تقاير ساخنة

قطر الصغرى الكبرى (2): الجزيرة؛ الميلاد الجديد

(هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة من ثلاثة مقالات، تنشر أسبوعيًا، تتناول دور مخاوف النظام القطري، الداخلية والخارجية، في صياغة سياسته الخارجية وعلاقاته الدولية).

«بالنسبة للدول الصغيرة (..) خلقت ثورة الاتصال إمكانية تقليل الحواجز التقليدية وفتحت إمكانيات جديدة»، هذا ما خلص إليه تقرير الكومنولث لعام 1997.

كانت قناة الجزيرة، ولا تزال، أداة قوة ناعمة في السياسة الخارجية القطرية، والتي استغلت نقص المعلومات الحرة وغير المقيدة في العالم العربي، مع أدوات أخرى، من أجل بسط نفوذها ومكانتها في كافة أنحاء المنطقة. في العام 2000، قال محمد جاسم العلي، المدير العام لقناة الجزيرة وقتها: «هناك مجال مهم مفقود [مشيرًا إلى المنطقة]، البرامج الحوارية والأخبار. فلم يطور أحدٌ الأخبار لأن سمعة الإعلام في الشرق الأوسط هي أن الأخبار تخضع للرقابة والسيطرة من قبل الحكومة (..) وقادة قطر أرادوا تغيير ذلك؛ إنهم يريدون أن تكون لديهم قناة فضائية بهدف عدم إخفاء أي معلومات».[1]

وُلِدت قناة الجزيرة من فهم قطر بأن المشهد الإعلامي في العالم العربي يُعاني من فراغ، وأن قناة تلفزيونية تبث المعلومات دون عوائق لن تغير هذا المشهد الأساسي جذريًا فحسب، بل ستساهم أيضًا في بناء قوة قطر الناعمة في المنطقة. ولهذا أتت الجزيرة لتبث برامج اتخذت في بدايتها طابعًا سياسيًا قوميًا وعروبيًا وداعمًا للمقاومة في فلسطين ولبنان، وبالطبع لم تخل أيضًا من تأثير تيارات الإسلام السياسي، خاصة جماعة الإخوان المسلمين. وفي المقابل لعبت الجزيرة دورًا فاعلًا في إعادة تعريف الخطوط الحمراء في العالم العربي، إذ بادرت لاستضافة «وجهة النظر» الصهيونية، وأقحمتها في الفضاء العام العربي.

عروبة جديدة

لقد أحدثت الجزيرة ثورةً في نوعية وطبيعة النقاشات السياسية العامة العربية. منذ إنشائها عام 1996 تحدّت الجزيرة العديد من الممنوعات المغروسة في السياسة العربية الرسمية. وبسبب المواضيع التي تناولتها وما زالت تتناولها، سواء أكانت على مستويات مثل التعليم أو الصحة، أو القضايا الثقافية والسياسية الأكثر إثارة للجدل، فقد كسبت القناة جمهورًا واسعًا ومتنوعًا في العالم العربي وخارجه. بسبب نقص في البحث، تتفاوت التقديرات حول عدد مشاهدي القناة، لكن هناك إشارات إلى أنه قد وصل ذروته مع أوائل الألفية، مع 35 مليون مشاهد، وتناقص بعدها ليصل عام 2016 إلى 20 مليونًا. ويرتكز نجاح الجزيرة على تمرّدها الجلي على مذيعي الأخبار الاعتياديين في الإعلام العربي، والذين يكرّرون كلام السلطات الرسمية. إذ قدمت القناة شيئًا جديدًا تضمّن المناقشات المثيرة للجدل، وبثًا إخباريًا يركّز على المنطقة ويغطي كافة القضايا العربية، ويحض على وحدة عربية أو يحاول توظيف الشعور القومي العروبي المتجذر لجذب جمهور واسع من كافة مناطق العالم العربي.

كما لا تعكس المرآة الحقيقة، بل قد تقدمها بطريقة «مشوهة» أو مغايرة لما هي عليه في الواقع، كانت الجزيرة تعكس ما تراه قطر أو ما تريد قطر أحيانًا أن يكون هو «التأويل» للحدث.

خصصت الجزيرة الكثير من تغطيتها لقضايا مُجمَع عليها في العالم العربي، مثل دعم الفلسطينيين، خاصة في بداياتها. وقد لعبت الانتفاضة الفلسطينية الثانية دورًا هامًا في صعودها من خلال تغطية القناة التطورات في الجبهة الفلسطينية بشكل يومي. حينها، وللمرة الأولى، تشرّب المشاهدون العرب كمًّا هائلًا من الصور والأخبار والتحليلات المكرّسة للوضع الفلسطيني المعقّد. وبذلك، حشدت الجزيرة الجماهير ولامست أحاسيسهم المترسخة، وباتت تعبر عن «صوت الهوية المشترك» من خلال «خلق خطاب جمعي يدور حول قضايا ذات معنى لجميع العرب».[2] 

غطت القناة السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية الجزائرية وعرضت آراء الإسلاميين في الصراع. ومسّت قضايا محظورة بينها قضية الهوية في الأردن، والطائفية في لبنان، والإخوان في مصر، وعملية السلام بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين». كانت الجماهير في العالم العربي في الغالب تمتلك اطلاعًا محدودًا حول كل تلك القضايا، وبمجرد بثّ الجزيرة نقاشاتٍ واقعية وطيفًا متنوعًا من وجهات النظر السياسية، تعرّف العرب على بعضهم البعض بطريقة لا مثيل لها قبل ظهور الفضائيات. يقول فيصل القاسم، مقدم برنامج الاتجاه المعاكس في الجزيرة: «جمعت البرامج الحوارية الفضائية للقناة الجماهير العربية ببعضها البعض وقدمت لهم هوية عربية موحدة».[3]

سبب آخر لشعبية الجزيرة هو نوع الأفكار التي تقدّمها. يقول عارف حجاوي، مدير الأخبار السابق في القناة: «لا تخلق الجزيرة وعيًا عميقًا ولا ثقافة سياسية راسخة. وبدلًا من ذلك، تتيح للمشاهدين الثقة بأفكارهم الخاصة».[4] 

بالرغم مما سبق، ليست الجزيرة قناة «صوت العرب»، وهي نسخة الرئيس جمال عبد الناصر من منصة إعلامية عربية تبث للعرب كقومية سياسية، والتي دفعت باتجاه قومي تشكل مصر العنصر المركزي فيه. وكما ذكر ديفيد هيرست، «لا يجوز مقارنة الجزيرة بصوت العرب في القاهرة لا من حيث الأسلوب ولا المحتوى (..) إلا أن البعض يعتبرها أقرب خلَف لها».[5] إذ إنها، وفي توظيفها الأداتي للمشاعر العروبية ومخاطبتها للإنسان العربي، كانت قطر تتصرف ببراجماتية شديدة؛ ففي الوقت الذي هي فيه جزءٌ من التحالف العريض بين بعض الدول الخليجية والإقليمية التي ساهمت باحتواء وإضعاف التيارات القومية والعروبية واليسارية، ولعبت دورًا فاعلًا في إخماد شعلة القومية العربية من خلال التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية في صراعها مع الاتحاد السوفيتي، إلّا أنها أدركت أيضًا استطاعتها ببساطة أن تكون المرآة التي يرى العرب فيها أنفسهم. وكما لا تعكس المرآة الحقيقة، بل قد تقدمها بطريقة «مشوهة» أو مغايرة لما هي عليه في الواقع، كانت الجزيرة بوصفها منصة جمعت العرب تعكس ما تراه قطر أو ما تريد قطر أحيانًا أن يكون هو «التأويل» للحدث.

توسع عالمي

ارتفعت مكانة الجزيرة بشكل كبير بعد أحداث 11 سبتمبر. وزادت أهميتها عالميًا لأنها امتلكت بُنية تحتية إعلامية لم تمتلكها غيرها من القنوات في المنطقة، وكان لها من «المصداقية» ما جعلها المنصة الأولى في مواكبة الأحداث، بل إنها كانت تصير الحدثَ أحيانًا. كان مراسلو الجزيرة من الأوائل في أفغانستان والعراق، ونقلوا صور الخراب والدمار، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية أمرًا «استفزازيًا»، إذ أرادت تقديم حروبها بصورة أخلاقية. ومنذ العام 2003 أخذت حروب الولايات المتحدة على الإرهاب منحىً أسوأ، ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لتوجيه اتهام للجزيرة، التي كانت تغطي حروب الولايات المتحدة بشكل حثيث، وتبث بعض رسائل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، بأنها «الذراع الدعائي للإرهابيين».[6] وبلغ فيه الأمر اقتراح قصف مقر الجزيرة في الدوحة، كما أن قصف مكاتبها في أفغانستان والعراق ما زال يخضع لنقاشات حول كونه متعمّدًا أو غير متعمد.

موظفو قناة الجزيرة في المقر الرئيسي للقناة في الدوحة، في 10 تشرين الأول 2001. تصوير جوزيف برّاك. أ ف ب.

ومع وجود قاعدة كبيرة من المشاهدين المخلصين والتوسّع المستمرّ والمطّرد في أسواق جديدة، مثل قناتي الجزيرة البلقان والجزيرة الإنجليزية، أصبحت القناة الإعلامية علامة تجارية عالمية جذابة تحمل على أكتافها دولةَ قطر الصغيرة. تصل الجزيرة الإنجليزية وحدها إلى 270 مليون منزل حول العالم. ورغم الشك الذي صاحب ولادة الجزيرة باللغة الإنجليزية وقدرتها على جذب الجماهير الغربية، إلا أنها -وخلال فترة قصيرة- تمكّنت من زيادة عدد مشاهديها بشكل كبير والنهوض بأهميتها لتنافس سي إن إن وبي بي سي وغيرها من كبريات المحطات الإخبارية العالمية.

قطر هي كفيل الجزيرة، ولذلك، يتشكّل الخطاب الموجود فيها من نواح عديدة عبر ارتباطه بالمصالح الخاصة لقطر.

سلّط الربيع العربي الضوء على الفرق الشاسع بين الجزيرة والمنظمات الإخبارية العالمية الأخرى، ويعتبر دور الجزيرة هامًا للغاية لدرجة أنه كان على وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون الاعتراف على مضض: «سواء أحببنا ذلك أم كرهناه، فهو [دور] حقًا فعّال. وفي الواقع، فإن مشاهدة قناة الجزيرة آخذة في الارتفاع في الولايات المتحدة لأنها أخبار حقيقية». ويمثل ذلك شهادة على المصداقية والأهمية التي اكتسبتها الجزيرة الإنجليزية في الولايات المتحدة وخارجها. لقد ازدهرت التقييمات النقدية الإيجابية، وما غيّر مسار اللعبة هو تفوّق تغطية الجزيرة خلال الربيع العربي وبعده مقارنة بأي قناة إخبارية أخرى. وبسبب تغطيتها الحية المكثفة، تمكنت الجزيرة من جذب جماهير ضخمة إلى موقعها الإلكتروني. تشير مجلّة إيكونوميست إلى أن الجزيرة شهدت ارتفاعًا بنسبة 2500% في عدد الأشخاص الذين يدخلون موقعها على الإنترنت بعد اندلاع الاحتجاجات المصرية عام 2011. يشيد فيليب سيب، مدير مركز الدبلوماسية العامة في جامعة جنوب كاليفورنيا، بتغطية قناة الجزيرة، إذ يقول: «أرى أن الجزيرة الإنجليزية تمثل للتلفزيون ما تمثله إيكونوميست للصحافة المطبوعة».[7]

ويشيد آرام باكشيان في مجلة الأتلانتيك بالجزيرة لتغطيتها الدقيقة فيقول: «خلال شهرين من مراقبة الجزيرة الإنجليزية، حصلت على معلومات حول مجموعة واسعة من القضايا أفضل من تلك التي تقدمها ما تسمى بوسائل الإعلام الرئيسية»، مشيرًا إلى المدى الذي وصلت إليه قناة الجزيرة الإنجليزية، من قناة منبوذة في بداياتها إلى احتلال مكانة هامة وإن كانت على هوامش التيار السائد.

عند نقاش صعود الجزيرة لا يمكن إغفال عوامل ساهمت في هذا الصعود، وعلى رأسها الدعم المالي المهول الذي حظيت به من قبل الحكومة القطرية، والتي تواصل تقديم مبالغ كبيرة لتطوير الجزيرة وتوسيعها واستمرارها كمصدرٍ رئيس لقوّتها وتأثيرها الناعميْن في المنطقة وحتى في العالم، خاصة مع الجزيرة الإنجليزية.

تستهوي قناة الجزيرة الإنجليزية الشباب الغربي المتعلم المهتم بتوجه أكثر عالمية للأخبار بدل التغطية المعتادة التي تركز على أوروبا أو أمريكا، والتي تقدمها القنوات الإخبارية العالمية الأخرى. وتركز الجزيرة على الجنوب العالمي بدل الاهتمام فقط بمواقع صنع القرار في الغرب، فيظهر الشرق الأوسط وأفريقيا وبشكل متزايد أمريكا اللاتينية وآسيا على القناة، بشكل استطاع استقطاب جمهور واسع من المتحدثين باللغة الإنجليزية في الجنوب. فيما لم يجرِ التعامل مع الجنوب العالمي دوليًا على أنه مكونٌ هامٌ للبرامج، وما تزال وسائل الإعلام الرئيسية ترفض العديد من القصص المتعلقة به. وبكلمات أخرى تكمن قوة الجزيرة في أنها تجد سوقًا لم تطرق من قبل وتستغلها بنجاح مذهل.

الجزيرة في صراعات قطر

تناقش معظم الأدبيات المتعلقة بوسائل الإعلام في العالم العربي الوظيفة السياسية للمؤسسات الإخبارية وعلاقات هذه المؤسسات مع الحكومات والقوى العالمية المصممة على التأثير على الجماهير العربية، مثل قناة الحرة وعلاقتها بالحكومة الأمريكية، وقناة العربية وعلاقاتها بالسعوديين، وروسيا اليوم وعلاقاتها بالكرملين. في كتابه عن الإعلام والسياسة في العالم العربي، من عام 2007، يرى مأمون فندي أن ما يهيمن على المشهد الإعلامي العربي هي القوى الحكومية وليس قوى السوق، الأمر الذي يتعارض مع طريقة عمل وسائل الإعلام الغربية.[8] تمثل وسائل الإعلام العربية في مجملها الصراعات الأيديولوجية والسياسية والوطنية والعرقية والقبلية والإقليمية التي تملأ المنطقة.

جزء من شعبية قناة الجزيرة مرّده عرضها الرأيَ الأكثر «ملاءمة» للغالبية العربية، وكذلك نبرتها «الثورية» في كثير من الأحيان، رغم كونها في النهاية إحدى الأدوات الجيوسياسية لقطر، التي لا تسعى إلى خلق تغيير جذري بقدر ما تسعى إلى تعزيز نفوذها في الوضع القائم سياسيًا.

تعكس الجزيرة سياسات ورغبات أمير قطر واحتياجات سياسته الخارجية، وتتأثر التغطية كثيرًا بوضع علاقة الإمارة بالدول المختلفة ومحيطها، ويتجلى ذلك في عدّة نقاط مفصلية، بينها التغطية الضعيفة التي قدّمتها القناة للاحتجاجات في البحرين، وتركيزها على قضايا لها علاقة بالسعودية كلما كانت هناك مشاحنات بين قطر والسعودية، وإهمال تغطية القضايا السعودية المحلية خلال أوقات تحسّن العلاقات.

لم تكن الجزيرة جواز سفر قطر للعالم فحسب، بل أيضًا شهادة ميلاد قطر كلاعب إقليمي.

للتدليل على دورها في صراعات قطر الإقليمية، يربط فندي توفير الجزيرة لمنصة للعالِم الإسلامي الشهير يوسف القرضاوي ومحاولة قطر تعزيز مصداقيتها الإسلامية في مواجهة السعودية، وفي المقابل، وخلال الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006، ركّزت قناة العربية على العلاقات الإسرائيلية القطرية، في محاولة لإحباط النفوذ القطري المتصاعد.[9] 

تتحدّث وثائق ويكيليكس المسرّبة عن الترويض الأمريكي للجزيرة، وذلك من خلال عدد من الأساليب، بينها منح المسؤولين الأمريكيين القناةَ مقابلات مباشرة، وتقديم التدريب الأمريكي لطواقم الجزيرة، ومراقبة برامج الجزيرة بأدق تفاصيلها وتقديم تغذية راجعة لطاقم التحرير. لكن ما يتجاوز المشاركة الحكومية العادية هو الاعتراف الأمريكي بأنها تخطت مرارًا وتكرارًا المدير الإداري، وضّاح خنفر، لإزالة المواد غير المرغوب فيها، وأنها قدمت شكاوى إلى الحكومة القطرية في عدة مناسبات حول محتوى الجزيرة وتلقت ردودًا إيجابية على ذلك. ويشير ذلك إلى الدور المباشر الذي تلعبه الحكومة القطرية في قناة الجزيرة، مما يفضح زيف ادّعاء القناة أن سياساتها التحريرية مستقلّة تمامًا. تقارير مماثلة نشرت بعد التقارب القطري السعودي قبل الربيع العربي. إذ أشار تقرير لصحيفة نيويورك تايمز عام 2008 إلى أن أمير قطر أخذ رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لقناة الجزيرة معه إلى الرياض في أيلول 2007، ويدّعي أحد موظفي الجزيرة في المقال أنه: «أعطيت الأوامر بعدم التطرق إلى أي قضية سعودية دون الرجوع إلى الإدارة العليا»، وبالتالي «اختفت جميع الأصوات المعارضة من على شاشاتنا».

لقد خدمت إمبراطورية الجزيرة الإعلامية قطر بشكل جيد، وفي المقابل، خدمت قطر الجزيرة بشكل جيد. إن هذه العلاقة المتبادلة والتعايشية مثال على رغبة قطر في اختبار حدود جديدة، وتنفيذ ذلك من خلال قدرتها على إحداث ثورة في مجال حيوي من الاتصالات، واستخدامها لتحقيق مكاسب في سياستها الخارجية. ورغم رعاية قطر لقناة الجزيرة، والإنفاق عليها بشكل سخي، إلّا أن القناة تتمتّع بحرية نسبية في أسلوبها ومحتواها وبرامجها، مما يسمح لها ببناء مصداقية بين شرائح كبيرة من المشاهدين.

قطر هي كفيل الجزيرة، ولذلك، يتشكّل الخطاب الموجود فيها من نواح عديدة عبر ارتباطه بالمصالح الخاصة لقطر. وفي ضوء ذلك، يمكن اعتبار الحروب الإعلامية في الشرق الأوسط ودور الجزيرة فيها على أنها صراع بين مختلف الجهات الكفيلة والمكفولة التي تبني بيئات إعلامية منافسة لبعضها البعض، ضمن صراع إقليمي على «عقول وقلوب» المجتمعات العربية يتصل بنوعيْن من المصالح؛ مصالح رأس المال وامتدادات تلك المصالح في أشكال اجتماعية مختلفة كالطائفية والصراع على السيادة وغيرها من القضايا ذات الأهمية الكبرى. يترجم تغيير السياسة في علاقة قطر مع أي دولة أو جهة تغييرًا في تغطية الجزيرة. ولطالما كان هذا جزءًا من المشهد الإعلامي العربي، أي علاقة سياسة التحرير بالسياسة الخارجية للدولة ومؤسساتها، ولهذا لم تتوانَ الجزيرة عن التقليل من شأن التدخل السعودي في البحرين على حساب تغطية أكثر شمولية لانتفاضات أخرى رأت قطر فيها فرصةً لتشكيل ظروف أكثر ملاءمة لمصالحها ونفوذها وتنافسها الجيو-سياسي مع جاراتها مصر وليبيا وسوريا.

وقد أدت الثورات العربية والاحتجاجات إلى تخبط في الجزيرة، تُرجِم على الشاشة من خلال مجموعة واسعة من الخطابات المتناقضة التي وظفت فيها مفاهيم متباينة، وأحيانًا متناقضة، تضمّنت خطابات تناولت ضرورة الانتقال الديمقراطي، وأخرى طائفية عززت من الانقسامات المذهبية والعرقية، وأحيانًا وَظّفت خطابات عربية لمواجهة نفوذ دول إسلامية غير عربية. أدى هذا إلى تسارع عملية الهروب نحو مصادر أخرى للأخبار عند فئات واسعة من المشاهدين، وإلى نقد واسع طال الجزيرة بأن خطاباتها الثورية اصطدمت بحائط المصالح الكبرى للدولة الكفيلة، وبالتالي تحوّلت إلى النموذج الذي كانت تنتقده، نموذج القناة التي تُجيّر في حروب الإمارة. وقد ظهرت هذه الخطابات المتنوعة في العلاقة مع الانتفاضة السورية ومآلات الأخيرة وتحولها من انتفاضة شعبية إلى حرب مليشيات كان لقطر دور هام فيها، بما فيها استحداث الجزيرة لكل أنماط المسوّغات الخطابية -العروبية والطائفية- في عمليات التأثير على الرأي العام العربي. بل يمكن القول إن التنافس بين محورين ساهم في تأجيج العديد من الحروب الأهلية التي انبثقت عقب الثورات العربية، وتحويلها إلى صراع خليجي-خليجي تضمّن قطر وحليفتها تركيا من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى. سعى المحور القطري التركي إلى اغتنام فرصة الثورات لدعم صعود حلفائه خاصة من تيارات إسلامية كالإخوان، بينما أراد الثاني إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورات العربية. وقد أدّى هذا الصدام إلى محاولة السعودية ومصر والإمارات والبحرين احتواءَ دور قطر وإبطال مفعوله في المنطقة، من خلال حصار اقتصادي وسياسي استمر لأكثر من أربع أعوام.

الجزيرة هي النجاح الأكثر أهمية وحيوية لسياسة قطر الخارجية، وهي الأداة التي ساهمت بشكل كبير في وضع قطر على الخريطة السياسية.

لهذا لم يكن مستغربًا توظيف قطر للشبكة الإعلامية القطرية الواسعة، بما فيها الجزيرة ومنصات مختلفة، للتجييش في مواجهة دول الحصار، تضمنت تغطيات واسعة للتناقضات العائلية والسياسية والاجتماعية لدول مثل الإمارات ومصر والسعودية. وقد حاولت في تغطياتها تلك إيصال ثلاث رسائل أساسية: أولًا التركيز على الدعم والتلاحم القطري الداخلي في مواجهة الحصار، وثانيًا محاولة إظهار فشل الحصار في إحداث أثر اقتصادي واجتماعي سلبي على قطر، وثالثًا توجيه الشبكة الإعلامية الواسعة لتناول معمق لإشكاليات اجتماعية واقتصادية تواجه المملكة السعودية والإمارات وغيرها من دول حصار.

وقد ساهم هذا التوظيف الإعلامي بالإضاءة على مركزية الإعلام في خلق القوة الناعمة القطرية، بل في جعلها قبل الثورات العربية عاصمة سياسية للوساطة السياسية، وفي تحويلها إلى قوة على الدول الخليجية والعربية احتواؤها لما تضمنته سياساتها من دعم التكتلات والتيارات والنخب السياسية العربية التي رأت في الثورات العربية فرصة للانقلاب داخل النخب أنفسها.

ما بعد الانتفاضات

يُنسب إلى الجزيرة أنها جزء من العوامل التي أدت إلى الانتفاضات العربية. مما لا شك فيه أن هناك مجموعة من العوامل أثرت على خروج جماهير عربية إلى الشوارع لاستعادة الكرامة والمطالبة بإسقاط الأنظمة الحاكمة، وتشمل الركود الاقتصادي والبطالة، وانعدام الحريات السياسية والاجتماعية، وعدم التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي، والانفجار الديموغرافي الكبير وعوامل أخرى لا تقل أهمية. ومع ذلك، لعبت الجزيرة دورًا حيويًا في صياغة المطالب الاحتجاجية وتوجيهها نحو مفاهيم مثل الانتقال الديمقراطي. ففي تونس، دعمت الجزيرة الثورة منذ البداية، واستخدمت مواردها لتغطية التطورات على نطاق واسع دقيقة بدقيقة، وتمكنت من التقاط تاريخية اللحظة بطريقة حرّضت على مزيد من التمرد في كافة أنحاء العالم العربي.

وفي الوقت الحالي، أصبح مقطع فيديو مشهور لتونسي يصرخ «بن علي هرب» أيقونة في العالم العربي. ولعبت العديد من الأمثلة الأخرى على عاطفية اللحظة، ورحبت الجماهير العربية بالتحيز الشديد للجزيرة لصالح الثوريين. وساهم صحفيو القناة المتمرّسون، الذين جابوا العالم العربي، بجلب أكثر الصور أيقونية إلى ملايين المشاهدين، ما أكسب الثوريين في الشوارع العربية المزيد من الزخم والدعم، هذا بالإضافة إلى التغطية الإيجابية من الجزيرة. يقول وضّاح خنفر، إن «الجزيرة قامت بتكبير أصوات [المتظاهرين]». أمّا في مصر، فقدّمت قناة الجزيرة بثًا متواصلًا من ميدان التحرير، لتظهر وحشية نظام مبارك وكذلك بطولة الثوار. وفي ليبيا، قُتل مصور الجزيرة على يد القوات الموالية للقذافي. ولذا ليس من المستغرب أن يصدح دوي «تحيا الجزيرة» في أرجاء كافة البلدان المذكورة أعلاه، على الأقل في بدايات الأحداث.

يمكن القول إن قطر هي الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام العربي، خاصة في أوساط الطبقة الوسطى العربية، ما يعطيها دورًا مضخمًا في المنطقة، فمنابرها تصوغ وتتدخل بفعالية في تحديد ورسم شكل النقاش الدائر في العالم العربي.

ولكن سرعان ما تحول هذا الاحتفاء المبكر بدور الجزيرة إلى إشكالية تعدّت الصراع الخليجي-الخليجي الذي رأى في الثورات خطرًا وجوديًا يهدد شكل وطبيعة المنطقة وتوازناتها الحالية. وقد أدت لاحقًا سياسات قطر المتعددة إلى الحصار الرباعي. ولكن ما هو لافت هو التنقل المرن للجزيرة بين أقطاب خطابية مختلفة، تارة توظف المنطق العروبي كغطاء رافض لأدوار سياسية لدول إسلامية غير عربية، وتارة ترحل إلى الخطاب الطائفي والانقسامات المذهبية كمخرج يساهم في تعليل تقاربها من دول كتركيا أو يبرّر دعمها للعديد من المجموعات المسلحة في سوريا. وقد أدّى هذا التحول أيضًا إلى إرباك كبير داخل المؤسسات الإعلامية القطرية، فمن جهة ساهمت الثورات العربية أيضًا في جرّ تلك المؤسسات إلى عملية التخبط واللا وضوح، بل أحيانًا إلى مربع النفاق. فإذا كان اسم الجزيرة ودورها وهويتها الإعلامية بُنيا من خلال الإضاءة على قضايا قد تكون جامعة على المستوى العربي، كفلسطين في بدايات الألفية، إلّا أنّ الأحداث في أعوام الانتفاضات طفت على غرفة الأخبار في الجزيرة، وأصبحت تلهث وراء تسارع الأحداث وتواترها، وبالتالي التخبط في قراءة الحدث، أو في تحديد ماهية الحدث الذي تغطيه الجزيرة والحدث الذي تخفيه أو تتجاهله. هذا التخبط أدى للحظة حقيقة، بحيث لم تعد الشبكات الإعلامية القطرية قادرة على التحدث عن استقلاليتها عن منظومة المصالح التي تحكم قطر.

بالفعل، تركت الانتفاضات أثرها على الجزيرة، كما تركت الجزيرة أثرها على الانتفاضات العربية، وباتت الجزيرة ضحية نجاحها وضحية الكمّ الهائل من المعطيات التي كان عليها نقلها وتحليلها وإعطاء المشاهد سياق نشأة الحدث وما يعنيه على الحاضر السياسي ببعديه الإقليمي والمحلي، بما فيها فشلها في الإبقاء على مصداقية استقلاليتها عن السياسة الخارجية لقطر.

يقول فيليب سيب: «ليس هناك شك في أن الجزيرة ستبقى قوة رئيسية في المنطقة في السنوات المقبلة، ولكن دورها الفريد كمزود فريد للمحتوى المفتوح والصادق قد عفا عليه الزمن».[10] ويعزى ذلك لمجموعة من الأسباب، بينها ظهور المحطات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية ذات التوجه المحلي التي تتحدث إلى فئات مختلفة بانفتاح يلامس همومًا يوميةً تتعدى الحدث العربي الكبير، وهي وسائل إعلام كان بعضها مستقلًا عن الأموال الخليجية. ومن بين الأسباب كذلك فقدان القناة شيئًا من مصداقيتها، لأكثر من سبب، بينها تقديم عدد من صحفييها لاستقالاتهم بشكل علني لأسباب سياسية ومن بينهم غسان بن جدو، كما أن تعيين مواطن قطري وعضو من عائلة آل ثاني الحاكمة هو الشيخ أحمد بن جاسم بن محمد آل ثاني قد أضرّ بالصورة المتخيّلة حول استقلالية القناة.

الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني، مدير قناة الجزيرة، متحدثًا في الذكرى الـ15 لإطلاق القناة. تصوير كريم جعفر. أ ف ب.

وصف علي هاشم، الصحفي السابق في الجزيرة، صاحب عمله السابق بـ«آلة الحرب الإعلامية» التي «تنتحر صحافيًا». ومن خلال عملها كأداة للدعاية للثوار السوريين والليبيين، ومن ثم تبرير القمع في البحرين وتوفير غطاء من خلال الامتناع عن تسليط الضوء على مجريات الحدث هناك، فقد قوضت جزءًا من مصداقيتها وصورتها المهنية بين العديد من مشاهديها الذين يتحولون بشكل متزايد إلى مصادر الإنترنت والبدائل الإعلامية الصاعدة الأخرى كمصدر أساسي للأخبار.

الجزيرة هي النجاح الأكثر أهمية وحيوية لسياسة قطر الخارجية، وهي الأداة التي ساهمت بشكل كبير في وضع قطر على الخريطة السياسية، ولولاها كان الحديث عن التأثير القطري في المنطقة سيبدو مختلفًا.

لكن رغم ذلك كله، عقب اندلاع الانتفاضات وبسبب توظيف الجزيرة العلني في دعم الأجندة الخارجية لدولة قطر، وخسارة العلامة التجارية لمصداقيتها، نوعت قطر من استثماراتها الإعلامية، متخذة شكلًا مركبًا يتضمن صُحفًا كبيرة كـ«العربي الجديد» و«القدس العربي» و«تلفزيون العربي» و«تلفزيون سوريا»، ومواقع إلكترونية مثل «ألترا صوت» و«المدن» و«عربي 21» و«AJ+» و«ميدل إيست آي» (Middle East Eye)، والعديد من المنابر الثقافية والمعرفية والإعلامية والأكاديمية الأخرى التي تنتشر في العالم العربي برمته. تشير هذه الاستراتيجية إلى التقاء عوامل مختلفة ضاغطة أدت إلى إعادة تعريف حدود وطبيعة الاستثمار الإعلامي والثقافي المموّل قطريًا، بما فيه خلق «أوسام» جديدة موازية للجزيرة وموجهة لاستمالة شرائح جديدة.

استندت الاستراتيجية الجديدة إلى تصاعد أهمية ودور وسائل التواصل في تشكيل الرأي العام العربي، والحاجة إلى إعلام قادر على جذب القارئ المعني بالقضايا المحلية للأقطار المختلفة، وليس فقط التطورات الكبرى في المنطقة. بهذا المعنى، شكلت قطر في مساعيها لتعزيز نفوذها وقوتها الناعمة استراتيجية إعلامية تجمع ما بين القُطري الضيق والإعلام العربي الأوسع، ما بين تطويرها برامج علمية وترفيهية ذكية (الدحيح مثالًا) ومحاولتها جذب شرائح واسعة من الانتلجنسيا العربية الصاعدة والنشطاء السياسيين والاجتماعيين، خاصة المشتبك منهم بالاحتجاجات والحركات الاجتماعية التي أفرزتها الانتفاضات العربية، بغية صياغة نفوذها على جيل جديد من العرب. بل يمكن القول إن قطر هي الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام العربي، خاصة في أوساط الطبقة الوسطى العربية، ما يعطيها دورًا مضخمًا في المنطقة، فمنابرها تصوغ وتتدخل بفعالية في تحديد ورسم شكل النقاش الدائر في العالم العربي.

يرتبط نفوذ قطر الكبير في الشؤون العالمية بالجزيرة كعلامة تجارية إخبارية عالمية. لم تكن الجزيرة جواز سفر قطر للعالم فحسب، بل أيضًا شهادة ميلاد قطر كلاعب إقليمي. ولم يكن مستغربًا أن تُدرج الرباعية العربية -مصر والسعودية والإمارات والبحرين- في مطالبها لفك الحصار عن قطر إغلاق قناة الجزيرة. بالفعل عند الحديث عن شبكات قطر الإعلامية وملحقاتها الثقافية والسياسية فنحن نتحدث عن شبكة معقدة ومُتداخلة تستطيع استمالة تيارات ثقافية ونخبوية متعددة حتى من وسط المثقفين والإعلاميين النقديين للواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي. مكّن هذا قطر من توظيف القوة الناعمة التي تمتلكها في حماية مسعاها للحفاظ على سيادتها أمام توغّل جيرانها والتدخل التاريخي في شؤونها كموقع لصراعات الكبار.

  • الهوامش

    [1] Mohammad Al-Nawawy and Adel Iskandar. (2003). Al-Jazeera: The Story of a Network that is Rattling Governments and Redefining Modern Journalism. Westview Press Books.

    [2] ibid

    [3] Kasim, Faisal and Zayani, Mohammad (2005). «The Aljazeera Phenomena: Critical Perspectives on New Arab Media». Pluto Press.

    [4] Hijwai, Aref. (2011), «The Role of Aljazeera in the Arab Revolts». Heinrich Böll Stiftung.

    [5] ibid

    [6] Lisa Parks (2007) Insecure Airwaves: US Bombings of Aljazeera, Communication and Critical/Cultural Studies, 4:2, 226-231.

    [7] Seib, Philip. (2011). Al-Jazeera Effect: How the New Global Media is Reshaping World Politics. Washington DC, Potmac Inc.

    [8] Mamoun Fandy. (2008) (Un)civil War of Words: Media and Politics in the Arab World, London, Praeger. pp. 5 – 8.

    [9] Mamoun Fandy. (2008) (Un)civil War of Words: Media and Politics in the Arab World, London, Praeger. Pp 62

    [10] Seib, Philip. (2011). Al-Jazeera Effect: How the New Global Media is Reshaping World Politics. Washington DC, Potmac Inc.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

Welcome مرحبا بك في موقع اكوام It looks like you're using an ad blocker عزيزي المستحدم يبدو ان متصفحك يستخدم احد ادوات منع الاعلانات Please close your ad blocker برجاء اغلاق هذه الاداة او ضع موقعنا على القائمة البيضاء لديك