تقاير ساخنة

قطر الصغرى الكبرى (1): الاقتصاد السياسي «للاستقواء بالأجنبي»

(هذا المقال هو الجزء الأوّل من سلسلة من ثلاثة مقالات، تنشر أسبوعيًا، تتناول دور مخاوف النظام القطري، الداخلية والخارجية، في صياغة سياسته الخارجية وعلاقاته الدولية)

في العقود القليلة الماضية، أثارت قطر جدلًا واسعًا حول سياستها الخارجية. وكان لدورها الفاعل في الربيع العربي، من خلال انتداب سياسات تدعم بالظاهر عملية «الانتقال الديمقراطي»، أثره على تهاوي العلاقات مع جارتيْها السعودية والإمارات، كما في محاولة العديد من القوى الإقليمية احتواء دورها.[1] يُثير الاطّلاع على الصحافة العربية والأجنبية الارتباك؛ فمن ناحية، تُتّهم قطر بكونها فاعلًا رئيسًا ضمن التحالف الأمريكي في المنطقة، وفي الوقت نفسه، تُتّهم بدعم «الإرهاب» وتقديم الدعم المعنوي والمالي لحزب الله وحماس والتحالف مع إيران وتركيا. وسبق أن تذمّر السيناتور الأمريكي جون كيري في 2009 قائلًا إنه: «لا يمكن لقطر أن تستمر في تسويق نفسها حليفة للولايات المتحدة يوم الإثنين وتقوم بإرسال الأموال إلى حماس يوم الثلاثاء».[2] 

هذا التموضع الإقليمي النشط جعل من قطر قوة إقليمية لها مكانتها. بل إنها وصلت في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إلى مصاف الدولة الأولى في الخليج، خاصة في إدارة العلاقة مع الإخوان المسلمين وفي الدفع باتجاه «انتقال ديمقراطي» وتغيير شكل وطبيعة النظام في كل من مصر وليبيا وسوريا. لقد أدت تلك السياسات إلى إغضاب العديدين، بل وجعلت من الأمير القطري السابق، كما الحالي، شخصًا غير مرغوب فيه في العديد من الأقطار، وقد ورد على لسان الأمير السابق قوله: «لا يرغب العديد من القادة بالتحدث معي».[3] 

تعود البلبلة التي تثيرها السياسة الخارجية القطرية إلى أن قطر ليست من الركائز التقليدية للشرق الأوسط، إلا أن الاطلاع على الأجندة السياسية الخارجية التي انتهجتها تُبرز أهميتها المتعاظمة.

لقد دعمت قطر الانتفاضات في العالم العربي إعلاميًا -باستثناء الثورة على النظام البحريني-، ودعت علانية إلى التنازل عن الحكم  والنقل السلمي للسلطة في ليبيا ومصر وتونس وسوريا واليمن. فساندت الثورةَ المصرية، وبثّت عبر قناة الجزيرة صورًا ومقابلات، وقدمت نطاقًا واسعًا من التغطية التي يقول بعض المحللين إنها ساهمت في سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حُسني مبارك. يقول عارف حجاوي، مدير البرامج السابق في الجزيرة: «كانت الجزيرة لتونس مرآة رأى الناس فيها أنفسهم».

كما قدّمت للمتمردين الليبيين الدعم المادي والعسكري؛ فألزَمت قوّاتها العسكرية بالحملة التي يقودها حلف شمال الأطلسي (الناتو) فأرسلت ست طائرات نفّاثة من طراز ميراج لدعم الغارات التي نفذها الحلف في ليبيا. وساعدت المتمردين بتبرّع قيمته 400 مليون دولار بهدف دعم اقتصاد ليبيا المحاصر. كما ساعدت في تسويق النفط الليبي وعملت وسيطًا نيابة عن ليبيا في سوق النفط الدولية. وبالتالي، ليس بمستغرب أن يرفرف العلم القطري عاليًا في بنغازي وطرابلس، حيث سيطر المجلس الوطني الانتقالي على آخر معاقل الزعيم الليبي السابق معمّر القذافي في العام 2012.

بتعبير آخر، ومن خلال الدعم الإعلامي للانتفاضات والتعاطي المواكب للحدث، ساهمت قطر في إضفاء الشرعية على الثورات في كافة أنحاء العالم العربي. وأصبحت الجزيرة، شبكة القنوات المموّلة من الحكومة القطرية، علامةً تجارية عالمية تنافس القوى الكبرى الأقدم والراسخة مثل بي بي سي، وسي إن إن، وغيرهما.

كما لعبت قطر أدوارًا حيوية كوسيط في النزاعات الطائفية اللبنانية، تمثّلت في اتفاقية الدوحة 2008، وجهود المصالحة بين حماس وفتح، وصراع جنوب وشمال السودان، ودارفور، والثورة اليمنية، واتفاقية نقل السلطة مع علي عبد الله صالح، والمفاوضات بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، بالإضافة إلى دورها في الضغط المستمر على بشار الأسد للتنازل عن السلطة من خلال إطلاق ودعم مبادرات الجامعة العربية، بما في ذلك تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، ناهيك عن مواصلة الدعم المادي والسياسي للحركات والتنظيمات المسلحة التي قاتلت النظام في سوريا. بالإضافة إلى العديد من الملفات الأخرى التي كان آخرها التقرّب من إيران ضمن سياسة عامة لمواجهة الحصار الرباعي الذي كان مفروضًا عليها. فكيف تلعب شبه الجزيرة الصغيرة هذا الدور، وما الذي يحفّز سياستها الخارجية، وما الذي يدفعها نحو تبني سياسات تبدو في ظاهرها مؤيّدة لعملية التغيير السياسي في العالم العربي، وهل تموضعها كقوة سياسية صاعدة يجعلها مختلفة عن قوى الخليج الأخرى؟

يمكن القول إن هذه الدولة الصغيرة تُعنى بثلاث مجموعات من القضايا. الأولى؛ أمن نظام آل ثاني وضمان استمرارية حكم الأمير الحالي، تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، خاصة في ظلّ تاريخ طويل من انقلابات القصر داخل الأسرة الحاكمة. والثانية؛ هي السلامة الإقليمية لشبه الجزيرة القطرية الناشئة عن الصراع التاريخي والتدخّل المستمرّ للسعوديين والإماراتيين في شؤون عائلة آل ثاني، وكذلك التنافس التاريخي مع حكّام البحرين، آل خليفة. والثالثة هي المخاوف من إيران ومحاولتها الهيمنة الإقليمية في الخليج، وترابط واتصال المصالح الاقتصادية القطرية مع تلك الموجودة في إيران كما هو واضح في حقل جنوب فارس للغاز المشترك بينها وبين إيران. يقول الباحث هيو إيكن: «ليس هناك الكثير في قطر ليدل على أنها بؤرة للتحريض السياسي. فهي دولة بحجم [ولاية] كونيتيكت، تحتل شبه جزيرة على شكل إبهام في الخليج الفارسي، محاصرة بين اثنتين من كبرى القوى في المنطقة (..) السعودية التي تحاذيها برًا، وإيران التي تُشارك قطر قوتها الاقتصادي من خلال أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم».[4]

تشكل هذه المخاوف جزءًا كبيرًا من السياسة الخارجية لقطر، إلّا أنها لا تفسر وحدها أدوات السياسة الخارجية المبتكرة التي استخدمتها قطر، وما زالت تستغلها، في سبيل الحصول على مكانة مهمة في المنطقة. لقد حيّرت قدرتها على أن تصبح فاعلًا حيويًا ومعترفًا به الكثيرين، ومن بينهم منظرو «السياسة الخارجية» للدول الصغيرة. تَعتبر النظريات التقليدية المتعلقة بالدول الصغيرة أن هذه الدول تفتقر للجوانب النموذجية للسلطة؛ وتَعدّها دولًا لا أثر لها في الشؤون الدولية. وتنص هذه النظريات على أن الجوانب التقليدية للسلطة كالحجم الديمُغرافي والحجم الاقتصادي والقدرات التكنولوجية والعسكرية هي، حصريًا، ما يمكّن الدول من لعب أدوار حقيقية في الشؤون الدولية. قطر دولة صغيرة بكل المقاييس، ويُقدّر عدد سكانها بنحو 330 ألف مواطن بالإضافة إلى 2.3 مليون من العمّال الأجانب والمُغتربين الذين يمثلون 95% من قوتّها العاملة، وناتجها المحلي الإجمالي صغير نسبيًا مقارنة بدول الحصار (باستثناء البحرين)، إذ بلغ عام 2019 حوالي 175 مليار دولار وفقًا لتقديرات البنك الدولي، كما أن جيشها صغير نسبيًا رغم الاستثمارات الضخمة في تطويره وتدريبه في العقد المنصرم.

وعليه، وفقًا للمعايير المحددة للدولة الصغيرة، لا يجب أن يكون دور قطر جوهريًا وهامًا وأساسيًا بالنسبة لحجمها الجغرافي والديمُغرافي والاقتصادي.[5] 

علينا تتبع سياسة قطر الخارجية من مُدخلات رئيسية، أولًا القيود التي تواجهها كدولة صغيرة في المنظومة الدولية، والاستراتيجية التي توظّفها للتغلب على الجوانب التقليدية للسلطة، خاصة افتقارها لقوّة عسكرية تستطيع حماية وجود الدولة وفضائها الاقتصادي، الحامي بدوره لعملية تراكم اقتصادي طبقي تعاظمت أهميته إثر اكتشاف حقول الغاز والاستثمار في قدرات تسييل وتصدير هذه الثروة، بالتالي سنبحث في القيود التي تواجهها قطر كدولة صغرى، وموقعها في المنطقة والنظام الدولي. ومن ثم سنبحث في استراتيجية قطر للتغلب على هذه القيود من أجل تحقيق أهدافها السياسية.

يمكن اختزال الاستراتيجيات التي تستند إليها قطر في سياستها الخارجية تحت مظلتين؛ الأولى استخدام قوتها الاقتصادية في إضفاء طابع خاص على قطر على الصعيد الدولي، أي التوسيم (Branding)، أمّا الثانية، فهي استغلال التوترات التقليدية في النظام الدولي، خاصة في العالم العربي ودول الجوار، لدفع أجندتها الخاصة والعمل كسمسار قوى، أي الوساطة والدبلوماسية. لكن لم تكتفِ قطر بهذه الأدوار المهمة والتي تُعزز من نفوذها، بل سعت في سياستها إلى الدفع باتجاه تشكيل أنظمة سياسية جديدة، متخذةً من لحظة الربيع العربي مسوّغًا للتدخل المباشر في العديد من الدول. تعاظُم دور قطر وتنافسها المُباشر مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أدى إلى مواجهة علنية ظهرت فيها جليًا قدرة قطر على احتواء أثر الحصار الذي فرض عليها عام 2017، بل وتحديه والوقوف بوجه السعودية والإمارات دون تغيير جذري في توجهاتها السياسية. بهذا المعنى، شكّل هذا الصمود في وجه الحصار لحظةً فارقةً في تاريخ الدولة الصغيرة، ليس فقط من حيث قدرتها على بناء هوية سياسية وسردية وطنية، ولكن لأن الصمود في مواجهة علنية ومفتوحة مع السعودية والإمارات لم يكن أمرًا ممكنًا في السابق.

اللعب مع القوى العظمى

لقد اعتمدت العلاقات الدولية في الشرق الأوسط بشكل أساسي على التعاملات المعقدة بين القوى العظمى والمحلية، بما في ذلك القوى الاجتماعية العربية المختلفة، ما بين تقليدية وحداثية. ترتكز المصالح الكبرى في المنطقة على عدة سرديات جغرافية واقتصادية، وبالطبع لا تخلو من السرديات الحضارية والدينية أيضًا. في العلاقة مع دول الخليج يتداخل النفط مع الأموال التي ينتجها هذا النفط مُشكّلًا لوحةً جعلت من الخليج والتحكم في مخارجه ومداخله، أي السيطرة على مجال الخليج الجيو-استراتيجي، الجائزة الكبرى التي سعت إليها القوى العظمى في أواسط القرن العشرين. وبينما كانت منطقة الخليج والعراق ذات أهمية، حتى بدايات القرن العشرين، لموقعها الذي يربط أوروبا بالهند، تحوّلت الأنظار منتصف القرن العشرين من الهند -بما تمتلكه من كتلة بشرية كبيرة وأسواق وتوابل وغيرها من المنتجات الزراعية- إلى الخليج بما يمتلكه من ذهب أسود. ولا يُمكن التقليل أبدًا من دور المستعِمر البريطاني والأمريكي في صياغة الواقع الحالي في منطقة الخليج برمتها، هذا الواقع الذي استند أساسًا على تحالف العائلات المتنفذة المختلفة -آل سعود وآل الصباح وآل ثاني وآل خليفة وآل زايد وآل قابوس- مع المستعِمر فيما يُمكن تسميته بمتلازمة «الاستقواء بالأجنبي» واستجلاب جبروته في حسم الصراعات الداخلية. وفي ذلك لا تختلف قصة نشأة قطر واستقلالها عن غيرها من دول المنطقة المُشكّلة لمجلس التعاون الخليجي أو في المنطقة العربية الأوسع.

ورغم تراجع أهميتها الاستراتيجية بعض الشيء، إلّا أن منطقتنا لا زالت تحظى بأهمية كبيرة في العالم، إذ لا تزال للطرق البرية والبحرية في المنطقة، أهمية في نقل البضائع خاصة من الخليج الفارسي إلى العالم، ومن شرق آسيا إلى أوروبا. بالإضافة إلى إن الإقليم يحوي أكثر من 64.5% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم.

منذ اكتشاف البريطانيين نفط المنطقة في عام 1905، اتخذت الصراعات الاجتماعية العربية الداخلية بعدًا استراتيجيًا، فحاولت القوى الإمبريالية توظيفها لصالحها بنجاح متفاوت. حينها، أدركت الإمبراطورية البريطانية، وتبعتها الإمبراطورية الأمريكية، أهمية المنطقة للاقتصاد العالمي. كان الاهتمام في البداية بالمنطقة تجاريًا بحتًا، وما لبث أن تحوّل إلى مظلة أوسع تتكون من ترتيبات أمنية واهتمام متزايد في الحفاظ على الوضع السياسي الراهن في دول الخليج.

دعت السياسة البترولية الوطنية لعام 1944، التي صاغتها وزارة الخارجية الأمريكية، إلى «الحفاظ على احتياطيات النفط في نصف الكرة الغربي» عن طريق «تقليص تدفّق المنتجات البترولية، قدر الإمكان، من موارد نصف الكرة الغربي إلى موارد نصف الكرة الشرقي (..) في الشرق الأوسط بشكل أساسي».[6] إن مدى الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة أعطى أيّ تطوراتٍ في الشرق الأوسط وزنًا إضافيًا. وكان الاهتمام بالنفط ينبع من عنصرين، تفوقه كسلعة مولّدة للطاقة على الفحم بما فيه سهولة نقله من مواقع استخراجه إلى الاقتصادات في أوروبا واليابان، ودوره في إضعاف الحركات العمالية في الشمال العالمي، أي في الهزيمة التي ستلحق عمال المناجم الفحمية في أرجاء العالم وخاصة في الشمال العالمي، فالنفط لا يحتاج لعمالة هائلة كما تحتاج عملية استخراج الفحم. الأهم من ذلك طبيعة وبُنية العلاقات التي نشأت حول السلعة، والتي بُنيت على ثلاثة عناصر؛ استخراج النفط في الخليج مقابل حماية عسكرية وسياسية توفرها القوى العظمى، وقدرة العائلات الحاكمة وطبقة رأس المال المرتبطة بها في الخليج على التحكم بالموارد المالية التي تنتجها عملية بيع النفط في السوق العالمي، وإعادة تدوير الأموال في الأسواق الأوروبية والأمريكية.

لقد ساهم الاعتماد على الدولار في تداولات النفط العالمية، واستثمار الطبقة الحاكمة الخليجية لأموال النفط في الأسواق الأوروبية والامريكية في تعميد الدولار عملة عالمية أولى. وبهذا المعنى، يساهم الخليج في صنع موقع ودور أمريكا، كما تساهم أمريكا في حمايته من العدو والخصم الداخلي والإقليمي.

لم تنتفض قطر على الخطوط العامة لعلاقة دول الخليج مع أمريكا ولم تخرج عنها، وما زالت تتعاطى معها ضمن الترتيبات ذاتها القائمة على الحماية العسكرية مقابل المساهمة الفاعلة في إعلاء موقع ودور أمريكا الاقتصادي والاستراتيجي، ليس فقط في المنطقة ولكن في علاقة أمريكا مع حلفائها وخصومها في العالم. بطبيعة الحال، ورغم اندراج سياسة قطر تحت هذه المظلة العامة، التي بُنيت في منطقها على الاستقواء بالأجنبي في عملية صياغة حظوظها في البقاء، إلا أن السياسات الخارجية لقطر دخلت في أطوار متعددة من العلاقات المركبة النابعة من حجمها وموقعها ومواردها وقدرتها على تعزيز بقائها، من خلال الحفاظ على العلائقية مع الدول الكُبرى وتوفير خدمات متعددة لها، أي في اجتراح تبادلية تخدم بقاءها واستمرارية عملية تراكم رأس المال في وعاء قطر «السيادي».

ساهم الاعتماد على الدولار في تداولات النفط العالمية واستثمار الطبقة الحاكمة الخليجية لأموال النفط في الأسواق الأوروبية والأمريكية في تعميد الدولار عملة عالمية أولى

تتلاقى استراتيجية قطر للبقاء مع استراتيجيات الدول الصغرى، وعلى رأسها؛ أولًا، أن الدول الصغرى يجب أن تكون قادرة على الوصول إلى درجة معيّنة من الحياة الطبيعية وعلاقات العمل مع جيرانها وتلك القوى التي يمكن أن تهدد قدرتها الاقتصادية حتى وإن كان على حساب سيادتها. ثانيًا، يجب أن تكون الدول الصغرى قادرة على التحالف مع دول أكبر وأقوى يمكنها توفير الحماية لها مقابل القوى الأخرى في محيطها. نجحت قطر أيضًا في بناء استراتيجية ثالثة يهيمن عليها التوسيم والدبلوماسية وشبكة من التحالفات، وقد تمكنت من توفير الخدمات الأساسية للمجتمع الأوسع والمنطقة والعالم من خلال بناء قوتها الناعمة التي تظهر «للغرباء بأنها أكثر فائدة ككيان مستقل بدلًا من الاستحواذ عليها».[7]

لم تجذب قطر الكثير من الاهتمام بعدد سكانها القليل وصغر حجمها وتهميشها التاريخي مقارنة بعُمان، وشبه الجزيرة العربية التي تهيمن عليها الآن المملكة العربية السعودية، أو حتى الكويت بجذورها التاريخية. في الواقع، كانت قطر والإمارات العربية المتحدة آخر دول الخليج العربي التي استقلت رسميًا عن المملكة المتحدة، وقد نالَ البلدان الاستقلال في أواخر العام 1971.[8] إلّا أن قطر، على غرار لبنان اليوم، وجدت نفسها تاريخيًا ساحة لصراع القوى الإقليمية. إذ تدخلت في شؤونها الدول المحيطة بها. وكما يقول المؤرخ المتخصص بشؤون الشرق الأوسط ألين فرومرز: «وحيث إنها تتمركز منتصف مثلث من الإمبراطوريات والسلطات المحتملة مع عُمان في الجنوب، وإيران في الشرق، والجزيرة العربية في الغرب، والبحرين الأكثر ثراءً والتي لا تكف عن محاولة لعب دور مُحرّك الدمى من الشمال، كان على قطر والقطريين دائمًا اتخاذ قرارات استراتيجية لحماية استقلالهم الهش».[9]

لقد تأثرت قطر تاريخيًا بالعداوات الإقليمية المختلفة المصممة إمّا على ابتلاع قطر أو الحفاظ على نتائج مواتية في الصراعات القطرية الداخلية بسبب أهمية موقع شبه الجزيرة الجغرافي. يضاف إلى هذا توافر عناصر هوياتية عابرة للحدود القُطرية متمثلة بعلاقات عائلية وعشائرية وأيديولوجيات قومية وإسلامية متعددة ومتنافسة، تستطيع من خلالها دول الجوار صياغة مسوغات الابتلاع أو القيام بعمليات تهندس موقع ودور وشكل النخبة السياسية في قطر، بما فيها الطبقة الرأسمالية الصاعدة فيها والقائمة على تراتبية المواطنين والمقيمن والعمال، وعلى الدخل المتعاظم المرتبط بالنفط والغاز.

باختصار، أتقنت قطر اللعب مع القوى العظمى في محاولة لتعزيز بقائها ومصالح عائلتها الرئيسية المتمثلة في آل ثاني. في الواقع، إن وجود قطر كدولة مستقلة هي قصة جديرة بالذكر بحد ذاتها. وقدرتها على صد القوى التوسعية الكبرى المحيطة بها هي على حد تعبير فرومرز: «واحدة من أكثر القصص استثنائية في تشكيل الدول في الخليج».[10] 

النفط والاستقلال والقواعد العسكرية: أبعد من شراء الولاءات

ترتبط القصة بشكل كبير وتتداخل مع صعود آل ثاني والوهابية ووصول البريطانيين كقوة مهيمنة في الخليج. دخلت بريطانيا العظمى المنطقة لحماية الشحن والتجارة مع الهند البريطانية وضمان المرور الآمن لمصالحها التجارية. وكما ذكر جيمس أونلي: «لقد نشأت المصالح البريطانية في شرق شبه الجزيرة العربية في الأصل بسبب الحاجة لحماية سفن الهند البريطانية ورعاياها في المياه العربية».[11] ولتحقيق ذلك، فرضت بريطانيا توقيع الهدنة البحرية أو معاهدات مكافحة القرصنة، والتي وقّعت عليها القبائل الرئيسية في إمارات الساحل المتصالح في العام 1820. ووافقت قطر ممثّلة بعبد الله بن جاسم بن محمد آل ثاني على الترتيب البريطاني في 1916، حيث تنازلت عن شؤونها الخارجية لبريطانيا، مع الحفاظ على استقلال محدود وزائف بحيث تدار شؤون قطر بالوكالة، وفي المقابل تضمن لها بريطانيا الحماية. وقد جرى توقيع ترتيبات مماثلة مع كافة مشايخ الخليج، بما في ذلك البحرين والإمارات العربية المتحدة وعُمان والكويت. وبالتالي، تأسست المحميات البريطانية في الخليج. وجود ترتيبات مع القوى العظمى كان أمرًا منشودًا للقادة المحليين والأسر البارزة لدرء أي تهديد من العائلات القوية في الدول المجاورة، وفي الوقت نفسه لتعزيز موقف عشائرهم وعائلاتهم تجاه القبائل والعائلات الأخرى، كلٌ في حدود المنطقة المسندة إليه.

إنّ نهضة آل ثاني بوصفها العشيرة الأبرز في قطر هي مثال على ذلك، حيث وظّف آل ثاني القوة البريطانية وتلاعبوا بالقوى الأخرى للمساعدة في تعزيز حكم الأسرة وتأمين استقلاليتها وتوسيع ولايتها. وكما يصف فورمرز: «لعب شيوخ آل ثاني بفاعلية على حبليْ المصالح البريطانية والعثمانية لصالح قوتهم ومكانتهم في قطر. إن الاستقواء بالغرباء لحماية موقفهم بات جزءًا من تقليد تاريخي طويل في الخليج».[12]

تماشى ذلك مع الاحتياجات البريطانية، وكان في البداية بغية تحقيق الحفاظ على أمن أعالي البحار، أمّا بعد اكتشاف النفط فأضحى تعزيز الانقسام السياسي المتمثل بنخب عائلية أو مشايخ متنافسة أمرًا جوهريًا في احتواء إمكانية صعود قوة سياسية عربية موحدة في شبه الجزيرة العربية، وبالتالي صعود قوة تستطيع توظيف النفط في اجتراح نموذج نهضة اجتماعية واقتصادية مستقلة تستطيع تهديد موقع كلٍ من بريطانيا والولايات المتحدة في المنطقة، وأبعد من ذلك. وكما يؤكد جياكومو لوسياني: «فإن الإجراء البريطاني الذي أوقف التوسع السعودي في الشمال (نحو العراق) والشرق (نحو إمارات الساحل المتصالح) تمليه بوضوح الرغبة في رؤية المنطقة مقسّمة إلى عدة دول متنافسة لتجنب التركيز المفرط للنفوذ والموارد في يد دولة واحدة».[13] بهذا المعنى، ارتبط بقاء قطر ككيان شبه مستقل ببريطانيا ودعمها لعائلة آل ثاني الحاكمة، ورؤيتها التي استندت إلى المقولة الاستعمارية الكلاسيكية، «فرق تسد». وقد التقت المصالح البريطانية بالصراعات المحلية.

خلقَ قرار بريطانيا الانسحاب من الخليج بحلول عام 1971 أزمة بين إمارات الساحل المتصالح التي كانت تخشى أن تبتلعها قوى إقليمية أخرى.

إن إنشاء اتحاد دول في نظام سياسي واحد عُرف فيما بعد باسم الإمارات العربية المتحدة هو في الأساس اقتراحٌ قطري. إلّا أن قطر سرعان ما انسحبت من المشروع وحافظت على استقلالها إلى جانب البحرين. وظلت قطر، مستقلة عن طريق الصدفة المحضة وبسبب الخلافات البسيطة حول طبيعة الترتيب الدستوري في الدولة الجديدة المُقترحة، والتي تمخض عنها قيام دولة الإمارات العربية المتحدة دون قطر. ومع ذلك، يجري الاحتفال باستقلالها الآن كدلالة على قوتها ومكانتها.

يساهم الخليج في صنع موقع ودور أمريكا، كما تساهم أمريكا في حمايته من العدو والخصم الداخلي والإقليمي.

إن القوة الدافعة في تاريخ قطر وفي العديد من المراحل التاريخية التي واجهتها هي فن التسوية، فقد أتقنت الوفاق والمساومة بدقة بين القوى الدولية؛ الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإيران والإمبراطورية العثمانية.[14] وبسبب افتقارها للتفوق العسكري، أو التكنولوجي، أو حتى الاقتصادي في غالبية تاريخها، استفادت قطر من فن التفاوض، والمبدأ المهيمن للبراغماتية، والبقاء قبل المغامرة. فقط في الملاذ الأخير قاتل القطريون كما حدث في عام 1892 مع العثمانيين. إن موازنة القوى العظمى هو تقليد مستمر حتى اليوم، حيث توازن قطر بين إيران والولايات المتحدة وبدرجة أقل بين الدول الوازنة في المنطقة على شاكلة السعودية والإمارات ومصر وتركيا و«إسرائيل».

أدى نهوض قطر كدولة مستقلة إلى عهد جديد من الديناميكيات بالعلاقة مع محيطها، أو في التوازنات الاجتماعية الداخلية. وقد ساهم إلى حد بعيد ارتفاعُ سعر برميل النفط -إثر الحظر الذي فرضته الدول العربية في العام 1973 ضمن سياسة عقاب الدول التي ساندت «إسرائيل»- إلى انتعاش اقتصادي. تدفّقَ المال إلى الإمارة الصغيرة وتمكّنت الأسرة الحاكمة من شراء الولاء للدولة وبالتالي للعائلة، بل تمكّنت بحسب آدم هنية من شراء طبقة التجار برمتها، وتحويل تلك الطبقة لأحد مكوّنات الرأسمال القطري الحديث.[15] 

لقد مكّنت الطفرة النفطية قطر من أن تصبح دولة ريعية بالدرجة الأولى مع طبقة رأسمالية متنفذة، مستغلة مواردها لتحويل أحد أفقر البلدان إلى إحدى أعلى الدول من حيث الناتج المحلي الإجمالي المعادل للقوة الشرائية في العالم. وعلى غرار تاريخ ازدهار صناعة اللؤلؤ وتطوّرها في وقت لاحق، يغذّي النفط والغاز شرعية العائلة الحاكمة القطرية ويسمح لها بالتهرب من الانقلابات الداخلية المحتملة من قبل القبائل الرئيسية الأخرى في شبه الجزيرة القطرية.

أضحى الشاغل الرئيسي لثنائية الطبقة الرأسمالية الخليجية والقوى الاجنبية مرتبطًا إلى حد بعيد بأمن احتياطيات النفط، والعلاقة المالية المنفعية المتبادلة بين الطبقة المحلية والقوى الخارجية والتي تم اجتراحها في أواسط القرن الماضي. وبناءً على هذا يُمكن القول إن الطبقات الرأسمالية المتشكّلة من العائلات الحاكمة والعائلات التي تمتلك نفوذًا واسعًا في الاقتصادات الخليجية والدول العظمى تلعب على تناقضات بعضها، أي أن التلاعب ليس أحاديًا ولا يشكل فيه العربي فقط موضوعًا للتلاعب، بل يتضمن أيضًا تلاعب تلك الطبقات بالتناقضات ما بين الدول الكبرى ومصالحها المتعددة والمتباينة. بهذا المعنى، من الضروري إيلاء أهمية للتشكلات الاجتماعية الصاعدة في الخليج ولتشكّل طبقة رأسمالية فاعلة معنيّة بالفضاءات القُطرية لأسباب ترتبط بالإبقاء على التراتبية الاجتماعية -مواطن ومقيم وعامل- وما تعنيه من استمرار عملية التراكم الربحي المرتبط بالموارد الطبيعية على شاكلة النفط والغاز. من هذا الباب، ينبع الاستقلال في قطر وغيرها من دول الخليج والسياسات الخارجية لتلك الدول أساسًا من الحفاظ على هذه الأقطار كموقع لعملية التراكم.

يشير آدم هنية في كتابه «الرأسمال والطبقة في الخليج» إلى أهمية الطبقة وعلاقة الطبقة بعملية صياغة الاقتصاد السياسي للخليج العربي. بتعبير آخر، يحاول هنية من خلال نقده المُمنهج لنظريات «الدولة الريعية» إعادة الاعتبار لدور رأس المال وعلاقته بالمؤسسة الحاكمة ودورها في إنتاج التشكيلات الاجتماعية في الخليج، بما فيها من هرمية اجتماعية ترتبط مثلا بسلّم العمالة (نظام الكفالة) أو في عملية استجلاب العمالة من دول الجوار، وفي المصالح التي تحاول تلك الطبقات حمايتها والشبكات الاقتصادية الناتجة عنها وبالتالي بقبول تلك النخب لشروط التراكم المتمثلة بالعلاقة الوطيدة مع الحماية العسكرية الأمريكية.[16] 

ما يطرحه هنية يساهم في تفكيك النظرة الأحادية للدول الخليجية والتي تستند على شراء الولاءات في عملية بناء شرعية السياسية الداخلية، أو في تناول تاريخ تشكل الدولة في الخليج فقط من زاوية التدخل الغربي، فتلك القراءات لا تتعاطى بجدية مع نشأة الطبقة في الخليج وما عنته من تحول سريع طال مجتمعات فقيرة لم تمتلك في الماضي هذا النمط من الاستقطاب الطبقي. بهذا المعنى مثلًا تعبّر سياسات قطر الخارجية عن التنافس المطرد بين الرأسمال القطري الصاعد والرأسمال الخليجي السعودي والإماراتي، هذا التنافس، الذي أشعلته حقول الغاز الكبرى التي تم اكتشافها في قطر، يساهم في فهم عملية «التشويش» والخروج عن «الصف» التي تقوم بها قطر في علاقتها مع الإمارات والسعودية في الحاضر وعزوفها عن ذلك في الماضي. فمن جهة، تحوّلت قطر الصغيرة إلى مُصدر رئيسي للغاز الطبيعي في العالم، وأحد أهم المصدرين خاصة إلى شرق آسيا، ولكن وجود هذا الكم الهائل من احتياطات الغاز الاستراتيجي يعني أيضًا أن قطر التي كان ينظر إليها أنها «فقيرة» أصبحت فضاءً جاذبًا لمطامع جيرانها. بهذا المعنى تحديدًا احتاجت قطر إلى حماية ما تجنيه الدولة من رأسمال أمام التوغل المحتمل لجاراتها؛ السعودية والبحرين والإمارات وإيران، ناهيك عن العلاقة بين الطبقة والعائلة الحاكمة، ما بين الدولة وكون الدولة امتدادًا لأهواء العائلة الحاكمة التي تحكمها العديد من الموازنات الاجتماعية والسياسية والطموح الشخصي لأفراد داخلها.

كان للولايات المتحدة، باعتبارها القوة الرئيسية في الخليج منذ سبعينيات القرن العشرين، وخاصة في ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها، مصلحتان رئيسيتان في المنطقة، ما تزالان حيويتين لأمنها وصحة واستقرار النظام الاقتصادي العالمي. الأولى أمن احتياطي النفط، بما في ذلك إمدادات النفط دون انقطاع للأسواق العالمية، والثانية حرمان أي قوة محتملة دولية أو إقليمية من هذه الموارد، وخاصة الاتحاد السوفيتي إبّان ذروة الحرب الباردة. إن هذيْن العاملين إضافة إلى أمن «إسرائيل»، عوامل جرى تعميدها على أنها الثالوث المقدس للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وفقًا للسفير الأمريكي السابق مايكل هدسون، فإن هذه الأهداف المتناقضة في كثير من الأحيان كانت غير قابلة للمساومة، إذ يكتب: «نصف قرن من المشاركة الإقليمية من جميع النواحي -من خلال الدبلوماسية، والمعونة، والثقافة، والتعليم، والتجسس، والتخريب، (ولا سيما) استعراض القوة العسكرية- قد ضمن «الثالوث المقدس» للمصالح الأمريكية: إسرائيل والنفط ومعاداة الشيوعية».[17]

وجود قطر كدولة مستقلة وقدرتها على صد القوى التوسعية الكبرى المحيطة بها هي: «واحدة من أكثر القصص استثنائية في تشكيل الدول في الخليج».

في ظل الدور الحيوي الذي لعبته التيارات العروبية واليسارية في العالم العربي حتى ثمانينيّات القرن الماضي بدعم من الاتحاد السوفيتي، حاولت أمريكا القيام بعملية توازن توائم ما بين مصالحها الحيوية في الخليج، ودعمها المطلق لـ«إسرائيل»، والذي كان وما زال قضية مُحرجة للنخب الحاكمة في الخليج، ونقطة ارتكزت عليها تلك التيارات في نقد دول الخليج وعلاقاتها الخارجية. وبروح الاستقرار الإقليمي والقتال في الحرب الباردة، أحالت الولايات المتحدة الأمن إلى ما يسمى بركائز القوة الرئيسية في الشرق الأوسط، إذ جرى ترقية إيران والمملكة العربية السعودية لتأدية هذا الدور الخاص من قبل الولايات المتحدة ومن قبل نيكسون ومستشاره للسياسة الخارجية هنري كيسنجر.

كانت أمريكا بالفعل مترددة في استبدال القوة البريطانية في المنطقة، في الواقع، عندما زار أمير قطر الولايات المتحدة في عام 1968 قيل له إن الولايات المتحدة «ليس لديها أي خطط للقيام بالدور الخاص الذي كانت المملكة المتحدة قد تولته في السابق».[18] أرادت أمريكا التي تورطت في حرب فيتنام الدامية والمكلفة أن تتجنب أي التزامات غير ضرورية.

تطوّرت هذه السياسة إلى حضور أكبر وأكثر استباقية في الخليج نتيجة لحدثين مترابطين. الغزو السوفيتي لأفغانستان والتهديد الذي مثّله للهيمنة الأمريكية في المنطقة، والذي بلغ ذروته في عقيدة كارتر. وكذلك الغزو العراقي للكويت وما تلاه من مجابهة فجرها صدام حسين مع القوة الأمريكية. دعمت قطر الوجود الأمريكي الكثيف ورحبت بالوجود العسكري الأمريكي في أراضيها. تأسست قاعدة العُديد العسكرية عام 1999، وهي أكبر قاعدة جوية أمريكية في الخليج ومقر القيادة المركزية للولايات المتحدة، وبرزت حاجة أمريكا إلى قاعدة لعملياتها العراقية بعد أن ترددت السعودية في إبقاء قاعدة جوية دائمة بسبب الوضع الخاص للمملكة العربية السعودية بوصفها أرض الحرمين الشريفين. ووجود قاعدة أمريكية دائمة في السعودية كان سيثير غضب الكثير من السعوديين، وهو الموضوع الذي أشار له تنظيم القاعدة في انتقاده لقيادة المملكة العربية السعودية، لكن في المقابل كانت الولايات المتحدة حريصة على إبقاء قاعدة جوية لها في منطقة الخليج، وهنا قدم أمير قطر المحنّك مخرجًا من المأزق.

أقرّ الشيخ حمد أراضٍ قطرية للقاعدة ممّا وسّع علاقة الإمارة الصغيرة بالولايات المتحدة ورفع من مكانتها في نظر المخططين والدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين. بل إن قطر موّلت بناء القاعدة وقدّمت 400 مليون دولار لتحديث منشآت القاعدة في 2003، مما يدل على مصلحتها الخاصة في الحفاظ على هذه القاعدة وتوسيعها لتصبح جزءًا أساسيًا من التخطيط العسكري الأمريكي، وهذا ينبع من الفهم القطري بأن وجود قوات أمريكية على أرضها سيحرسها ضد أي هجمات محتملة من السعودية وإيران. بالطبع لا تختلف استضافة قاعدة تركية مشتركة والتسريع في توسعتها وتمويلها عن الضمانة التي تشكلها العُديد، فهي ضمانة إضافية في ظل التقلب السياسي في واشنطن والتقارب السعودي-الاماراتي-الأمريكي الذي عقب دخول الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض.

الجيران الألدّاء: البحرين والسعودية وإيران

اضطرت قطر مرارًا للقتال من أجل استقلالها ضد السعوديين الذين لطالما طالبوا بشبه الجزيرة بأكملها أو أجزاء منها، أو لعبوا أدوار تشجيعية وتحريضية في تأجيج بعض النعرات الهوياتية للعشائر العابرة للحدود ضد حُكام قطر. في العام 1923، بلغ المقدم تريفور، المقيم السياسي البريطاني للخليج، حد القول: «أعتقد أنه سيكون من المؤسف إذا اختفت قطر ككيان منفصل. من وجهة نظرنا، من الأنسب وجود حكام للمناطق الساحلية على الساحل، إلا أنني لا أرى أي وسيلة عملية لمنع الاختراق السلمي للبلاد من قبل أتباع الإخوان وبن سعود».[19]

لم تكن قطر دومًا تحت حكم آل ثاني، وكان لآل سعود وآل قابوس وآل خليفة أدوار تاريخية مختلفة في تطويع شبه الجزيرة القطرية وتغيير حكامها، أو في بسط نفوذ سياسي وسيادي عليها. في بدايات القرن التاسع عشر، انتقل حكم قطر من يد رحمة بن عذبي الجلاهمة، الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع سعود الثاني بن عبد العزيز بن محمد آل سعود، إلى آل خليفة، بسبب معارك خاضتها العائلة مع حكام مسقط، قبل أن ينتقل آل خليفة إلى البحرين. وكان القرن الثامن عشر تحديدًا قد شهد تقلصًا للدور العثماني في الجزيرة العربية، وتعاظم الصراعات المتعددة بين العائلات على مناطق النفوذ التي أفضت بالنهاية إلى صعود آل ثاني كحكام لشبه الجزيرة القطرية على حساب عائلات أخرى.

يذكرنا هذا التاريخ المتقلب والمتعاقب من الحكام والتدخلات السياسية المرتبطة بمنظومات عائلية وعشائرية بطبيعة الصراعات التي ما زالت تلقي بثقلها على دول الخليج وعلى شكل التنافس العائلي الذي أصبح يتخذ أبعادًا استراتيجية لأهمية المنطقة الجيو-اقتصادية. ولكنه أيضًا يُشدّد على موقع قطر كمحطة لصراع الآخرين، أي كدويلة صغيرة يتم التلاعب فيها من قبل أطراف إقليمية أقوى وأعتى منها، تضمنت في القرن التاسع عشر والعشرين السعودية وعُمان وإيران والدولة العثمانية والمملكة المتحدة، وأخيرًا الولايات المتحدة الأمريكية.

تاريخ طويل من الخصومة والتنافس العائلي يلتقي مع أكبر حقل غاز في العالم ليساهم بتأسيس سياسة قطرية جديدة تحاول فيها الأخيرة تحقيق مصالحها من خلال تأدية أدوار مختلفة تتضمن زعزعة الأوضاع القائمة واستغلال الأحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة عقب الثورات والانتفاضات في العام 2011 لتوسعة رقعة نفوذها مستفيدة من علاقاتها المتعددة مع حركات سياسية كُبرى أهمها الإخوان المسلمون. ورغم التقارب المحدود الذي شهدته العلاقة بين السعودية وقطر وزيادة التعاون في مجموعة من القضايا، بما في ذلك دعم الثورة السورية والاتفاق على الخطوط العريضة التدخل في ليبيا، فإن التوترات تفجرت منتصف العام 2017 على شاكلة حصار سياسي واقتصادي رباعي اشتركت فيه كلٌ من مصر والإمارات والبحرين والسعودية.

أمن احتياطي النفط، وحرمان أي قوة محتملة دولية أو إقليمية من هذه الموارد، وأمن «إسرائيل»، عوامل جرى تعميدها على أنها الثالوث المقدس للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى نفوذ قطر المتزايد ومحاولتها زعزعة هيمنة المملكة العربية السعودية في مجلس التعاون الخليجي واحتواء سطوتها على المجلس، بل وخلق دور شبه مستقل ونشط في المنطقة لا يتردد في تأييد قوىً تريد إحقاق تغيير سياسي، ما أدى لتصاعد الصراع بين قطر كقوة صاعدة والسعودية والإمارات كقوى تريد الحفاظ على الوضع القائم. وقد كان بين أهم أسباب الخلاف الدعم الذي وفّرته قطر للإخوان المسلمين في مصر كجسر بين الحركة وبين العديد من الأطراف أهمها أمريكا و«إسرائيل»، وكمموّل اقتصادي للعديد من المشاريع التي ارتبطت بالإخوان، وأيضا في ملفات أخرى كطبيعة الترتيبات بعد انتهاء حكم القذافي. فقد عكست سياسات قطر المرتبطة بالعلاقة مع بعض قوى التغيير، خاصة تلك المرتبطة بالتيارات الإسلامية، تحوّلًا أمريكيًا خاصة في إطار الحزب الديمقراطي والذي انفتح على إمكانية تغيير محدود في بعض الدول العربية، تتضمن بعض الدول التي امتلكت تحالفًا جيواستراتيجيًا مع الولايات المتحدة مثل مصر. أدت هذه السياسات إلى توتر وصدامات عقب الانتفاضات العربية مع العديد من الدول التي رأت في الدور القطري تحديًا للوضع القائم إقليميًا، وتمكينًا لحركات سياسية وأيديولوجية تمكنت من الفوز في الانتخابات في العديد من البلدان العربية التي شهدت انتفاضات شعبية.

يرتبط القطريون والبحرينيون ارتباطًا وثيقًا من خلال الروابط الأسرية. تعزّز عائلة آل خليفة، العائلة الحاكمة في البحرين والتي قد تكون ثاني أكبر عائلة مؤثرة في قطر، من قوتها من خلال الروابط العائلية والزيجات المختلطة. إلّا أن هذه الروابط التاريخية لم تخفف من حدة هذه العلاقة الجدلية بشكل كبير. دعمت البحرين محاولات التصدي للانقلاب الأبيض الذي تبوأ على إثره حمد بن خليفة آل ثاني في العام 1994 منصب الأمير على حساب والده خليفة بن حمد آل ثاني، وقد ظلت العلاقة مع البحرين مضطربة منذ ذلك الوقت. كان العنصر الإضافي هو الخلافات المستمرة بين البلدين حول عدة جزر ومدينة الزبارة التي تعتبر البحرين أنها مدينة تابعة لها، إلا أنها اليوم فعليًا تحت حكم قطر. حُلّت هذه القضايا بعد أن قرر البلدان اللجوء إلى محكمة العدل الدولية للتحكيم والتي حكمت في أيّار 2001 بأن تبقى جزر «حوار» تحت السيطرة البحرينية بينما يتعين على البحرين التخلي عن أي مطالب في أي جزء من شبه الجزيرة القطرية بما فيها مدينة الزبارة وبعض الجزر الملاصقة لقطر. تحسنت العلاقات بين البلدين بشكل ملحوظ، خاصة عندما ساهمت قطر في قمع الثورة البحرينية، ولكن في ظل التجييش السعودي وسطوة الأخيرة على البحرين عادت العلاقات بين الجارات إلى أجواء المشاحنات والتنافس، وتم تأجيل مشروع جسر المحبة الذي كان سيربط البحرين بقطر إلى أجلٍ غير مسمى.

اقتتلت السعودية وقطر بشراسة. في الواقع، فإن ما يحرك الكثير من إجراءات سياسة قطر الخارجية هو رغبتها في تحقيق التكافؤ مع الجارين السعودي والإماراتي. وكما ذكرنا آنفًا، أرادت المملكة العربية السعودية ترسيخ نفسها كقوة مهيمنة في شبه الجزيرة القطرية، وقد سعت لذلك تاريخيًا من خلال انتداب سياسات مُتعددة، بما فيها بناء تحالفات عابرة للحدود داخل قطر. فدعمت محاولات انقلابية داخل الأسرة الحاكمة في عامي 1996 و2005 والتي أدت إلى نزع الجنسية القطرية عن العديد من أبناء عشيرة «بني مرة» وطرد العديد منهم إلى السعودية على خلفية مساهمتهم الفاعلة في المحاولات الانقلابات المتعاقبة. ناهيك عن النزاعات الحدودية التي تحولت في بعض الأحيان إلى دموية كما حصل في العام 1992 عندما سيطرت السعودية على منطقة خفوس، وكذلك التوترات المتصاعدة المستمرة حول سياسة قطر الخارجية وتزايد نشاطها في المنطقة.

سياسة قطر المتمثلة في بناء قوة ناعمة لم تلق استحسانًا سعوديًا منذ بداية التحركات القطرية النشطة في المنطقة. كما أن السعودية لم تكن راضية عن العلاقات القطرية الإسرائيلية، والعلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة المتمثلة في استضافة قاعدة القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط في العُديد. كما استنتج أحمد سيف أنه: «رغم صغر حجمها الجغرافي، فإن قطر تبرز كلاعب رئيسي نسبيًا في الخليج إلى حد ما على حساب المملكة العربية السعودية. يمكن فهم الكثير من سياسة قطر على أنها محاولة لإزالة أو تقليص الهيمنة السعودية»، والحد من قدرة الأخيرة على التدخل في هندسة الحكم في قطر.[20]

هذا العداء تجاه آل سعود لم يسعه إلا أن يتزايد بعد زوال التهديد الذي شكّله صدام حسين ومشروعه التوسعي على دول الخليج، وبعد أن وطدت قطر علاقاتها مع الولايات المتحدة، وانهار الاتحاد السوفيتي، ما عنى اختفاء خطر القوى العروبية واليسارية التي كانت تدفع باتجاه تأميم النفط وتوظيفه في عملية نهضة عربية لا تُبنى على مصالح الطبقة الحاكمة في الخليج وتحالفاتها الجيوسياسية. كما تقاطعت زمنيًا مع اكتشاف احتياطات غاز طبيعية هائلة يُمكن استثمارها وتصديرها إلى أسواق خارجية.

بتعبير آخر، بدأت قطر في اجتراح أدوات عمل سياسي خارجي تتضمن التحالف مع قوى اجتماعية وسياسية عربية خاصة تلك المرتبطة بتيارات الإسلام السياسي، وخلقت منابر إعلامية جديدة، واستثمرت في البُعد الناعم من القوة السياسية، بما فيها إنشاء شبكات إعلامية، وقد كانت هذه السياسات ضرورية في عملية الحفاظ على فضاء قطر الاقتصادي وعمليات المراكمة الرأسمالية داخل هذا الفضاء.

وقد واجهت العلاقات القطرية السعودية العديد من التذبذبات ما بين تفاهم وتضارب تمحور حول أدوات العمل الخارجي، والتي اجترحتها قطر منذ العام 1996 في محاولة الأخيرة تعظيم نفوذها في المنطقة. ففي تموز 2008، استضاف السعوديون اجتماعًا في جدة جرى فيه رسم حدود الجارتين وإنشاء مجلس مشترك برئاسة وليي عهد كلتا الدولتين لتمكين الأمن السياسي والعلاقات المالية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية والثقافية والإعلامية، بعد أجواء متوترة حول صعود محطة الجزيرة ودورها الفاعل في المنطقة. وفي بداية الانتفاضات العربية جرت محادثات حول التقارب بين البلدين، انعكست في التغطية الأقل إثارة للجدل للمملكة العربية السعودية على قناة الجزيرة. دعا ذلك بعض المحللين إلى حد الاعتقاد بانبثاق تحالف جديد بين قطر والمملكة العربية السعودية على قاعدة المصالح المشتركة التي تدفع بها الاحتجاجات الكبرى في العالم العربي.[21] وفي نظر الكثيرين، فإن قطر قد حسّنت علاقاتها مع سوريا وحزب الله وإيران من أجل تحقيق التوازن ضد المملكة العربية السعودية، والتَحوُّل الذي صاحب سياسة قطر الخارجية من داعمة لبشار الأسد إلى دعم الثورة بأي وسيلة، إنما يدل على التقارب بين الدوحة والرياض والعلاقة المتنامية بينهما في بدايات العقد الماضي.

لكن هذا التحسن في العلاقات على جبهات متعددة أخفى العديد من التوترات. فمن خلال استضافتها للبنانيين في جولة من الوساطة واختتامها بتوقيع اتفاقية الدوحة، كانت قطر تتحدى النفوذ السعودي في المنطقة، وتقول إنها قد أصبحت وجهة جديدة لحل النزاع في العالم العربي على حساب الدور التاريخي الذي لعبته الرياض في هذا الصدد. دعمت قطر بهمّة الثورة في مصر وليبيا، في حين اتخذ السعوديون موقفًا أكثر تحفظًا بكثير، وتحديدًا تجاه مصر، ويتضح ذلك من الغضب السعودي والإمارتي تجاه الأمريكيين بسبب التخلي الأمريكي عن الرئيس السابق حُسني مبارك. وبالتالي، تظل قطر والمملكة العربية السعودية بعيدتين عن بعضهما البعض، بل وتتنافسان في العلاقة مع الولايات المتحدة، ولا شك أن التحالف القائم على المصلحة في سوريا عندما ارتطم بحائط النظام وحلفائه وفشل في تحقيق أهدافه بإسقاط بشار الأسد ونظامه أدى إلى تصاعد التوترات بين القوى الخليجية التقليدية من جهة -الإمارات والبحرين والسعودية- وقطر من جهة أخرى.

أتى الحصار كتتويج للهوّة الواسعة التي أحدثتها الانتفاضات العربية على مستوى منظومة التحالفات والاستقطابات الإقليمية والدولية، بما فيها التباين بين جناحي الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، بين سياسة أوباما وطاقمه من الحزب الديمقراطي والتي أولت اهتمامًا لتوظيف الانتفاضات بما يخدم عملية تغيير محدودة لا تمس بالخطوط الامريكية الحمراء، بما فيها اتفاقية كامب ديفيد، وما بين الجناح الجمهوري الذي وطّد من علاقته مع الأنظمة المناهضة لكل أنماط التغيير المقترحة والداعمة لقمع واحتواء الانتفاضات العربية من خلال سياسات مختلفة تباينت بحسب مكان تلك الانتفاضة.[22] لهذا كان لصعود الرئيس دونالد ترامب دور فاعل في خلق البيئة التي اتخذ خلالها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بتأييد من ولي العهد الإماراتي قرار فرض الحصار على قطر وخلق القطيعة مع الجارة الصغيرة، لما يعنيه وجود ترامب من دعم وموافقة ضمنية على هذا الحصار.

وأمّا العلاقات الإيرانية القطرية، فلطالما حملت طابعًا متضاربًا. ترى قطر، كالعديد من دول الخليج، في القوة الصاعدة لإيران تهديدًا لتماسكها الداخلي وخطرًا على الوضع السياسي القائم في الخليج. ومن ناحية أخرى، تشترك قطر مع إيران في حقل الشمال للغاز. كما أن نسبة السكان الشيعة في قطر ضئيلة على عكس البحرين والكويت والمملكة العربية السعودية، ما حد من النفوذ الإيراني الداخلي في قطر وسهّل من إقامة علاقات قوية بين الطرفين.

بعيدًا عن علاقة عُمان بإيران، فإن قطر هي الدولة الأكثر ودّية تجاه إيران. وتسعى لتحقيق أهداف رئيسية في علاقتها مع إيران؛ أولًا، التعاون الاقتصادي المتمثل في تقاسم حقل الغاز، وثانيًا، وقوفها في موضع وسيط محتمل، وإن كان خجولًا، بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتالي، جني ثمار هذه الوساطة وما يرافقها من نفوذ على شاكلة الاتفاق الذي حققته قطر بين الولايات المتحدة والطالبان في أفغانستان. بشكل عام، لدى قطر سياسة غير تصادمية مع إيران ويعزى ذلك إلى هذه العوامل، بما فيها خوفها من اندلاع حرب في المنطقة تؤدي إلى أضرار في الخاصرة الرخوة لقطر، وبالأخص إلى استثمارها الكبير في بناء مدينة الدوحة ودوره الحيوي في قدرة الإمارة على تسييل وتصدير الغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية. تأكيدًا على ذلك، نتذكر إسراع وزير الخارجية القطري في زيارة الجار الإيراني عقب اغتيال الولايات المتحدة قاسم سليماني في محاولة لاحتواء وتوجيه أي ضربة انتقامية بعيدًا عن قطر ومصالحها.

خرجت قطر أيضًا عن صفوف دول الخليج العربي الأخرى وسبقتها في العلاقات شبه العلنية مع «إسرائيل». وتتطابق علاقتها الإسرائيلية مع نموذج حل النزاعات والوساطة. لقد فهمت قطر عمليًا أن العلاقات الأفضل مع إسرائيل تعني علاقات أفضل مع الولايات المتحدة على قاعدة أن الطريق إلى واشنطن يمر عبر «تل أبيب». كما أرادت أن تضع نفسها في موضع الأحداث الدولية المرموقة مثل كأس العالم، وبالتالي احتاجت إلى نوع من أنواع العلاقة مع «إسرائيل» لتكون قادرة على تأمين الفوز بتنظيم مسابقات كُبرى. كما يورد الباحث الصهيوني يوري ازاي: «إن الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل قد مكّن قطر من تأكيد استقلالها في الساحة العربية والتنافس كقوة سياسية إقليمية ناشئة».[23] بالفعل كانت قطر من أوائل الدول الخليجية التي استثمرت في بناء علاقات سرية ومن ثم شبه علنية مع «إسرائيل» وتطبيع وجهة النظر الإسرائيلية من خلال استضافة ممثلي «إسرائيل» ومتحدثيها في الإعلام العربي.

تُشكّل قطر بالسياسة مثالًا صارخًا على التوجهات الخليجية، منذ أفول خطر التيارات العروبية، نحو بناء علاقات سياسية واقتصادية مع العدو، والتعاطي مع «إسرائيل» على أنها جسر سياسي يُعزز من العلاقة مع الحامي العسكري لهذه الدول المتمثل في الولايات المتحدة، وبديل عن الولايات المتحدة في حال قررت الأخيرة تخفيف أو إعادة تموضع قواتها بحيث تنسحب من المنطقة، أي على إمكانية اجتراح علاقة مع قوة عسكرية واقتصادية تساهم في عملية التوازن الدقيق الذي تحتاجه العائلات الحاكمة في دول الخليج للبقاء في سُدّة الحكم والدفاع عن الفضاءات الاقتصادية التي تمتلكها.

  • الهوامش

    [1] لم يكن هذا الدعم مطلقًا أو مبدئيًا، وكما سنبيّن فإنه يعبر أكثر عن موقع قطر الجغرافي واستراتيجية طبقية للحفاظ على فضاء مناسب لعملية تراكم رأسمالها دون تدخل جاراتها. وقد يكون أوضح مثال على «تضارب» سياسة الدعم هو العزوف عنها، كما حصل في حالة البحرين.

    [2] بنيت هذه السلسلة من المقالات على رسالة أعدّها الكاتب عام 2012 لنيل شهادة الماجستير في تخصص العلاقات الدولية من جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة الأمريكية.

    [3] Aldrige, John. (Feb,12th,2012), «Anew Washington in the Desert Sands», The Sunday Times.

    [4] Eakin, Hugh, (Sep. 27th, 2011), «The Strange Power of Qatar», The New York Review of Books.

    [5] David Vital, The Inequality of States: A Study of the Small Power in International Relations {Oxford: Clarendon Press, 1967); David Vital, (London: Oxford University Press, 1971); and UNtTAR, Small States and Territories: Status and Problems (New York: Amo Press, 1971; originally published by the United Nations, 1969) Gleason, Gregory, Asel Kerimbekova and Svetlana Kozhirova (2008)«Realism and the small state: evidence from Kyrgyzstan», International Politics, 45:1, 40–51.

    [6] Palmer, A. Michael, (1992). «Guardians of the Gulf: A history of America’s expanding role in the Persian Gulf, 1833‐1992.» Simon and Schuster, NY, page 25.

    [7] Peterson, J E. (2006), «Qatar and the World: Branding for a Micro‐State», Middle East Journal, Vol. 60, NO. 4, Aimj MN.

    [8] لم يكن الاستقلال هذا كليًا، أي أنه لم يعنِ تغيّرًا جذريًا في طبيعة العلاقة مع القوى الغربية، بل عبّر عن انسحاب بريطاني واستبداله بالنفوذ الأمريكي.

    [9] Fromherz, Allen J (2012). Qatar: A Modern History (p. 33). Georgetown University Press. Kindle Edition

    [10] ibid

    [11] Onley, James (2009). Britain and the Gulf Sheikhdom’s: 1820-1971, Center for International and Regional Studies.

    [12] Fromherz, Allen J (2012). Qatar: A Modern History. Georgetown University Press. Kindle Edition. p. 62

    [13] Luciani, Giaocomo. (2008). «Oil and Political Economy in the International Relations of the Middle East».

    [14] Ibid.

    [15] Hanieh, Adam. (2011) Capitalism and Class in the Gulf Arab States.

    [16] Hanieh, Adam. (2011). Capitalism and Class in the Gulf Arab States. Palgrave Macmillan. 

    [17]Hudson, Michael C. (2011). «To Play the Hegemon: Fifty Years of US Policy toward the Middle East». Middle East Journal, Vol. 50, No. 3 (Summer, 1996), pp. 329‐343

    [18] Simon Smith, (2004). Britain’s Revival and fall in the Gulf: Kuwait, Bahrain, Qatar and Trucial States. 1950-1971. Routledge, NY. pp. 138–9.

    [19] Qtd in Fromherz, Allen J (2012). Qatar: A Modern History. Georgetown University Press. Kindle Edition

    [20] Ahmed Saif,(2008) «Deconstructing before building: Perspectives on democracy in Qatar», in Anoushiravan Ehteshami and Steven Wright (eds), Reform in the Middle East Oil Monarchies London, p. 104.

    [21] Al‐Qasseimi, Sultan. (July 21st, 2011) «How Saudi Arabia and Qatar became Friends Again», Foreign Policy Magazine.

    [22] عملت السعودية وحلفاؤها على إجهاض الانتفاضات من خلال دعم الانقلاب العسكري والقمع الذي لحقه في مصر. أما في سوريا فقد أتى على صيغة إغراق أيديولوجي للثورة، بحيث يعاد إنتاجها كصراع بين الحركات السلفية الجهادية والنظام السوري.

    [23] Rabi, Uzi, (2011) «Qatar’s Relations with Israel: Challenging Arab and Gulf Norms», Middle East Journal, Vol 63, NO. 3.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك