى طوابير البضائع الأساسية. لا ينبغي إذن أن يتفاجأ أحد بوجود إحباط وسخط في الشارع الكوبي.

من الولايات المتحدة، حيث تحدث احتجاجات عنيفة، وعمليات قتل على يد الشرطة، وحيث حاول تمرد يميني قلب نتيجة الانتخابات، وصف بايدن كوبا بأنها «دولة فاشلة».

يلقي منتقدو كوبا باللوم على الحكومة في المصاعب اليومية التي يواجهها الكوبيون، معتبرين العقوبات الأمريكية ذريعة. هذا مثل إلقاء اللوم على شخص لعدم السباحة بشكل جيد بعد تقييده بالسلاسل إلى الأرض. إن الحصار الأمريكي على كوبا حقيقي، وهو أطول وأوسع نظام للعقوبات أحادية الجانب يطبق ضد دولة في التاريخ الحديث. هذا الحصار يؤثر على كل جانب من جوانب الحياة الكوبية.

في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 23 حزيران، أيّدت 184 دولة اقتراح كوبا بإنهاء الحصار الأمريكي المفروض عليها.* كانت هذه هي السنة التاسعة والعشرين التي يفوز فيها التصويت الكوبي. وادعى ممثل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، رودني هانتر، أن العقوبات «طريقة مشروعة لتحقيق السياسة الخارجية والأمن القومي والأهداف الوطنية والدولية الأخرى». كما وصفها بأنها «مجموعة واحدة من الأدوات ضمن جهدنا الأوسع تجاه كوبا».

كانت وسائل التواصل الاجتماعي أداةً رئيسية أخرى في السنوات الأخيرة في كوبا. في عام 2018، أنشأ ترامب فريق عمل لتعزيز «التدفق الحر وغير المنظم للمعلومات» إلى كوبا، تمامًا كما وسعت الدولة التسهيلات التي تمكن الكوبيين من الوصول إلى الإنترنت عبر هواتفهم. خلال هذا الصيف، تصاعدت حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، تتضمن مؤثرين وصناع محتوى يوتيوب، مقيمين في ميامي، يشجعون الكوبيين في الجزيرة على النزول إلى الشوارع. ورغم أن هذا قد يبدو عفويًا وغير متكلَّف، إلا تمويل وتنسيق الولايات المتحدة يقف وراءه.

في 11 تموز، كنت في هافانا أشاهد نهائيات كأس الأمم الأوروبية في منزل كوبي، عندما توقف البث بسبب إعلان من الرئيس ميغيل دياز كانيل. كان الرئيس قد ذهب إلى سان أنطونيو دي لوس بانوس، على مشارف العاصمة، حيث تحولت مظاهرة إلى أعمال شغب؛ ونُهبت المتاجر، وقُلبت سيارات الشرطة، وأُلقيت الحجارة. واندلعت احتجاجات متزامنة في عشرات المواقع في أنحاء الجزيرة. وفي ماتانزاس، حيث ارتفعت حالات الإصابة بكوفيد-19، كان هناك دمار واسع النطاق. أنهى دياز كانيل البث بدعوة الثوار للنزول إلى الشوارع، ولبى آلاف الكوبيين دعوته.

في هذه الأثناء، طلب رئيس بلدية ميامي من بايدن التفكير في شن غارات جوية على كوبا، بينما كانت هناك خطط غير مكتملة لأسطول بحري صغير ينطلق من فلوريدا. صَوّرت وسائل الإعلام الدولية معارضةً جماهيريةً لحكومةٍ غير كفؤة، واحتجاجات سلمية قمعت بعنف، ونظام يمر في أزمة، واعتمدت هذه الرواية على المبالغات والتلاعبات. وانتشرت الصور في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي لإظهار الاحتجاجات المناهضة للحكومة، والتي كانت في الواقع عكس ذلك. كما نُسبت صور احتجاجات في مصر واحتفالات رياضية في الأرجنتين إلى الاحتجاجات الكوبية في 11 تموز.

من الولايات المتحدة، حيث تحدث احتجاجات عنيفة، وعمليات قتل منتظمة ومأساوية على يد الشرطة، وحيث حاول تمرد يميني قلب نتيجة انتخابات 2020، وصف الرئيس الجديد جو بايدن كوبا بأنها «دولة فاشلة». وبحلول 30 تموز، كان قد فرض بالفعل عقوبات جديدة عليها، رغم وعود حملته الانتخابية بإلغاء هذه العقوبات.

منذ احتجاجات 11 تموز، سافرتُ في جميع أنحاء هافانا من أجل عملي. الاحتجاجات المهمة الوحيدة التي رأيتها في العاصمة كانت تلك المؤيدة للحكومة، بما في ذلك تجمع حاشد لـ200 ألف شخص في هافانا في 17 تموز. الكوبيون الذين أتحدث معهم يرفضون العنف والتدخل الأمريكي. إنهم واثقون أن الكوبيين يعرفون كيف يسبحون، لكنهم بحاجة إلى قطع قيود الحصار الأمريكي.

هيلين يافي هي محاضرة في الاقتصاد والتاريخ الاجتماعي في جامعة غلاسكو. نشر لها كتاب «نحن كوبا: كيف صمد شعبٌ ثوري في عالم بعد ــ سوفييتي»، 2020، و«تشي غيفارا: اقتصاديات الثورة»، 2009.

* الدولتان الوحيدتان اللتان صوتتا ضد القرار هما الولايات المتحدة و«إسرائيل»، فيما امتنعت كولومبيا وأوكرانيا والبرازيل عن التصويت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك