تقاير ساخنة

عصر الغضب: تاريخ الحاضر

بانكاج ميشرا، دار آلان لين، 2017

درس ميشرا في كتاب «عصر الغضب» الحاضرَ وما يحدث فيه، من عودة العصبيات القوميّة والعرقيّة بقوّة للساحة، منطلقةً من إحساس عدم الرضا المنتشر بين الشعوب؛ عدم الرضا الذي استغله وأجّجه قادة بعض الدول «الديمقراطيّة» في العالم (ترامب في الولايات المتّحدة، وجونسون في المملكة المتّحدة، ومودي في الهند، إلخ)؛ وكلّ ما نتج عن ذلك من عنفٍ وعسكرةٍ إرهابيّة ضد أقليّات مسلمة أو يهوديّة أو كويريّة، وصلت في بعض الأحيان إلى إبادات ممنهجة أو متغافل عنها بعمد.

فما علاقة هذا الكتاب بعالم ما بعد 11 سبتمبر؟ يقول ميشرا في مقابلة أجراها قبيل صدور الكتاب: «لقد ارتكبنا [نحن المثقفين] انتحارًا فكريًّا بعد 11 سبتمبر، حين صرنا نفكّر في الإسلام بوصفه مُنتِجًا للعنف». حين تُصرّ النخبة المثقفة (خاصّة الغربيّة) على تبرير الحروب بلوم «العنف الإسلامي»، وحين تُبرّر العصبيّة ضد المسلمين بوصفها محاربةً للتطرّف والتخلّف مثلًا، لا بوصفها فوقيّة عرقيّة وثقافيّة ودينيّة؛ أو حين يُلام المهاجرون على الانهيار الاقتصادي بدل لوم تغوّل الرأسماليّة؛ أو حين يقع لوم انهيار المجتمعات الديمقراطيّة على ظهور دعاة التنوّع الاجتماعي والمساواة لا على تعصّب رافضي التنوّع؛ هذه الخطيئة المتعمّدة، هي بالذات الانتحار الفكريّ الذي يقصده ميشرا، الانتحار الذي نجد أحد أبرز أمثلته في الإسلاموفوبيا التي استشرت بعد 11 سبتمبر، والتي نرى اليوم عودتها -غير المفاجئة- بكلّ ثنائيّاتها الاستشراقيّة مع أحداث أفغانستان الراهنة.

إن دراسة حاضر العالم، من ناحية فكريّة على الأخصّ، لا بدّ أن تتعامل مع تاريخ الخطأ المستمر الذي يُصرّ على تشتيت الانتباه وإلصاق «السبب» بشيء خارجي.

إن دراسة حاضر العالم، من ناحية فكريّة على الأخصّ، لا بدّ أن تتعامل مع تاريخ الخطأ المستمر الذي يُصرّ على تشتيت الانتباه وإلصاق «السبب» بشيء خارجي. ليس هذا الكتاب دفاعًا عن الإسلام وصورته ولا هجومٌ على الغرب وتاريخه، ولكنّه كتابٌ يُوضّح بتفصيلٍ مدهشٍ أن أسباب العنف، أو الغضب وعدم الرضا، ليست محصورةً في ثقافة أو ديانة معيّنة. ما السبب وراء تغوّل الرهبان البوذيين في ميانمار وتحوّلهم إلى قادة للإبادة والتطهير العرقي؟ وماذا عن الدول التي تزعم ممارسة الديمقراطيّة (الولايات المتّحدة، والكثير من دول أوروبا، والهند «أكبر ديمقراطية في العالم»، والاحتلال الصهيوني «الديمقراطية الوحيدة في المنطقة») التي تمارس في الواقع التعصّب والإقصاء والإبادة، على النقيض من كلّ قيم التسامح والتنوّع التي تزعم أنها تمثّلها؟ إنّ الكتاب يوضّح أيضًا أنّ كلّ تلك الانتحارات الفكريّة الغربيّة هي مجرّد امتداد لماضٍ حرص الغرب بالذات على تعقيمه؛ فالعنصريّة لم تظهر اليوم فجأة في الولايات المتحدة مثلًا، العنف العسكري الذي يُغرق دولًا كاملة في الدماء ليس شيئًا استثنائيًّا أو اضطراريًّا بالنسبة لقوى الغرب الكبرى.

إن كتاب ميشرا هذا مهمٌّ جدًّا، فهو لا يتغافل عن المشكلات أو يستمر في خلق ثنائيات، وإنما يكشف هذه الخطايا الفكريّة ويستقصي جذورها، لعلّ ذلك يُجنّب بعض «المثقفين» الانتحار فكريًّا مرّة تلو الأخرى، ولعلّه أيضًا يساعدنا نحن القراء على إدراك تلك الانتحارات دون القفز من فوق الحافة وراء أصحابها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك