تقاير ساخنة

النيوليبرالية والإرهاب: مقاربات نقدية

تشارلوت هيث كيلي، كريستوفر بيكر وآخرون، دار روتليدج، 2016

يتوزع هذا الكتاب على مجموعة من الأوراق الأكاديمية البحثية السياسية والاقتصادية والثقافية، المقدمة من المشاركين والمشاركات في مؤتمر «النيوليبرالية والإرهاب/ النيوليبرالية كإرهاب»، والذي عقد في أيلول من العام 2014 في جامعة توتينهام ترينت، وذلك قبل نشر هذه الأبحاث في عدد خاص من مجلة «الدراسات النقدية للإرهاب» (Critical Studies on Terrorism). 

يقارب الكتاب ظاهرة اختلاط وتفاعل مشروع الدولة النيوليبرالية التي صعدت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مع مشروع دولة الأمن القومي التي صعدت بالطبع بعد هجمات 11 سبتمبر، لكي تتبلور لدينا لنا دولة هجينة قائمة على الأيديولوجية الأكثر شيوعًا حول العالم: النيوليبرالية السلطوية، حيث تقوم سياسات الإصلاح النيوليبرالية بدور مصادرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في الوقت نفسه الذي تقوم فيه سياسات الحرب على الإرهاب بدور مصادرة الحقوق السياسية والمدنية. وهنا تتخلى الدولة عن الأمن الإنساني والاقتصادي والصحي والغذائي والمائي، وتستبدله بعقيدة «أمن دولة» عدمية، متمحورة حول «غير المعروف» و«غير المؤكد» و«غير المتوقع».

تغدو الحرب أداة من أجل تمرير الأزمات الاقتصادية التي تنتجها الوصفات النيوليبرالية، وتعتمد عليها، وتؤدي بها إلى إعادة تشكيل وترتيب مؤسسات الدولة.

هذا الطابع الأساسي للحرب على الإرهاب يجعلها شبيهة بالنيوليبرالية، من حيث أنهما أزمةٌ مستمرة أو إنتاج مستمر للأزمات. حيث إن سردية الحرب على الإرهاب تقوم على أن «الهجمة المجهولة» قادمة لا محالة، وأن وقوعها يحوّلها إلى «هجمة معروفة» مرتبطة «بهجمة مجهولة» أسوأ قادمة لا محالة، وهكذا. وهنا تتساءل هذه الدراسات النقدية إن كانت هناك أي «نهاية» للحرب على الإرهاب. 

الجواب هو لا. ليس من مصلحة النيوليبرالية وطبقة رأس المال المرتبطة بها أن تنتهي هذه الحرب. بحسب التحليل الطبقي لعدد من دراسات هذا الكتاب فإن الحرب على الإرهاب هي فصل جديد وخطير من فصول الصراع الطبقي. حيث  تغدو الحرب أداة من أجل تمرير الأزمات الاقتصادية التي تنتجها الوصفات النيوليبرالية، وتعتمد عليها، وتؤدي بها إلى إعادة تشكيل وترتيب مؤسسات الدولة، وتعزيز تراكم الثروات والاستغلال، في الوقت الذي تَحول فيه هذه الأداة دون تحوّر تلك الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية طبقية حقيقية، تشكل تهديدًا وجوديًا لرأس المال. يحصل ذلك عن طريق صناعة «العدو الكوني» المستقبلي المبهم، لخلق منظومة قيمية وهمية، وإطار ثقافوي سلس، تستغل فيه طبقة رأس المال الدولة لمواجهة الجميع، بما يشمل الخصوم السياسيين والعمال والمهمشين، تحت حجة «الوحدة الوطنية» و«الوحدة الإنسانية» في مواجهة الإرهاب والتطرف. 

في المحصلة، يُطبّق هذا الكتاب الفرضية الأساسية للدراسات النقدية للإرهاب، القائمة على أن الإرهاب ليس فقط العنف الذي ترتكبه الجهات الفاعلة من غير الدول. وعلى هذا الأساس، تصبح النيوليبرالية وجناحها العسكري؛ الحرب على الإرهاب، وصدماتها الجماعية ضد الشعوب بحد ذاتها إرهابًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك