تقاير ساخنة

تلقيت جرعتي لقاح كوفيد-19، ثم ماذا؟

منذ مطلع العام الحالي انطلقت حملات التلقيح ضدّ كوفيد-19 حول العالم، حتى فاقت نسبة الملقحين بالكامل حتى الآن 32%. واستمرّ بالتزامن مع ذلك سباق تطوير عشرات اللقاحات وترخيص استخدامها، كما استمرت تحورات الفيروس بالظهور والانتشار في كل مكان.

وفي الوقت الذي لم توفّر فيه معظم دول العالم الجرعة الأولى من لقاح كوفيد-19 لمواطنيها، تفكر أقلية من الدول في تقديم جرعات معززة من اللقاحات. ويدور نقاش عالمي واسع حول الحاجة لجرعة ثالثة وفعاليتها، واستمرار فعالية اللقاح بعد شهور من الحصول عليه، بالإضافة إلى أولويات التلقيح اليوم، وأهمية تلقيح الأطفال من عدمها.

إلى متى تستمر فعالية لقاحات كوفيد-19 المختلفة بعد الجرعة الثانية؟

ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال، إذ ما تزال فعالية اللقاحات المختلفة قيد الدراسة والبحث، كما تؤثر العديد من العوامل على نتائج هذه الدراسات، مثل عدد المشاركين وتوقيت الدراسة وصحة المشاركين.

تقاس فعالية اللقاحات المختلفة إمّا عبر قياس مستويات الأجسام المضادة، أو عبر قياس الخلايا التائية. لكن يعتقد أنه من الصعب حساب انخفاض التأثير الوقائي للقاح، إذ تنخفض الكمية الإجمالية للأجسام المضادة الارتباطية[1] بسرعة نسبيًا بعد الجرعة الثانية،[2] وهذا يرتبط بالمستوى العام للحماية التي يعطيها اللقاح، لكنه لا يقيس الأجسام المضادة المعادِلة[3] التي تثبط الفيروس.

أمّا الاستجابات المناعية الخلوية فتدوم لفترة أطول، وهي التي تلعب الدور الرئيسي في الحماية من المرض. توفر خلايا الذاكرة البائية، التي يمكنها نشر المزيد من الأجسام المضادة بسرعة في حالة إعادة التعرّض للفيروس، وكذلك الخلايا التائية، التي يمكنها مهاجمة الخلايا المصابة بالفعل، مقياسًا إضافيًا للحماية في حال تسلل فيروس سارس-كوف-2.

أشارت توقعات في وقت سابق من هذا العام، بالاستناد إلى نتائج تجارب اللقاحات المنشورة وبياناتها، إلى أن أولئك الذين تم تلقيحهم بالكامل ضد كوفيد-19 سيفقدون ما يقرب من نصف الأجسام المضادة الدفاعية كل 108 أيام تقريبًا، وبالنتيجة فإن اللقاحات التي أظهرت في تجاربها حماية بنسبة 90% ضد الحالات الخفيفة من المرض قد تكون فعالة بنسبة 70% فقط بعد مرور ستة أو سبعة أشهر.

ووفق بيانات أولية من المملكة المتحدة، فإن تراجعًا ملموسًا في فعالية اللقاح ضد دخول المستشفى والوفاة حدث بعد حوالي 20 أسبوعًا من تلقي لقاحات فايزر بيونتك وأسترازينيكا، رغم أن التأثير كان أكثر وضوحًا عند الأكبر سنًا والذين يعانون من حالات صحية. كما أشارت بيانات من قطر إلى أن لقاح فايزر بيونتك وفر حماية عالية ضد الحالات الخطيرة من كوفيد-19 لمدة تصل إلى ستة أشهر بعد التلقيح، وانخفضت فعالية اللقاح ضد العدوى الخفيفة أو العدوى عديمة الأعراض تدريجيًا.

هل هناك حاجة إلى جرعة ثالثة من لقاحات كوفيد-19؟

تفرّق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بين الجرعة الإضافية والجرعة المعززة، إذ تشير الجرعة المعززة إلى جرعة إضافية من اللقاح، تُعطى لشخص حصل على لقاحه بشكل كامل وبنى حماية كافية بعد التلقيح، ثم تضاءلت المناعة بمرور الوقت. وسيجري إعطاء الجرعة المعززة من لقاحات موديرنا وفايزر بيونتك في الولايات المتحدة بدءًا من الخريف، بحيث يحصل الملقّحون على هذه الجرعة بعد ثمانية أشهر من تلقيهم الجرعة الثانية من اللقاح.

أمّا الحصول على الجرعة الإضافية من اللقاح، فيكون في الحالات التي لا يطور فيها المرضى الذين يعانون من ضعفٍ في المناعة حماية كافية، أو لا يبنون أي حماية على الإطلاق، عند تلقيهم جرعتيْ اللقاح لأول مرة. في هذه الحالة، يساعد الحصول على جرعة إضافية من اللقاح في بناء المزيد من المناعة ضد المرض. وهنا توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بالحصول على الجرعة الإضافية في حالات نقص المناعة، بعد 28 يومًا على الأقل من الانتهاء من الحصول على جرعتيْ اللقاح.

في الوقت الذي لم توفّر فيه معظم دول العالم الجرعة الأولى من لقاح كوفيد-19 لمواطنيها، تفكر أقلية من الدول في تقديم جرعات معززة من اللقاحات.

وكانت فايزر قد أعلنت الأسبوع الماضي اعتماد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الجرعة المعززة من لقاحها[4] للذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكثر، وللمعرضين لخطر كبير للإصابة بكوفيد الشديد من سن 18 إلى 64 عامًا، وللذين تتراوح أعمارهم بين 18 و64 عامًا وهم عرضة بشكل متكرر للإصابة بالفيروس بسبب ظروف عملهم. وبحسب فايزر فإن الجرعة المعززة يجب أن تعطى بعد ستة أشهر على الأقل من الانتهاء من جرعتي اللقاح الأساسيتين.[5]

بداية أيلول الحالي، أصدر المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC) تقريرًا خلص إلى أن الأفراد الملقحين بالكامل من عموم السكان ليسوا بحاجة ماسة إلى جرعة معززة، وأوصى التقرير بإعطاء الأولوية للذين لم يتلقوا بعد جرعتين من لقاحات كوفيد، «ينبغي إيلاء اعتبار خاص للنقص العالمي الحالي في لقاحات كوفيد-19، والذي يمكن أن يتفاقم أكثر من خلال إعطاء جرعات اللقاح المعززة».

في دراسة شملت مشاركين يبلغون من العمر 60 عامًا أو أكثر، وتلقوا جرعتين من لقاح فايزر بيونتك قبل خمسة أشهر على الأقل، وجدت أن معدلات كوفيد المؤكدة والحالات الشديدة من المرض كانت أقل بكثير بين أولئك الذين تلقوا جرعة معززة من اللقاح.

وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية قد صرح في آب الماضي أنه «لا يمكن قبول حصول البلدان التي استخدمت بالفعل معظم الإمدادات العالمية من اللقاحات على المزيد منها، بينما يظل الأشخاص الأكثر ضعفًا في العالم غير محميين».

محليًا، بدأ الأردن إعطاء الجرعة المعززة من لقاح كورونا للمرضى الذين يعانون نقصًا في المناعة نتيجة وجود حالات مرضية،[6] على أن يحضروا ما يثبت وجود هذه الأمراض لديهم. وبحسب وزير الصحة فإن لجنة الأوبئة ستدرس «الدليل العلمي» بشأن منح جرعة اللقاح الثالثة لجميع الفئات، لتخرج بتوصيات بشأنها قريبًا.

ما النقاش الدائر عالميًا حول تلقيح الأطفال؟

ظلّ الأطفال لفترة طويلة مستثنين من التلقيح مع وصول الدفعات الأولى من اللقاحات، نظرًا لأن التجارب السريرية على اللقاحات في البداية لم تكن تشمل الأطفال، كما كان يعتقد أن المرض أقل خطورة بينهم. لكن، ومع أن عدد الأطفال الذين يصابون بكوفيد-19 يظل أقل بالمقارنة بالبالغين، إلا أنه ما زال ممكنًا الإصابة بالفيروس ونقله، وحتى الإصابة بمرض شديد عند العدوى. ووفق مؤسسة مايو كلينك، فإن لقاح كوفيد-19 يمكن أن يقي الأطفال من الإصابة بالفيروس ونشره، وأن يحميهم من الإصابة بمرض شديد في حال تعرضهم للعدوى.

في ظل العودة إلى المدارس حول العالم، يمثل متحور دلتا شديد العدوى مصدر قلق بين أولئك الذين لم يتلقوا اللقاح، بما في ذلك الأطفال. وبحسب توصيات مستشفى هوبكنز فإن بعض الأطفال يمكن أن يصابوا بالتهابات حادة في الرئة، ويحتاجوا إلى دخول المستشفى، كما يمكن أن يعاني الأطفال أيضًا من مضاعفات مثل متلازمة الالتهاب متعدد الأجهزة التي قد تتطلب رعاية مركزة أو أعراضًا طويلة الأمد تؤثّر على صحتهم، ويمكن أن يتسبب الفيروس في وفاة الأطفال رغم أن هذا نادر الحدوث مقارنة بالبالغين.

مع أن عدد الأطفال الذين يصابون بكوفيد-19 يظل أقل بالمقارنة بالبالغين، إلا أنه ما زال ممكنًا الإصابة بالفيروس ونقله، وحتى الإصابة بمرض شديد عند العدوى.

في أيار من هذا العام وافقت وكالة الأدوية الأوروبية (EMA) على استخدام لقاح فايزر بيونتك للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عامًا. وكانت كذلك إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) قد منحت ترخيصًا طارئًا لاستخدام هذا اللقاح للأطفال ضمن نفس الفئة العمرية، وذلك بعد دراسة أجريت على 2200 طفل وأظهرت فعالية بنسبة 100% في هذه الفئة.

وفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها فإن الأطفال والمراهقين يتلقون نفس جرعة لقاح فايزر بيونتك التي يتلقاها البالغون، إذ ليس هناك متطلبات تتعلق بوزن المريض للحصول على اللقاح.

لا تتفاءل التوقعات بتحقيق نسب تلقيح عالية بين الأطفال، حتى بعد اعتماد اللقاحات لفئتهم العمرية. إذ تشير تجارب اللقاحات السابقة إلى أن الآباء والأمهات يميلون إلى الشك في اللقاحات الجديدة، ويتأخرون في إعطائها لأولادهم،[7] كما أن نسب التلقيح بين الأهالي أنفسهم ما زالت منخفضة في أماكن كثيرة من العالم، حتى في دول توافرت فيها اللقاحات.

وقد بدأت كوبا -كواحدة من أوائل الدول- في تلقيح الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين ضد كوفيد-19، باستخدام لقاح «سوبيرانا» الذي أنتجه معهد فينلي للقاحات في هافانا، بسبب الزيادة الحادة في أعداد الإصابات والوفيات الناجمة عن المرض بين الأطفال. وارتفعت الإصابات بين الأطفال في كوبا حتى تجاوزت 115 ألف إصابة منذ تموز 2020.

ومنحت السلطات التنظيمية في كوبا تصريح الاستخدام الطارئ للقاح في الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين و18 عامًا، للحصول على جرعتين من لقاح «سوبيرانا 2»، تليها جرعة واحدة من لقاح «سوبيرانا بلس» المعزز، بناءً على تجربة سريرية أجريت على 350 طفلًا تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أعوام و18 عامًا، وجاء في نتائجها أن نسبة 99.3% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أعوام و11 عامًا ونسبة 92.9% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 عامًا و18 عامًا، تطورت لديهم استجابة مناعية بلغت أربعة أضعاف مستوى ما قبل التلقيح. وقد أظهر اللقاح «آثار جانبية روتينية فقط ودرجة عالية من الأمان».

بدأت تشيلي في تلقيح الأطفال من عمر ستة أعوام فما فوق بلقاح سينوفاك، بناءً على دراسة نشرت في مجلة لانسيت وأثبتت أمان اللقاح وفعاليته في الأطفال من عمر ثلاث سنوات. كما تقوم الإمارات العربية المتحدة الآن بتلقيح الأطفال من عمر ثلاثة أعوام بلقاح سينوفارم الصيني، بناءً على «تجارب سريرية وتقييمات مكثفة» دون نشر نتائج هذه الدراسات، بعد أن عملت على تلقيح الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عامًا بلقاح فايزر بيونتك. 

وكان الأردن بدأ منذ تموز الماضي تلقيح الأطفال فوق 12 عامًا ضدّ فيروس كورونا، باستخدام لقاح فايزر بيونتك، وبموافقة ولي أمر الطفل، على أن يكون التلقيح اختيارًا بحسب وزير الصحة.

  • الهوامش

    [1] الأجسام المضادة الارتباطية هي الأجسام المضادة التي تكتشف عنها اختبارات الأجسام المضادة لكورونا المتعارف عليها، وتشير إلى ما إذا كان الجسم قد كَوَّن أي أجسام مضادة استجابةً لعدوى كوفيد-19 أو للقاح كوفيد-19. لكنها لا تشير إلى مدى قوة أو فعالية الاستجابة المناعية.

    [2] هذا ليس خللًا في لقاحات كوفيد-19، بل هي الطريقة التي تعمل بها اللقاحات.

    [3] الأجسام المضادة المعادلة هي بروتينات يصنعها الجهاز المناعي مسؤولة عن حماية الخلايا من مسببات الأمراض، يتم إنتاجها بشكل طبيعي في الجسم كجزء من استجابته المناعية، عن طريق العدوى أو التلقيح، تعمل على تحييد (معادلة) أي تأثير بيولوجي لمسببات الأمراض، أي يمكن القول إنها تعمل على «نزع سلاح فيروس كورونا». ويحدد الكشف عنها مدى فعالية الأجسام المضادة في التصدي للفيروس، للمساعدة في الوقاية من تكرار عدوى كوفيد-19.

    [4] هذه أول جرعة معززة تعتمدها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

    [5] كانت فايزر أعلنت في وقت سابق أن المرحلة الثالثة من التجارب السريرية الجارية على لقاحها أظهرت أن التلقيح يستمر لمدة ستة أشهر على الأقل بين الذين تم تلقيحهم بالكامل.

    [6] شملت هذه الحالات مرضى السرطان الذين يتناولون العلاج، ومرضى زراعة الأعضاء، ومرضى زراعة الخلايا الجذعية خلال العامين الماضيين، ومرضى عدوى نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) المتقدمة أو غير المعالجة، والمرضى الذين يتناولون علاج الكورتيزون بكميات كبيرة أو أدوية أخرى تثبط المناعة، ومرضى غسيل الكلى، ومرضى المناعة الذاتية مثل: التهاب المفاصل الرئوي، والحمى الذئابية، والتصلب اللويحي، والصدفية، والسكري من النوع الأول، ومتلازمة غيلان باري، بالإضافة إلى بعض الأمراض الوراثية.

    [7] لقاح الجدري على سبيل المثال تمت الموافقة عليه من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في عام 1995، ولم تصل نسبة متلقيه من الأطفال 34% حتى عام 2008.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك