تقاير ساخنة

نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط: تحليل ظاهرة توظيف الدين في السياسة الدولية

جورج قرم، ترجمة سلام دياب، دار الفارابي، 2014

يحاول الكتاب تقديم مقاربةٍ جديدة لتفسير الحروب والصراعات التي أسّست لزخمها هجمات الحادي عشر من سبتمبر. إذ يحاول الكاتب قراءة هذه النزاعات بقواعد العلوم السياسية الكلاسيكية، أي الخالية من كل اعتبار ديني أو عرقي، أو ما أسماه المؤلف «التعصّب الحضاري»، مقترحًا أدوات جديدة لفهم هذه الحروب تحت عنوان المقاربة الدنيوية للصراعات. حيث تقوم على تحليلٍ تتضافر فيه عوامل أسباب نشوئها بعيدًا عن الاختزال. يميل هذا التحليل الدنيوي إلى الاختفاء من حقل المعارف الأكاديمية، التي تطغى عليها بشكلٍ خاطئ تحليلات عودة الدين والعرق والثقافوية. مؤكدًا على أن قضايا الدين والثقافة والحضارة -التي غالبًا ما يتم التذرّع بها- ليست سوى بقايا أسباب الصراعات.

وفقًا للمؤلف، تتطلّب الصراعات التي نسميها بالجيوسياسية التبرير لجعل العنف والدمار الذي تزرع بذوره مقبولًا. ويضيف بأنه لا يمكن لحرب أن تندلع إلا عندما يعتبر هذا الطرف أو ذاك أنه أقنع رأيه العام بضرورة إعلان الحرب. 

وعليه، تميّزت الألفيّة الجديدة باستخدام مكثّف للأيديولوجيا والدعاية والتضليل، عبر التذرّع بـ«قيم» ذات طبيعة استعلائية كالديمقراطية وحقوق الإنسان، يجب حمايتها ونشرها. فالتقدّم الذي أحرزته وسائل التواصل الإعلامية، وبدل أن تساهم في نشر تحليلات تتّسم بالتنقيب والموضوعية، أدت إلى انتشار أفكار تبسيطية ومعبئة هادفة إلى تبرير الصراع. 

تميّزت الألفيّة الجديدة باستخدام مكثّف للأيديولوجيا والدعاية والتضليل، عبر التذرّع بـ«قيم» ذات طبيعة استعلائية كالديمقراطية وحقوق الإنسان.

ويشير الكتاب إلى أنه، في السنوات التي تلت أحداث سبتمبر، اتّخذ خطاب شرح أسباب النزاع لهجة جوهرانية تحيل الحروب لعوامل أنثروبولوجية ودينية وعرقية. ويعلّق المؤلف على هذه اللهجة بأنها تبرير ذاتي للصراعات. فبدل استعراض الحروب كنتيجة لأطماع ومصالح قوى مادية، تُستعرض كضرورة لا مفرّ منها للحفاظ على كينونة منزّهة وثابتة تتجسّد خلالها قيم ما، أو تبرّر الحرب لتدمير كينونة أخرى مؤذية تهدد الحفاظ على السلم العالمي. حيث يستذكر المؤلف هنا تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي قدّم في أيلول من العام 2005، تحت عنوان «المزيد من الحرية»، وهو وفقًا للمؤلف بمثابة صياغة شكلية لعقيدة جورج بوش في تصوير الإرهاب الإسلامي على أنه أكبر خطر يهدد البشرية.

يتطلّب النهج السياسي الدنيوي الذي يقترحه الكتاب، معالجة الحروب والصراعات عبر استعراض حزمة عوامل متعددة. حيث يبدأ باستعراض العامل الديموغرافي، مشيرًا إلى أن عامل الانخفاض والغزارة السكانية يلعبان دورًا رئيسيًا في الغزو والاستعمار، لينتقل إلى العامل الاقتصادي عبر الاستيلاء على الموارد والثروات المادية والسيطرة على الطرق التجارية. ويعطي الكاتب أهمية للعامل الجغرافي، ملاحظًا مفارقة تكرار لفظ الصراعات الجيوسياسية بينما نادرًا ما ينظر المحلّلون إلى الخريطة عند تفسيرهم للحروب. 

يتوسّع الكاتب في تفصيل عامل أطلق عليه «ازدراء التاريخ»، إذ ينظر للبلدان الرازحة تحت الحروب على أنها بلا تاريخ ولا تعرف التغيّر التاريخي فهي بلاد جامدة تعاني عطبًا وعيوبًا أنثروبولوجية تُفسّر انفجار أشكال العنف فيها. ثم يتحدث عن الحنين الأوروبي نحو الشعور الطبقي والخصوصيات الإثنية والشعور بالنبالة، وهو ما أسماه «انبعاثًا للأفكار الأرستقراطية والسلطوية»، ليختم حزمة العوامل بالعودة لنظريات المؤامرة وتفاقم أزمة الهوية التي أدّت لها العولمة الاقتصادية وتزايد التفاوت الطبقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك