تقاير ساخنة

الملاذات الضريبية: إعادة قوننة النهب الاستعماري

نشر هذا المقال بالإنجليزية على موقع مشروع القانون والاقتصاد السياسي (LPE) في 11 تشرين الأول 2021.

نتجت عن نهاية الإمبراطوريات الأوروبية خلال منتصف القرن العشرين واستقلال المستعمرات السابقة عدةُ ظواهر: صراعٌ عنيفٌ في كثير من الأحيان بين خصوم غير متكافئين، وصدامٌ بين الأفكار والأيديولوجيات، وصراع على الحقوق وتقرير المصير. أما ما لا يُنظر إليه عادة بعين الاعتبار هو أن إنهاء الاستعمار قد انطوى على حركة دراماتيكية للأموال، وإعادة تنظيم قانوني للاستحواذ على الأصول والاستثمارات. بعد أن تتبعت هذه التحركات، وجدت علاقة مدهشة بين إنهاء الاستعمار وتوسع الملاذات الضريبية، وما يرتبط بها من أعمال خلال الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم.

فخلال هذه الفترة، أنبئت المفاوضات بين حركات الاستقلال والحكومات المتروبوليتانية، وفي بعض الحالات، الحروب العنيفة الطويلة، ببداية نهاية حكم «الرجل الأبيض» في أجزاء كثيرة من آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي. الأمر الذي أدخل الأوروبيين الأثرياء بشكل خاص في كل من العالم الاستعماري وأوروبا في نوبات من القلق. لقد سعوا إلى الحصول على مشورة المحامين -«مُشَرِّعي رأس المال» كما تسميهم كاثرينا بيستور- والمصرفيين في نيروبي والجزائر ولندن، وذلك بفضل علاقاتهم الواسعة وتَمَرُّسهم في الأمور المالية والقانونية. ورغم سيطرتهم على كل جوانب المجتمع الواقعة تحت طائلة المساءلة، ارتعد المستوطنون البيض من العواقب التي قد يجلبها فقدانهم للسلطة. لقد فكر المستوطنون والمسؤولون ورجال الأعمال الأوروبيون البيض عبر تسلسل هرمي عرقي صارخ، ورفضوا رؤية أي قدرة لدى «رعايا المُستعمرة» من غير البيض على ريادة الأعمال. زد على ذلك، احتمالية أن يفرض القادة الجدد الانتقاميون قيودًا على النشاط التجاري الأوروبي والاستثمارات وحركات رأس المال بعد الاستقلال، فلربما يفرضون ضرائب أعلى، أو ما هو أسوأ، قد يلجؤون إلى تأميم الممتلكات الأوروبية دون تعويض مناسب.

ولتجنب أي احتمال لاضطرارهم إلى تقاسم الثروة التي انتزعوها من رعاياهم السابقين؛ سيّل المستوطنون الكثير من أصولهم وأرسلوها إلى الخارج. هذه الأموال الساخنة التي غادرت الإمبراطوريات الاستعمارية قيد التفكك، لم تعد ببساطة إلى فرنسا أو بريطانيا على سبيل المثال. فذلك قد يعني أيضًا الاضطرار إلى تقاسم شيء من الثروة، أو أن تكون جزءًا من العقد الاجتماعي للضرائب التصاعدية. وبدلاً من ذلك، أدى سحب الاستثمارات من الإمبراطورية خلال الخمسينيات والستينيات إلى تدفق الأموال إلى عدد من الملاذات الضريبية المعروفة والناشئة.

جذور الملاذات الضريبية

أصبحت سويسرا وولاية ديلاوير الأمريكية وجزر القنال البريطانية، من بين أماكن أخرى، ملاذات ضريبية بدءًا من أواخر القرن التاسع عشر وأثناء الحرب العالمية الأولى. فعندما استُحدِثت ضرائب الدخل التصاعدية، وجرى تطبيقها على نطاق أوسع خلال هذه السنوات، اندفع الأثرياء من الأفراد والشركات على الفور إلى رفض دفع حصتهم. وازداد البحث عن الملاذات الضريبية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث زادت الضرائب مرة أخرى في العديد من البلدان. وسرعان ما تصدر المحامون والمحاسبون الأذكياء لإنشاء المزيد والمزيد من الملاذات الضريبية المحتملة مع التوسع في سَنِّ قوانين السرية المصرفية وقوانين الشركات والائتمان شديدة المرونة.

وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، استفاد هذا البحث عن ملاذات جديدة من حالة عدم اليقين والحاجة إلى نقل رأس المال الذي جاء مع إنهاء الاستعمار. ظهرت العديد من الملاذات في الأراضي التابعة للإمبراطورية البريطانية ومستعمراتها السابقة، مثل: جزر الباهاما، وجزر كايمان، والجزر العذراء البريطانية، ومالطا، وهونج كونج، وسنغافورة، وعدة أماكن أخرى.

كان التوسع في الملاذات الضريبية في جزر الباهاما وجزر القنال البريطانية خلال أوائل الستينيات مدفوعًا، بشكل جزئي، بالأموال التي غادرت المستعمرات البريطانية السابقة. وفي جزر الباهاما، كانت النخبة السياسية البريطانية البيضاء -لما كانت آنذاك مستعمرة بريطانية- هي الطبقة الاقتصادية الحاكمة في الجزيرة في نفس الوقت. وكان وزير المالية في جزر الباهاما في ذلك الوقت محاميًا استفادت شركته القانونية المحلية بشكل جيد من أعمال تسجيل الشركات والائتمان التي توافدت مع توسيع أعمال الملاذ الضريبي.

وهكذا، كان للحكومة الاستعمارية في جزر الباهاما مصلحة مادية في توسيع «الفردوس الضريبي» كما وصفته السلطات الضريبية في لندن. كما نشطت مستعمرات المستوطنين في كينيا وروديسيا بشكل خاص في إرسال الأموال إلى بعض الشركات الائتمانية الجديدة وشركات المحاماة العاملة في جزر الباهاما. ومثلت مثل هذه الأعمال الاستعمارية المبكرة نقطة حاسمة في السماح للنظام القانوني والمالي الذي تتألف منه صناعة التهرب الضريبي بتأسيس نفسه في الملاذات الضريبية الناشئة حديثًا. وفي نفس الوقت بدأت عمليات أخرى مماثلة بالظهور في الإمبراطورية الفرنسية. فخلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بدأت المستعمرات الفرنسية الكبيرة في شمال إفريقيا خطاها نحو الاستقلال. وبالتوازي، بدأ المستوطنون والمسؤولون ورجال الأعمال التونسيون والمغاربة والجزائريون في إرسال الأموال إلى الملاذ الضريبي في سويسرا.

الاستراتيجيات ما بعد الاستعمارية للتهرب الضريبي

عندما فكر المستوطنون البيض الأثرياء وذوو الامتيازات في المكان الذي يمكنهم فيه تخزين أموالهم بأمان، فإن الظروف المالية في كل من أوروبا والعالم الاستعماري رسمت ملامح اختياراتهم. ففي العاصمة البريطانية أو فرنسا، وصلت معدلات الضرائب، خاصة على الأثرياء، إلى المستويات المرتفعة المرتبطة بعقود منتصف القرن، عندما ساعدت الضرائب في بناء دول الرفاهية وإعادة توزيع الثروة بشكل معتدل. في المقابل، تمتعت المستعمرات لأطول فترة بمعدلات ضرائب منخفضة بشكل غير عادي، أو حتى معدومة بالنسبة للبيض، حيث عارض المستوطنون وجماعات الضغط بشدة ضرائب الدخل التصاعدية.

وفي كثير من الأحيان، كان هؤلاء المستوطنون ورجال الأعمال المحليون ممثلين في نفس المجالس التشريعية الاستعمارية التي كان عليها الموافقة على الضرائب المفروضة، أي ما سيفرضونه على أنفسهم. وبمجرد فرض الضرائب، أثبت الأوروبيون براعتهم في التهرب. فقد نظرت الحكومات الاستعمارية إلى المتأخرات الطويلة في مدفوعات الضرائب بوصفها عصيّة على التحصيل. وكثيرًا ما اشتكى المسؤولون في لندن من نقص الموظفين المدربين بشكل مناسب للمساعدة في إدارة ضريبة الدخل وتحصيلها، مما سهل عمليات التهرب والغش. كان وضع الضرائب المفروضة على الرعايا المُستعمَرين في تناقض ملحوظ مع الضرائب المفروضة على المستوطنين البيض. إذ وصلت الرسوم المختلفة المفروضة على السكان المستعمَرين إلى مبالغ كبيرة، وكثيرًا ما تم فرضها بقسوة بمساعدة عنف الشرطة. أما في الإمبراطورية، كانت «المعنويات الضريبية» البيضاء -أي الاستعداد لدفع الضرائب- منخفضة بشكل ملحوظ.

لتجنب أي احتمال لاضطرارهم إلى تقاسم الثروة التي انتزعوها من رعاياهم السابقين؛ سيّل المستوطنون الكثير من أصولهم وأرسلوها إلى الخارج، إلى عدد من الملاذات الضريبية المعروفة والناشئة.

إن القانون -أو بتعبير أدق: المراجحة القانونية- هي البنية التحتية للتهرب والمراوغة. لقد أصبح القانون أيضًا الأداة الرئيسية لإعادة تغليف كل شيء، من الأصول إلى تأسيس الشركات خلال أفول عصر الاستعمار. يمكن لشركة مسجلة في جزر الباهاما أن تمتلك أسهم شركة زراعية كينية. يمكن أن تتلقى كهدية أوراقًا مالية لشخص كان بصدد مغادرة كينيا ليصبح مقيمًا في المملكة المتحدة، وذلك لتجنب الضرائب العقارية في المملكة المتحدة. ومن الأمثلة الأخرى شركة جزر الباهاما التي تم إنشاؤها لتلقي أصول شركة في كينيا حيث كانت الشركة الكينية على وشك التصفية قريبًا.

كان الغرض من هذا الترميز القانوني، بإعادة صياغة عبارة كاتارينا بيستور، في الأغلب هو خلق مسافة بين المالك الفعلي للأصول والأموال نفسها. فمن خلال هيكل ائتماني، على سبيل المثال، يمكن للمستفيد من رأس المال الائتماني أن يدعي بصدق أنه ليس لديه سيطرة مباشرة على الأصول إذا طُلب منه تسليم النقود بالعملة الأجنبية الصعبة إلى حكومة مستقلة حديثًا تعاني من ضائقة مالية. وفي الوقت نفسه، طالما ظلت الأصول بشكل قانوني في ملاذ ضريبي ولم تتبع المستفيد إلى مكان إقامة جديد، فقد ظلت خارج متناول السلطات الضريبية في كل مكان على السواء. كانت الأشكال القانونية الأكثر استخدامًا هي الصناديق الائتمانية والشركات القابضة. ومع ذلك، وفي كثير من الحالات، لم تكن الأموال التي تم نقلها وإعادة تجميعها معطلة بلا عمل. فبمجرد وصول الأموال إلى سويسرا وجزر الباهاما، اشترى المصرفيون السويسريون الأوراق المالية نيابة عن عملائهم، وخاصة في سوق الأسهم الأمريكية. لقد أدى الخوف من المصادرة، والقيود المفروضة على إعادة توزيع الأرباح، والقيود المفروضة على النشاط الأجنبي في صناعات الموارد الاستراتيجية الرئيسية، إلى دفع المستثمرين إلى إعادة النظر في الشكل القانوني الدقيق للوجود التجاري على الأرض (فرع، شركة تابعة، مشروع مشترك، على سبيل المثال).

وبدل صرف الأموال على الحوائط وأسقف القرميد، وغيرها مما يصعب تسييله عند الحاجة، فضل العديد من المستثمرين الاستثمار في المحافظ المالية بشكل متزايد. فاق الاستثمار الأجنبي في الأسهم والسندات تدريجيًا الاستثمارات المباشرة بحلول السبعينيات. لذلك أصبح إنهاء الاستعمار جزءًا من تحول أوسع بكثير للرأسمالية العالمية؛ تحول جعل رأس المال أكثر قدرة على الحركة.

خُلاصة

لا يُعرف الكثير عن مصير الأنظمة المالية الاستعمارية بعد الاستقلال. هناك حاجة إلى مزيد من العمل لتحديد ما إذا كانت الحكومات المستقلة حديثًا قد سمحت ببقاء نظام الضرائب الاستعماري قيد العمل، ومن بداخل هذه الأنظمة قد استفاد في ظل النظام الجديد. إنه لمن البيّن، من ناحية أخرى، أن البلدان المستقلة حديثًا قد ورثت شبكات الخبرة التي مكنت وعززت هروب رأس المال الاستعماري المتأخر والتهرب الضريبي. وهكذا، سرعان ما اكتشفت النخب المحلية في عالم ما بعد الاستعمار مزايا الحساب المصرفي السويسري. فخلال الخمسينيات من القرن الماضي، كانت البنوك السويسرية تعمل بنشاط على تجنيد العملاء من بين السكان المحليين الأثرياء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفي بعض بلدان أمريكا اللاتينية، كمثال على ذلك.

لقد واصلت الشركات التي تستثمر فيما يسمى الآن البلدان النامية التمتع بالإعفاءات الضريبية السخية نفسها لمدة عشر سنوات أو أكثر. وقد بدأت برامج حوافز الاستثمار هذه في ظل الحكم الاستعماري. يجب النظر إلى مشاكل مثل فساد النخبة وتآكل القواعد الضريبية للشركات في البلدان منخفضة الدخل في جنوب الكرة الأرضية في ضوء من بنى هذه الأنظمة ومن يواصل – كالمستشارين الأمريكيين أو الأوروبيين، والمحامين، والمصرفيين، والمحاسبين- تمكين مثل هذه الممارسات.


* فينيسّا أوجْل هي أستاذ مساعد التاريخ في جامعة كاليفورنيا بيركلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك