تقاير ساخنة

روح الإرهاب

جان بودريار، ترجمة بدر الدين عمر زكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010

تُقدّم أمريكا نفسها مركزًا للعالم، ونيويورك مركزًا لهذا المركز؛ فلمّا جرى تركيز العالم في برجي مركز التجارة العالمي التوأمين، استهدفهما الإرهابيون كأنما يستهدفون قلب هذا العالم ومعناه.

هذه باختصار قراءة جان بودريار لهجمات 11 سبتمبر في كتابه «روح الإرهاب»، الذي لا يرى فيه للهجوم حقيقة غير تلك. فبغض النظر عن أي مبررات أيديولوجية أو خلفيات عقائدية لمنفذيه، فإن مغزى الهجوم ينحصر في كسر المعنى الذي ينتجه النظام السائد؛ لا يرى بودريار في المسألة صدامًا للحضارات، وإنما رفض للنظام العالمي ورغبة في تدميره بتدمير مركزه.

كما يرى الكتاب الرغبة في تدمير هذا المركز مرتبطة بطبيعة المركز نفسه، فالإمبراطورية التي تُكرّس كل أشكال السلطة في مركز واحد، تخلق بذلك رغبة في تدميره وتدمير هذه السلطة؛ ولا ترتبط هذه الرغبة -بالضرورة- بالإسلام السياسي أو بضحايا هذه الإمبراطورية؛ بل يذهب إلى أن المنتفعين من هذه الإمبراطورية هم أيضًا متواطئون في أمنية تدميرها. 

تُقدّم أمريكا نفسها مركزًا للعالم، ونيويورك مركزًا لهذا المركز؛ فلمّا جرى تركيز العالم في برجي مركز التجارة العالمي التوأمين، استهدفهما الإرهابيون كأنما يستهدفون قلب هذا العالم ومعناه.

يرى بودريار أن السينما عبرت كثيرًا عن هذا الحلم، وأن أفلام الكوارث الطبيعية والخيال العلمي تمثّل هذا الحلم مغلفًا بغطاء من المؤثرات السينمائية. وأذكر كيف كنا، في عالم ما قبل 11 سبتمبر، نلعب لعبة الكمبيوتر «قُد وسُد» (Command and Conquer)، في نسختها التي تدور أحداثها ضمن حرب عالمية ما بين قوة مركزية عالمية تقودها الولايات المتحدة وتحالف الإرهاب الدولي، وتمنحك اللعبة حق اختيار أحد الفريقين ثم إذا انتصر فريق الإرهاب يصبح على اللاعب اختيار معلم من معالم الحضارة الغربية لتدميره، وأذكر أن تمثال الحرية كان من بين تلك المعالم. وكأن عالم ما قبل 11 سبتمبر كان يتأهب لهذه اللحظة ويحلم بها قبل أن يدركها.

وبحسب بودريار، فإن برجيْ مركز التجارة العالمي يمثّلان هذا العالم الحديث بأفضل ممّا تمثّله أي من المعالم الأخرى، لأنهما يمثلان النظام الاقتصادي العالمي ويُشبِهانه برسومه البيانية المُسْمَطة الخالية من أي جماليات أو قدرة على التعبير خارج الأرقام الباردة. ويصل إلى أن مأساة الذين ماتوا في انهياره لا تزيد عن مأساتهم في أن يعيشوا فيه، خاصة وقد دخلت الرأسمالية مرحلة احتكارية لم تعد تمثلها سماء نيويورك الممتلئة بالمباني المحتشدة والمتنافسة لترسم شكلا هرميًا، بل يمثلها ذلك البرج الذي يشق السماء عموديًا ويختزل النظام المالي فيما يشبه الرسم البياني أو بطاقة الكمبيوتر المثقبة. ثم لأنهما توأمان فكأنهما يقولان إنه ليس ثمة أصل، بل تعدد للرمز، ومن خلال هذا الرمز الذي لا يعكس إلا توأمه/ ذاته يكتمل إلغاء الأصل، ويكتمل بذلك احتكار البرجين للمعنى خارج النظام الذي منحهما ذلك المعنى، ويكتمل معه تمثيل البرجين للرأسمالية الاحتكارية. ولهذا، فإن سقوط البرجين يعني لبودريار أن سقوط هذا النظام العالمي حتمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك